كيف طورت اميركا سلاح العقوبات ضد خصومها؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/19 الساعة 18:39
مدار الساعة - عملت الولايات المتحدة في العقد الأخير بنشاط على تطوير "سلاح" شديد الخطورة، تمثل في العقوبات الاقتصادية ضد خصومها السياسيين والاقتصاديين على حد سواء.

في مركز هذه الآلية يقف جهاز في وزارة الخزانة الأمريكية - مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، المعروف باختصاره "OFAC". من خلال أوامر رئاسية، وقوائم سوداء، وعقوبات ثانوية، يستطيع هذا المكتب فصل دول وبنوك وشركات عملاقة عن نظام الدولار العالمي بضغطة زر.

هناك عاملان رئيسيان يمنحان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية قوته شبه اللامحدودة: الأول هو هيمنة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية وعملة للتجارة العالمية. فتقريبا كل صفقة دولية كبيرة، سواء في مجال النفط أو الشحن أو التكنولوجيا، تمر في مرحلة ما عبر بنك تسوية أمريكي. وبمجرد أن يُدرج المكتب كيانا معينا في قائمة "المواطنين المحددين والأشخاص المحظورين"، تُجمّد جميع أصوله في الولايات المتحدة، ولا يُسمح لأي مواطن أو شركة أمريكية بالتعامل معه.

أما العامل الثاني الأكثر "فتكا" فهو آلية العقوبات الثانوية، حيث تضع واشنطن أمام العالم إنذارا بسيطا: إما أن تتعاملوا مع الولايات المتحدة، أو تتعاملوا مع إيران – لكن ليس مع كليهما. وتفضل البنوك والشركات متعددة الجنسيات في أوروبا وآسيا عموما الوصول إلى السوق الأمريكية ونظام الدولار، وبذلك تضطر للامتثال لإملاءات المكتب.

في الملف الإيراني، تتركز أهداف المكتب تجاه طهران في مسارين رئيسيين: تصدير النفط والوصول إلى النظام المصرفي الدولي. إن العقوبات الصارمة التي أُعيد فرضها على قطاع الطاقة الإيراني ألحقت أضرارا جسيمة بإيرادات طهران من العملات الأجنبية، وأدت إلى تدهور قيمة الريال الإيراني، وأطلقت معدلات التضخم في البلاد إلى مستويات تاريخية. وفي الوقت نفسه، يحرص المكتب على تحديد وتعطيل شركات واجهة وشبكات صرف تُستخدم من قبل الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس.

الهدف ليس الضغط على الاقتصاد المدني فحسب، بل أيضا تجفيف مصادر تمويل "محور المقاومة" – بما في ذلك حزب الله، والحوثيون في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا.

يعتبر "OFAC" دلالة واضحة على استغلال الهيمنة الأمريكية بشكل مفرط، ولهذا السبب تتجه موسكو وبكين بنشاط إلى مسار إنشاء أنظمة موازية بديلة. فروسيا مثلا التي تعرضت بدورها لموجة غير مسبوقة من العقوبات عقب الأزمة في أوكرانيا، عززت علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع مختلف الدول، مستخدمة آليات التبادل التجاري وأنظمة تسوية مالية مستقلة لا تعتمد على الدولار.

أما بكين، فتواصل شركات الطاقة والتكرير الصينية الخاصة شراء النفط الإيراني بخصومات هائلة. ومن جهة أخرى، تتوخى البنوك الكبرى في الصين الحذر الشديد من التورط مع المكتب، خوفا من فقدان وصولها إلى النظام المالي العالمي.

بالنسبة لإسرائيل، فإن "OFAC" هو بمثابة مضاعف قوة استراتيجي من الدرجة الأولى. حيث تستغل المخابرات الإسرائيلية القوة التنفيذية القانونية والاقتصادية لوزارة الخزانة الأمريكية، لفرض عقوبات على شركات وبنوك تزعم ارتباطها بإيران.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/19 الساعة 18:39