التجديد لمحافظ البنك المركزي.. ثقة بالأداء وترسيخ للاستقرار النقدي

سلامة الدرعاوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/20 الساعة 00:00
لم يكن قرار مجلس الوزراء بتجديد عقد محافظ البنك المركزي الأردني الدكتور عادل الشركس لخمس سنوات مقبلة مجرد إجراء يتعلق بتمديد ولاية مسؤول في موقع اقتصادي مهم، بل جاء ليؤكد نهجاً يقوم على ترسيخ الاستقرار المؤسسي في مؤسسة تضطلع بدور محوري في حماية الاستقرار النقدي والمصرفي وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني. ويكتسب توقيت هذا القرار، الذي جاء قبل نحو أربعة أشهر من انتهاء الولاية الحالية للمحافظ، دلالة خاصة، إذ يعكس الثقة بأداء البنك المركزي وقيادته، ويؤكد أهمية مواصلة النهج المهني في إدارة واحدة من أكثر المؤسسات الاقتصادية حساسية، خصوصاً في مرحلة تتعدد فيها المخاطر وتتداخل فيها التحديات.



وتنبع أهمية هذا التوقيت من أن الثقة في السياسة النقدية لا تقوم على القرارات وحدها، بل كذلك على وضوح توجهاتها ومصداقية المؤسسة التي تتولى إدارتها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التجديد المبكر باعتباره خطوة تعزز اليقين المؤسسي، وتبعث للقطاع المصرفي والمستثمرين إشارة واضحة بشأن استمرارية المرجعية المسؤولة عن إدارة السياسة النقدية والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. والاستمرارية هنا لا تعني مجرد بقاء قيادة في موقعها، وإنما تعني الحفاظ على تراكم الخبرة، واتساق السياسات،واستكمال البرامج طويلة الأجل، ضمن إطار مؤسسي يقوم على وضوح الأهداف والقدرة على التكيف مع المتغيرات.

والمتتبع لأداء المحافظ منذ تسلمه مهامه في كانون الثاني 2022، يلمس مساراً اتسم بالحفاظ على متانة الاستقرار النقدي والمصرفي، والتعامل الحصيف مع المتغيرات والتحديات التي فرضتها البيئة الاقتصادية إقليمياً ودولياً، في فترة اتسمت بدرجة عالية من التعقيد، مع ارتفاع التضخم العالمي، وتشدد السياسات النقدية الدولية، وتداعيات الأزمات الإقليمية المتلاحقة. وتقدم المؤشرات النقدية أساساً ملموساً لقراءة هذا المسار؛ إذ بلغ إجمالي الاحتياطيات الأجنبية نحو 28.4 مليار دولار بنهاية آب 2026، فيما سجل معدل التضخم 2.2 % خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام. ولا تختزل هذه الأرقام مجمل المشهد الاقتصادي، كما لا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد، إلا أنها تظل مؤشرات مهمة على متانة الوضع النقدي واستقرار الأسعار، وعلى فاعلية النهج الذي اتبعته السياسة النقدية في الحفاظ على هذه المكتسبات وتعزيزها.

غير أن قيمة قرار التجديد لا تقتصر على تثبيت ما تحقق، بل تمتد إلى توفير افق مستقر لاستكمال السياسات والبرامج التي تتطلب وقتاً ورؤية ممتدة، خصوصاً في مجالات تطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الشمول المالي، والتحول الرقمي، وتطوير أنظمة الدفع، وتعزيز الرقابة الاحترازية وإدارة المخاطر. وقد شهدت الولاية الحالية للمحافظ إطلاق الإستراتيجية الوطنية للاشتمال المالي، التي تستهدف رفع نسبة امتلاك البالغين للحسابات المالية إلى 65 % بنهاية عام 2028، إلى جانب رؤية التكنولوجيا المالية والابتكار، وهي ملفات بطبيعتها لا تحقق أهدافها من خلال قرارات قصيرة الأجل، وإنما تحتاج إلى تراكم مؤسسي واستمرارية في التنفيذ. ومن هنا، تكتسب استمرارية القيادة أهميتها في تحويل الخطط إلى نتائج، وربط الابتكار المالي بسلامة التطبيق وحماية المتعاملين، وتوسيع الوصول إلى الخدمات دون التهاون في إدارة المخاطر.

وفي جانب آخر، يرتبط سجل هذه المرحلة بتعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي يرأس المحافظ لجنتها الوطنية المعنية بهذا الملف. وقد أسهمت الجهود الوطنية المشتركة، على المستويات التشريعية والرقابية والتنفيذية، في خروج الأردن من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي عام 2023، وهو إنجاز مؤسسي يؤكد أن حماية السمعة المالية للمملكة لا تنفصل عن كفاءة الرقابة وفاعلية التنسيق والالتزام بالمعايير الدولية. غير أن المحافظة على هذا التقدم تتطلب مواصلة العمل وتطوير الأطر الرقابية وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يحافظ على سلامة النظام المالي وسمعة المملكة ومكانتها في المنظومة المالية الدولية.

وفي صلب عمل البنك المركزي، تبقى استقلالية القرار النقدي، المقترنة بالمساءلة والشفافية، عنصراً رئيسياً في حماية الاستقرار النقدي. فالسياسة النقدية الفاعلة تتطلب أن تُبنى القرارات على قراءة مهنية للبيانات والمخاطر، لا على ضغوط ظرفية أو اعتبارات قصيرة الأجل. واستمرارية القيادة تدعم هذا النهج حين تقترن بقوة المؤسسة ووضوح أهدافها؛ لكنها لا تعني جمود السياسة أو تثبيت أدواتها بمعزل عن المتغيرات، فالمطلوب هو ثبات الأهداف ومرونة الأدوات، والقدرة على التحرك في الوقت المناسب دون إرباك التوقعات أو إضعاف المصداقية.

ومن هنا يمكن قراءة التجديد المبكر باعتباره رسالة ثقة بمؤسسة البنك المركزي ونهجها، ويمكن أن يٌقرأ من الأسواق والمستثمرين والمؤسسات الدولية بأن الأردن حريص على استقرار مؤسساته الاقتصادية الأساسية وعدم إدخالها في دورات التغيير المتسارع. فالمرحلة المُقبلة لا تحتمل الاطمئنان إلى المنجز وحده، بل تتطلب يقظة أعلى واستعداداً دائماً للتغيرات والمخاطر والتحديات، لكن وجود قيادة مستقرة للبنك المركزي يوفر أحد عناصر الاستمرارية المطلوبة لحماية الاستقرار النقدي والمالي، وتطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الأردني.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/20 الساعة 00:00