الأردن الى أين؟ بين عاصفة الإقليم واختبار الجبهة الداخلية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/20 الساعة 19:45
استقرار الأردن ليس مطلباً داخلياً أردنياً فحسب، وإنما مصلحة تتصل بأمن واستقرار الإقليم، وبشكل خاص دول الجوار العربي ودول الخليج. فالأردن، منذ نشأته، عاش في بيئة إقليمية مضطربة، وتمكن رغم محدودية موارده وحجم التحديات المحيطة به من المحافظة على استقراره واستمرار مؤسساته، وهو ما جعل استقرار المملكة على مدى عقود عاملاً مهماً في استقرار المنطقة.
لكن المرحلة الحالية تختلف في طبيعة تحدياتها. فالأردن يواجه في وقت واحد ضغوطاً اقتصادية، وتحديات جيوسياسية وأمنية، وتداعيات مباشرة لما يجري في فلسطين وسورية ولبنان والعراق والمنطقة عموماً ، ولذلك فإن التعامل مع المرحلة لا يحتمل قراءة سطحية للمشهد، ولا افتراض أن ما يجري حولنا سيبقى محصوراً خارج الحدود.
إسرائيل، بعد ما تعتبره تفوقاً عسكرياً في عدد من الجبهات الإقليمية، تسعى إلى إعادة ترتيب البيئة المحيطة بها وفق رؤيتها لمصالحها الأمنية والسياسية. ومن الخطأ أن ننظر إلى الأردن باعتباره خارج حسابات هذه التحولات، فالمشروع المتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، وما يمكن أن يترتب عليه من محاولات فرض واقع جديد في الضفة الغربية أو الدفع باتجاه التهجير، يمثل تحدياً مباشراً للمصالح الوطنية الأردنية، وليس مجرد تطور في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو العربي الإسرائيلي .
وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع الخطر الإسرائيلي لا ينبغي أن يقودنا إلى تجاهل الأطماع أو الحسابات الإيرانية في المنطقة ، فإيران، كما إسرائيل، دولة تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الإقليمية. وما شهدته المنطقة من محاولات لاستهداف مواقع في محيط وداخل الأردن أو اختراق أجوائه بالصواريخ والمسيّرات، تحت ذرائع مختلفة، يجب أن يقرأ ضمن المشهد الإقليمي الأشمل، لا باعتباره أحداثاً منفصلة.
وهنا تحديداً تبرز ضرورة أن يكون الموقف الأردني قائما على قاعدة واضحة: لا يمكن أن يكون الأردن ساحة لتصفية حسابات الآخرين، ولا ممرا لمشاريع إقليمية، ولا مساحة لتصدير أزمات المنطقة إليه.
فالأردن لديه مصالحه الوطنية التي يجب أن تبقى هي أساس قراره السياسي والأمني، بصرف النظر عن هوية الطرف الذي يشكل مصدر التهديد والأصوات الداعمة لاي طرف كان.
لكن حماية الأردن من هذه المخاطر لا تبدأ وتنتهي عند الحدود، فالقوة العسكرية والأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لحماية الدولة إذا لم تكن هناك جبهة داخلية متماسكة وقادرة على استيعاب الضغوط.
وهنا تصبح مسألة تحصين الجبهة الداخلية أولوية وطنية.
تحصين الجبهة الداخلية لا يعني إلغاء الاختلاف السياسي، ولا يعني تقييد الحريات العامة، ولا يعني أن تتوقف المعارضة عن ممارسة دورها أو أن يمتنع المواطن عن نقد الحكومة ،فالدولة القوية لا تخشى النقد، وإنما تحتاج إليه عندما يكون نقداً مسؤولاً يهدف إلى التصحيح والإصلاح والتجويد.
لكن في المقابل، هناك فارق وأضح بين الاختلاف السياسي المشروع وبين تحويل الخلافات الداخلية إلى حالة من الاستقطاب التي يمكن أن تستغلها أطراف خارجية لضرب الثقة بالدولة وابناءها ومؤسساتها أو تعميق الانقسامات داخل المجتمع.
نحن بحاجة إلى أن ندرك أن حماية الوطن لا تتطلب أن نتفق في كل شيء، من الطبيعي أن نختلف حول الحكومات والسياسات الاقتصادية والإدارية، وأن نختلف حول البرامج السياسية والأولويات الوطنية، لكن هذا الاختلاف يجب ألا يتحول إلى خلاف حول الدولة نفسها أو إلى إضعاف لمؤسساتها في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ، مهما اختلفت مشاربنا السياسية والأيديولوجية.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الدولة والحكومة في تحصين الجبهة الداخلية لا تقل عن مسؤولية المجتمع.
فلا يمكن مطالبة المواطن بالثقة دون أن تقدم له الدولة ما يعزز هذه الثقة، ولا يمكن مطالبة المجتمع بالتماسك بينما يشعر جزء منه بأن صوته غير مسموع أو أن مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية لا تجد استجابة حقيقية.
الحكومة مطالبة بأن تكون أقرب إلى المجتمع، ولكن القرب من الشارع لا يختصر بزيارة ميدانية أو متابعة مشكلة خدمية بمتابعة شبابيك مدرسة و دهان رصيف، أو افتتاح مشروع ، المطلوب قرب سياسي واقتصادي واجتماعي؛ أن تعرف الدولة ماذا يفكر الناس، وما الذي يقلقهم، وأن تقدم لهم إجابات واضحة، وأن تتعامل مع الأزمات وحلولها بشكل واضح قبل أن تتحول إلى أزمات ثقة.
كما أن تعمل على ضبط الفضاء العام ، والذي لا يعني إغلاقه بل يعني إدارته بصورة مسؤولة تحافظ على حرية الرأي والتعبير وحق الوصول إلى المعلومة، وفي الوقت نفسه تمنع التضليل المتعمد وخطابات التحريض والفتنة واستثمار الأزمات في خدمة أجندات لا تتفق مع المصلحة الوطنية.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الحدود ،فالمعلومة المضللة، والشائعة، وخطاب التخوين، والاستقطاب الحاد، يمكن أن تترك أثراً على المجتمع لا يقل عن أثر الأزمات الاقتصادية والسياسية نفسها.
وعليه، فإن الدولة بحاجة إلى سياسة اتصال أكثر وضوحاً وشفافية ،فترك مساحة المعلومات فارغة يفتح المجال أمام روايات أخرى لملئها ، وكلما كانت الدولة أسرع في تقديم المعلومة الدقيقة، وأكثر وضوحا في شرح سياساتها، كانت قدرتها أكبر على حماية المجتمع من الإشاعات والتأويلات والتحليلات.
اما الجانب السياسي، فإن تحصين الجبهة الداخلية يتطلب أيضا الاستثمار في إنتاج قيادات وطنية جديدة، فالدولة التي تريد مجتمعاً سياسياً قوياً كما تزعم دائماً لا تستطيع أن تعتمد دائماً على الوجوه ذاتها. الأردن بحاجة إلى جيل جديد من السياسيين والشباب القادرين على فهم تعقيدات المرحلة، والانتقال من ردود الفعل إلى صناعة السياسات، ومن الخطاب الشعبوي العاطفي إلى البرامج القابلة للتنفيذ.
وهذا يتطلب أن تكون الحياة السياسية مفتوحة أمام الكفاءات، وأن تكون الأحزاب قادرة على إنتاج قيادات حقيقية، وأن يجد الشباب طريقاً طبيعياً إلى مواقع المسؤولية، لا أن يبقى حضوره محصوراً في الفعاليات والشعارات.
إن الجبهة الداخلية لا تتحصن بالخطابات وحدها، وإنما تتحصن عندما يشعر المواطن أن الدولة عادلة، وأن القانون وسيادته يطبق على الجميع، وأن صوته مسموع، وأن لديه فرصة حقيقية للمشاركة، وأن الإصلاح السياسي والاقتصادي مسار مستمر وليس استجابة مؤقتة للظروف.
وفي المقابل، على القوى السياسية والاجتماعية والإعلامية أن تدرك أن المسؤولية الوطنية لا تتوقف عند حدود ممارسة الحق في النقد، فالمرحلة تتطلب قدراً من المسؤولية في الخطاب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا الأمن الوطني والسياسة الخارجية والتحديات التي تواجه الدولة.
يمكن أن نختلف مع الحكومة، ويمكن أن ننتقد سياساتها، ويمكن أن نطالب بتغييرها، وهذا كله جزء من الحياة السياسية الطبيعية، لكن لا ينبغي أن يتحول الخلاف السياسي إلى إضعاف لمفهوم الدولة أو إلى تقديم خدمة مجانية لمن يريد للأردن أن يكون أقل قدرة على مواجهة ما يجري حوله.
الأردن اليوم بحاجة إلى معادلة متوازنة"دولة قوية دون انغلاق، وحريات دون فوضى، وسيادة قانون على الجميع ،ومعارضة دون هدم، وحكومة حاضرة دون استعراض، وإعلام حر دون تضليل ومؤسسات تعمل وفق الدستور ".
وهذه المعادلة هي التي تستطيع أن تنتج جبهة داخلية قادرة على مواجهة المرحلة>
فالتحدي الحقيقي أمام الأردن ليس فقط ما يحدث على حدوده، وإنما قدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي في ظل ما يحدث حوله، وكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر ثقة، والحياة السياسية أكثر نضجاً، والاقتصاد أكثر قدرة على الصمود، والمجتمع أكثر تماسكاً، أصبحت محاولات التأثير الخارجي أقل قدرة على تحقيق أهدافها.
وفي النهاية، فإن الأردن ليس مطالباً بأن يكون طرفاً في صراعات الآخرين، وإنما أن يحمي مصالحه وسيادته وأمنه واستقراره.
وقد نختلف في السياسة، وهذا أمر صحي في أي دولة، لكننا بحاجة إلى الاتفاق على أن استقرار الأردن ليس قضية سلطة تنفيذية، ولا قضية معارضة، وإنما قضية دولة ومجتمع.
وفي إقليم يعاد تشكيله سياسياً وأمنياً، فإن الحفاظ على الأردن قوياً من الداخل هو جزء أساسي من حماية أمنه الوطني.
ولذلك، فإن الأولوية اليوم يجب أن تكون واضحة: تحصين الجبهة الداخلية، تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، حماية الحريات في إطار القانون، إنتاج قيادات سياسية جديدة، ورفع قدرة المجتمع على مواجهة التضليل والاستقطاب، بالتوازي مع استمرار الدولة في حماية حدودها ومصالحها الوطنية.
فالدول لا تحمي نفسها من الخارج فقط، وإنما تبدأ حمايتها من الداخل ،وكلما كان الأردن أكثر تماسكاً من الداخل، كان أكثر قدرة على رفض أن يكون ساحة لصراعات الآخرين، وأكثر قدرة على حماية قراره الوطني ومستقبله وامنه الاستراتيجي.
لكن المرحلة الحالية تختلف في طبيعة تحدياتها. فالأردن يواجه في وقت واحد ضغوطاً اقتصادية، وتحديات جيوسياسية وأمنية، وتداعيات مباشرة لما يجري في فلسطين وسورية ولبنان والعراق والمنطقة عموماً ، ولذلك فإن التعامل مع المرحلة لا يحتمل قراءة سطحية للمشهد، ولا افتراض أن ما يجري حولنا سيبقى محصوراً خارج الحدود.
إسرائيل، بعد ما تعتبره تفوقاً عسكرياً في عدد من الجبهات الإقليمية، تسعى إلى إعادة ترتيب البيئة المحيطة بها وفق رؤيتها لمصالحها الأمنية والسياسية. ومن الخطأ أن ننظر إلى الأردن باعتباره خارج حسابات هذه التحولات، فالمشروع المتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، وما يمكن أن يترتب عليه من محاولات فرض واقع جديد في الضفة الغربية أو الدفع باتجاه التهجير، يمثل تحدياً مباشراً للمصالح الوطنية الأردنية، وليس مجرد تطور في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو العربي الإسرائيلي .
وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع الخطر الإسرائيلي لا ينبغي أن يقودنا إلى تجاهل الأطماع أو الحسابات الإيرانية في المنطقة ، فإيران، كما إسرائيل، دولة تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الإقليمية. وما شهدته المنطقة من محاولات لاستهداف مواقع في محيط وداخل الأردن أو اختراق أجوائه بالصواريخ والمسيّرات، تحت ذرائع مختلفة، يجب أن يقرأ ضمن المشهد الإقليمي الأشمل، لا باعتباره أحداثاً منفصلة.
وهنا تحديداً تبرز ضرورة أن يكون الموقف الأردني قائما على قاعدة واضحة: لا يمكن أن يكون الأردن ساحة لتصفية حسابات الآخرين، ولا ممرا لمشاريع إقليمية، ولا مساحة لتصدير أزمات المنطقة إليه.
فالأردن لديه مصالحه الوطنية التي يجب أن تبقى هي أساس قراره السياسي والأمني، بصرف النظر عن هوية الطرف الذي يشكل مصدر التهديد والأصوات الداعمة لاي طرف كان.
لكن حماية الأردن من هذه المخاطر لا تبدأ وتنتهي عند الحدود، فالقوة العسكرية والأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لحماية الدولة إذا لم تكن هناك جبهة داخلية متماسكة وقادرة على استيعاب الضغوط.
وهنا تصبح مسألة تحصين الجبهة الداخلية أولوية وطنية.
تحصين الجبهة الداخلية لا يعني إلغاء الاختلاف السياسي، ولا يعني تقييد الحريات العامة، ولا يعني أن تتوقف المعارضة عن ممارسة دورها أو أن يمتنع المواطن عن نقد الحكومة ،فالدولة القوية لا تخشى النقد، وإنما تحتاج إليه عندما يكون نقداً مسؤولاً يهدف إلى التصحيح والإصلاح والتجويد.
لكن في المقابل، هناك فارق وأضح بين الاختلاف السياسي المشروع وبين تحويل الخلافات الداخلية إلى حالة من الاستقطاب التي يمكن أن تستغلها أطراف خارجية لضرب الثقة بالدولة وابناءها ومؤسساتها أو تعميق الانقسامات داخل المجتمع.
نحن بحاجة إلى أن ندرك أن حماية الوطن لا تتطلب أن نتفق في كل شيء، من الطبيعي أن نختلف حول الحكومات والسياسات الاقتصادية والإدارية، وأن نختلف حول البرامج السياسية والأولويات الوطنية، لكن هذا الاختلاف يجب ألا يتحول إلى خلاف حول الدولة نفسها أو إلى إضعاف لمؤسساتها في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ، مهما اختلفت مشاربنا السياسية والأيديولوجية.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الدولة والحكومة في تحصين الجبهة الداخلية لا تقل عن مسؤولية المجتمع.
فلا يمكن مطالبة المواطن بالثقة دون أن تقدم له الدولة ما يعزز هذه الثقة، ولا يمكن مطالبة المجتمع بالتماسك بينما يشعر جزء منه بأن صوته غير مسموع أو أن مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية لا تجد استجابة حقيقية.
الحكومة مطالبة بأن تكون أقرب إلى المجتمع، ولكن القرب من الشارع لا يختصر بزيارة ميدانية أو متابعة مشكلة خدمية بمتابعة شبابيك مدرسة و دهان رصيف، أو افتتاح مشروع ، المطلوب قرب سياسي واقتصادي واجتماعي؛ أن تعرف الدولة ماذا يفكر الناس، وما الذي يقلقهم، وأن تقدم لهم إجابات واضحة، وأن تتعامل مع الأزمات وحلولها بشكل واضح قبل أن تتحول إلى أزمات ثقة.
كما أن تعمل على ضبط الفضاء العام ، والذي لا يعني إغلاقه بل يعني إدارته بصورة مسؤولة تحافظ على حرية الرأي والتعبير وحق الوصول إلى المعلومة، وفي الوقت نفسه تمنع التضليل المتعمد وخطابات التحريض والفتنة واستثمار الأزمات في خدمة أجندات لا تتفق مع المصلحة الوطنية.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الحدود ،فالمعلومة المضللة، والشائعة، وخطاب التخوين، والاستقطاب الحاد، يمكن أن تترك أثراً على المجتمع لا يقل عن أثر الأزمات الاقتصادية والسياسية نفسها.
وعليه، فإن الدولة بحاجة إلى سياسة اتصال أكثر وضوحاً وشفافية ،فترك مساحة المعلومات فارغة يفتح المجال أمام روايات أخرى لملئها ، وكلما كانت الدولة أسرع في تقديم المعلومة الدقيقة، وأكثر وضوحا في شرح سياساتها، كانت قدرتها أكبر على حماية المجتمع من الإشاعات والتأويلات والتحليلات.
اما الجانب السياسي، فإن تحصين الجبهة الداخلية يتطلب أيضا الاستثمار في إنتاج قيادات وطنية جديدة، فالدولة التي تريد مجتمعاً سياسياً قوياً كما تزعم دائماً لا تستطيع أن تعتمد دائماً على الوجوه ذاتها. الأردن بحاجة إلى جيل جديد من السياسيين والشباب القادرين على فهم تعقيدات المرحلة، والانتقال من ردود الفعل إلى صناعة السياسات، ومن الخطاب الشعبوي العاطفي إلى البرامج القابلة للتنفيذ.
وهذا يتطلب أن تكون الحياة السياسية مفتوحة أمام الكفاءات، وأن تكون الأحزاب قادرة على إنتاج قيادات حقيقية، وأن يجد الشباب طريقاً طبيعياً إلى مواقع المسؤولية، لا أن يبقى حضوره محصوراً في الفعاليات والشعارات.
إن الجبهة الداخلية لا تتحصن بالخطابات وحدها، وإنما تتحصن عندما يشعر المواطن أن الدولة عادلة، وأن القانون وسيادته يطبق على الجميع، وأن صوته مسموع، وأن لديه فرصة حقيقية للمشاركة، وأن الإصلاح السياسي والاقتصادي مسار مستمر وليس استجابة مؤقتة للظروف.
وفي المقابل، على القوى السياسية والاجتماعية والإعلامية أن تدرك أن المسؤولية الوطنية لا تتوقف عند حدود ممارسة الحق في النقد، فالمرحلة تتطلب قدراً من المسؤولية في الخطاب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا الأمن الوطني والسياسة الخارجية والتحديات التي تواجه الدولة.
يمكن أن نختلف مع الحكومة، ويمكن أن ننتقد سياساتها، ويمكن أن نطالب بتغييرها، وهذا كله جزء من الحياة السياسية الطبيعية، لكن لا ينبغي أن يتحول الخلاف السياسي إلى إضعاف لمفهوم الدولة أو إلى تقديم خدمة مجانية لمن يريد للأردن أن يكون أقل قدرة على مواجهة ما يجري حوله.
الأردن اليوم بحاجة إلى معادلة متوازنة"دولة قوية دون انغلاق، وحريات دون فوضى، وسيادة قانون على الجميع ،ومعارضة دون هدم، وحكومة حاضرة دون استعراض، وإعلام حر دون تضليل ومؤسسات تعمل وفق الدستور ".
وهذه المعادلة هي التي تستطيع أن تنتج جبهة داخلية قادرة على مواجهة المرحلة>
فالتحدي الحقيقي أمام الأردن ليس فقط ما يحدث على حدوده، وإنما قدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي في ظل ما يحدث حوله، وكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر ثقة، والحياة السياسية أكثر نضجاً، والاقتصاد أكثر قدرة على الصمود، والمجتمع أكثر تماسكاً، أصبحت محاولات التأثير الخارجي أقل قدرة على تحقيق أهدافها.
وفي النهاية، فإن الأردن ليس مطالباً بأن يكون طرفاً في صراعات الآخرين، وإنما أن يحمي مصالحه وسيادته وأمنه واستقراره.
وقد نختلف في السياسة، وهذا أمر صحي في أي دولة، لكننا بحاجة إلى الاتفاق على أن استقرار الأردن ليس قضية سلطة تنفيذية، ولا قضية معارضة، وإنما قضية دولة ومجتمع.
وفي إقليم يعاد تشكيله سياسياً وأمنياً، فإن الحفاظ على الأردن قوياً من الداخل هو جزء أساسي من حماية أمنه الوطني.
ولذلك، فإن الأولوية اليوم يجب أن تكون واضحة: تحصين الجبهة الداخلية، تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، حماية الحريات في إطار القانون، إنتاج قيادات سياسية جديدة، ورفع قدرة المجتمع على مواجهة التضليل والاستقطاب، بالتوازي مع استمرار الدولة في حماية حدودها ومصالحها الوطنية.
فالدول لا تحمي نفسها من الخارج فقط، وإنما تبدأ حمايتها من الداخل ،وكلما كان الأردن أكثر تماسكاً من الداخل، كان أكثر قدرة على رفض أن يكون ساحة لصراعات الآخرين، وأكثر قدرة على حماية قراره الوطني ومستقبله وامنه الاستراتيجي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/20 الساعة 19:45