هدى الأحمد تقدم شهادة إبداعية في ملتقى الشارقة للسرد

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/19 الساعة 15:02
مدار الساعة - إبراهيم السواعير- شاركت القاصّة الأردنية هدى الأحمد في الدورة الثانية والعشرين لملتقى الشارقة للسرد، الذي أقيم مؤخرًا في عمّان، بشهادة إبداعيّة قدّمت فيها إضاءات حول إرهاصات الكتابة ومواضيعها، وتشكّل شخصيّتها الأدبيّة والثقافيّة.

ولقيت الشهادة تفاعلًا واضحًا من الكتّاب والمثقفين، نظرًا لما حملته من قيم إنسانيّة طموحة، من خلال مجموعاتها القصصية: "مسّنا الحبّ"، و"أسرار خزنة"، و"امرأة قادمة من بعيد"، ومجموعتها القادمة التي ترى النور قريبًا بعنوان "جديلة هاربة".

وتاليًا نصّ الشهادة الإبداعيّة:

"أن تعيش في بيئة تغلب عليها الحياة البدوية بكل ما فيها من بساطة وتعب، من أفق مفتوح على الطبيعة والسماء فهذا يعطيك خيالًا واسعًا جامحًا نحو التعبير عن ذاتك، فأنت تعرف جميع من حولك وتعرف حكاياتهم وتفاصيل يومهم، لا بل إنك تعرف ما يمتلكون من أغنام وابل، وبالتالي تشكل هذه المكونات شخصيتك، بعكس المدينة التي تتسلل عقدها ليومياتك.

في صغري كنت أجلس بين خالاتي وعماتي ونساء القرية اللواتي غلبت عليهن اللكنة البدوية وبساطة العيش والقبول بقدرهن الذي فرضته الجغرافيا، وكانت المدارس قد بدأت بالانتشار وشكَّل التوجه نحو التعليم وجهًا جديدًا للحياة، وصارت المقارنة بين ما تسمعه من حكايات الأمهات والجدات وما تتلقفه من المدرسة، ثم دخول المذياع والتلفزيون لاحقًا، وما أدى إليه كل ذلك من تغير في النظر إلى الحياة.

كان للقصيدة والقصة التي تحملها الكتب المدرسية وللمعلمة ومواضيع الإنشاء فضلٌ كبيرٌ في توسيع مداركي، وصرت أتساءل: كيف يمكن أن تكون شاعرًا أو قاصًّا، كيف يمكن أن تكون أديبًا، كيف يمكن أن تحافظ على علاقتك بمحيطك البسيط، في حين أنَّ داخلك يتوسع بشكل متسارع، لتبدأ بحالة الرفض لبعض الأمور في مجتمعك البسيط، كفكرة الزواج المبكر، وقضايا الثأر، كيف يمكن أن توائم بين ضرورة حلب الأغنام والقيام بواجباتك المدرسية، كيف يمكن أن توفِّق ما بين حبك للكتاب وضرورة القيام بأعمال البيت من طبخ وتنظيف؟!

تعلمون أنَّ القراءة تعيد تشكيل شخصية الإنسان، والكاتب الحصيف يعرف كيف يختار قراءاته، وقد انقطعتُ فترةً ليست بالقصيرة عن القراءة، الأمر الذي يدفعني لتعويض ما فاتني.

الواقع لا يعجب أحدًا، ولعلَّ هذا وجهٌ من وجوه العدالة، في كتابي الأول (مسَّنا الحب) نثرتُ على صفحات الكتاب مشاعر وأحاسيس على شكل ومضات ونتف شعرية، وجاء بعضها على شكل قصة قصيرة جدًّا، وما إن خرج الكتاب حتى قلت لنفسي ليتني ما نشرته، فهو لا يعبر عن هدى التي أريد!

مع تعمق تجربتي جاءت مجموعتي القصصية "أسرار خزنة"، وهنا وضعتُ أمامي الفكرة التالية:

إذا لم يستطع كاتب القصة القصيرة أن يترك أثرًا في نفس المتلقي، فهذا يعني أنه استفاض بتفاصيل سردية جعلت القارئ يغوص في عالم الكلام، وبلا إحساس بما قدمه القاص، وهنا تتضح أهمية الفهم الصحيح لمكونات القصة القصيرة .

من خلال مجموعة "أسرار خزنة"، أردت تقديم صورة متعددة الألوان حول ما واجهته المرأة في البادية مندرجة تحت سردية الواقع البدوي، والذي يشكل جزءًا مهمًّا من السردية الأردنية.

مجموعة "أسرار خزنة" جاءت لتعبِّر عن حالة وجودية للمرأة الأردنية في البادية، وعن دورها الكبير في الحياة اليومية، وعن مكانتها بكل ما في المجتمع البدوي من تناقضات، فهي الشيخة، وهي الزوجة المؤتمنة، وهي الأم والطفلة التي تحب الحياة بكل تلقائيتها.

لا يخفى على أحدٍ صعوبة العيش في البادية والترحال المستمر بحثًا عن الماء والكلأ، وحتى وقت قريب كانت قصة توطين البدو الشغل الشاغل لدول المنطقة ومنها الأردن، وتحوُّل أهل البادية إلى حضر مستقرين، إذ أخذت حكاياتهم تختلف باختلاف نمط الحياة، وهذا يعطي لهذه المجموعة أهمية خاصة .

الحنين إلى الماضي يشكل لوحة تذكارية في أعماق كل فرد فينا، فكم جلسنا إلى أمهاتنا وجدّاتنا نستمع إلى قصص الصراع على البقاء في بوادينا، ودخول الخرافة في كثير من حكاياتهاّ!.. وقد حاولتُ الدخول إلى تلك العوالم الغرائبية والتي هي أشبه ما تكون بالأساطير، فجاءت مجموعة "أسرار خزنة" تشبهني إلى حد كبير .. ففرحت بها.

في مجموعتي القصصية الثانية التي حملت عنوان (امرأة قادمة من البعيد) أعدتُ كلَّ أحلامي الهاربة وكتبت بجرأة أكبر، مبتعدًا عن حال بنت البادية، والتي بلا شك تلتقي مع بنت الريف والمدينة في كثير من الأمور، فهناك باب واحد للحياة تلتقي فيه كل النساء، ذلك أنَّ المفردات اليومية لحياتنا ليست قرارنا، فالأب والأخ والزوج والابن شركاء إلى حد كبير في قراراتنا، وقد حاولتُ أن أعود من أقصى نقطة إلى الوسط، بعيدًا عن التمرّد على العادات والتقاليد الاجتماعية التي تحاسب المرأة على الكلمة.

في كتابي القادم سأكون أكثر قدرةً على التعبير عن ذاتي، فما زلت أبحث عن اسم له وربما سأعطيه عنوانًا متمردًا، وأقول"جديلة هاربة"!

نعم "جديلة هاربة" باتجاه أفق أوسع وطرح لقضايا أكثر جرأة باستخدام لغتي البسيطة والجملة القصيرة المتزنة.

ويظلّ المتلقّي هدفي، ليرى الحياة من خلال ما أقدمه له من قصص واقعية ممزوجة بخيال غير شاطح، فشباب اليوم وشاباته مختلفون جدًّا بفعل التكنولوجيا والهاتف النقال الذي جعل العالم قرية صغيرة بين أيديهم، وقد ذابت الفوارق وانتشرت الحروب وصار الوجع الإنساني واحدًا.

من انشغالاتي محاولة الاقتراب من أدب الأطفال واليافعين، ولعل الكتابة لهم من أصعب أشكال الكتابة؛ ذلك أنك تسعى لتقديم أدب تربوي قبل سعيك للتراكيب، وتحاول مجتهدًا أن تبني جيلًا قد يكون سبقك بكثير في التعامل مع معطيات الحياة، وهو الأمر الذي يعيدنا للحديث عن أثر التقنيات الحديثة في تشكيل مسار الحياة لليافعين، وفي الوقت نفسه تريد أن تبني وتزرع فيهم قيمًا تحملهم إلى معانٍ سامية.

ها أنا أقدم سرديَّتي بكل بساطة بنت البادية ووضوح النهار في المراعي، وفيها حاولت التخفف من عقد اللغة، ولكن بكل موضوعية، وكنت دائمًا أنتبه لكل ما يقوله النقاد حول تجربتي في الكتابة، وأعمل على إعادة بناء القصة، لإيماني بأنَّ النقد المتخصص فعل يؤدي إلى تجويد النصوص وتلافي الأخطاء.

كانت الكتابة آخر متنفس لفتاة عاشت ما بين البداوة والحضر وحاولت اللحاق بمعطيات العصر الحالي، والذي جعل البداوة ديكورًا وجزءًا من تراث عميق عتيق، ومن هنا كانت الصعوبة في ولادة الفكرة والذهاب بها نحو حالة إبداعية تنتج أدبًا حقيقيًّا، فإذا جاءت الفكرة تبدأ بالإلحاح لصياغتها، وكنت دومًا أحرص على أن أخرجها بقالب مقبول ولغة تناسب الفيلسوف وطالب المدرسة وبنت القرية والمدينة، بعيدًا عن المبالغات والأوهام، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك".
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/19 الساعة 15:02