لا اعتراف متبادلاً قبل التكافؤ: طريق المشرق إلى المائدة الخليجية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/17 الساعة 12:17
مدار الساعة - د. فاضل الزعبي - حين تتشدد دول مجلس التعاون الخليجي في اشتراطات السلامة الغذائية وشهادات المنشأ وتتبّع المنتج، يكون الرد المعتاد في عواصم المشرق شكوى من الكلفة ومطالبة بالتسهيل. هذا الرد يخطئ العنوان. فالسوق الخليجية لا تحتاج إلى مجاملة، بل إلى دليل. وأطروحتي أن "الاعتراف المتبادل" بين المشرق والخليج شعار سابق لأوانه، وأن الطريق الواقعي أن يتقدّم تحالف صغير من الدول الأكثر جاهزية، بطلب اعترافٍ خليجي بتكافؤ أنظمته في سلع محددة، على منصة تحقق مشرقية مشتركة تتسع لاحقاً لمن يستوفي شروطها.
الخليج يريد دليلاً لا مجاملة
تستورد دول الخليج الجزء الأكبر من غذائها، ويُعاد تصدير جانب من هذه الواردات عبر مراكزها اللوجستية إلى أسواق تفرض بدورها معاييرها. والسلطة الرقابية التي تُحاسَب أمام مستهلكها عن أي حادثة لا تملك ترف الثقة المفترضة. وقد رأينا في نيسان/أبريل 2021 كيف أوقفت السعودية استيراد الخضر والفاكهة اللبنانية بعد ضبط شحنات مخدرات مخبأة في الرمان، وفق ما أعلنت الرياض. لم تكن المشكلة في جودة الرمان، بل في انهيار الثقة بمنظومة التفتيش والتتبّع، ودفع ثمنها كل مزارع لبناني.
ولا يعني ذلك نفي احتمال الحمائية؛ فالمعيار الفاصل هو ما تنص عليه اتفاقية الصحة والصحة النباتية (SPS) لمنظمةالتجارة العالمية: أي اشتراط يتجاوز معايير الدستور الغذائي (Codex) يجب أن يستند إلى تقييم للمخاطر وألا يُطبَّق تمييزياً. ويصبح الاشتراط موضع شبهة حين يُفرض على المستورد ويُعفى منه المنتج المحلي، أو حين يتغيّر فجأة بلا مسوّغ علمي معلن. ما دون ذلك يُناقَش فنياً، لا سياسياً.
الثقة تبدأ من الرقابة
الاعتراف المتبادل يفترض تكافؤاً بين مختبرات معتمدة وأنظمة تفتيش وتتبّع وجهات إنفاذ قادرة على المعاقبة. وهذا التكافؤ غير متحقق اليوم، والتفاوت داخل المشرق نفسه كبير: الأردن مؤسساته قائمة ويمكن تقييمها، ولبنان يعاني تآكلاً مؤسسياً، وسوريا تعيد بناء أجهزتها، والصادرات الفلسطينية رهينة معابر يتحكم بها الاحتلال. ثم إن الأردن وحده بين الدول الأربع عضو في منظمة التجارة العالمية، ما يعني أن مبدأ التكافؤ في المادة الرابعة من اتفاقيةSPS لا يُلزم الخليج قانونياً حيال الدول الثلاث الأخرى.
فلماذا يقبل الخليج؟ لأن الاعتراف بالتكافؤ، إذا صُمِّم جيداً، يخدمه: يخفض كلفة الفحص عند حدوده، وينوّع مصادر الإمداد القريبة براً، ويُبقي له حق التدقيق والتعليق. المطلوب إذن ليس اعترافاً متبادلاً بين متكافئين، بل اعتراف خليجي قابل للمراجعة بأن نظاماً مشرقياً محدداً يحقق مستوى الحماية نفسه. وانتظار إجماع مشرقي يعني عملياً تسليم الإيقاع لأقل الأنظمة جاهزية، بينما يصنع نجاح دولة واحدة نموذجاً تقيس عليه الدول الأخرى نفسها.
التكافؤ مصلحة مشتركة
يستند المقترح إلى مرجعيات قائمة لا إلى نصوص جديدة: المادة الرابعة من اتفاقية SPS، وإرشادات الدستور الغذائي للحكم على تكافؤ التدابير الصحية المرتبطة بأنظمة التفتيش وإصدار الشهادات (CAC/GL 53-2003)، واتفاقات الاعتراف الدولية بين جهات الاعتماد، علماً أن مركز الاعتماد الخليجي موقّع على ترتيب الاعتراف المتبادل للتعاون الدولي لاعتماد المختبرات .(ILAC)
ويُنشأ الإطار ببروتوكول بين الدول المشاركة من ضمن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ويُربط بـ الاستراتيجية العربية للأمن الغذائي التي أقرّتها قمة بغداد في أيار/مايو 2025. ويقوم الإطار فنياً على أربع ركائز: مختبرات معتمدة دولياً تُقبل نتائجها من دون إعادة فحص، وسجل رقمي مشترك يربط كل شحنة بمزرعتها ومجمّعها، وحدود متبقيات مبيدات مواءَمة مع المعتمد خليجياً، وشهادة منشأ رقمية يصعب تزويرها. وتتولى الحوكمة أمانة فنية صغيرة ومجلس مشترك يضم الجهات الرقابية الخليجية. أما النزاعات فتُحلّ بتدقيق مشترك خلال مهلة محددة، مع قاعدة جوهرية: تعليق المصدّر المخالف أو الشحنة المخالفة، لا حظر دولة بأكملها.
الشهادة الجماعية عبر التعاونيات والمجمّعين تخفض الكلفة الفردية، لكنها تنهار إذا غاب نظام رقابة داخلي، إذ تُسقط مخالفة عضو واحد المجموعة كلها، وتفتح باب هيمنة المجمّع على السعر. والتفتيش المبني على المخاطر يكافئ السجل النظيف، لكنه يعاقب المصدّر الجديد الذي لا يملك سجلاً بعد. وتقاسم الكلفة بين الدولة والمانحين والمستوردين ضروري في البداية، لكنه يتحول إلى اتكال إن لم يُربط بجدول تناقص زمني. والسجلات الرقمية تتطلب اتصالاً بالشبكة، وثقةً بالجهة التي تملك البيانات. أما ممرات التصدير المعتمدة مسبقاً فتُسرّع العبور، لكنها تميل بطبيعتها إلى المصدّرين الكبار القريبين من المنافذ. لذلك لا تنجح هذه الأدوات إلا مجتمعة، وشرط أن يُخصَّص جزء من كل ممر لمجمّعين يخدمون المنتجين الصغار.
خطوة أولى تبدأ من السعودية
في المرحلة الأولى، وخلال عام، تتحرك دول المشرق أو بعضها بتقييم ذاتي لأنظمتها وفق إرشادات الدستور الغذائي، في سلعتين أو ثلاث ذات طلب خليجي ثابت، وبمشاركة خبراء من الجهات الخليجية منذ اليوم الأول. وفي المرحلة الثانية، يُطلق ممر تجريبي مع دولة خليجية واحدة لسلعة واحدة، مع حق تدقيق كامل للطرف المستورد. وفي المرحلة الثالثة، يتوسع الإطار سلعياً وجغرافياً، ويُفتح لباقي دول المشرق عند استيفاء المعايير نفسها، لا قبل ذلك.
والخطوة الأولى الملموسة لا تحتاج إلى قمة: أن يوجّه وزير الزراعة، بالشراكة مع المؤسسة العامة للغذاء والدواء، طلباً رسمياً إلى الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية، بوصف السعودية أكبر سوق خليجية مجاورة براً، لتقييم مشترك لتكافؤ منظومة الخضر والفاكهة الطازجة بإشراك هيئة التقييس الخليجية، وأن تتبنى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية هذا المسار من ضمن تنفيذ الاستراتيجية العربية للأمن الغذائي.
الثقة لا تُطلب بالبيانات الوزارية، بل تُبنى بأنظمة تصمد أمام التدقيق.
الخليج يريد دليلاً لا مجاملة
تستورد دول الخليج الجزء الأكبر من غذائها، ويُعاد تصدير جانب من هذه الواردات عبر مراكزها اللوجستية إلى أسواق تفرض بدورها معاييرها. والسلطة الرقابية التي تُحاسَب أمام مستهلكها عن أي حادثة لا تملك ترف الثقة المفترضة. وقد رأينا في نيسان/أبريل 2021 كيف أوقفت السعودية استيراد الخضر والفاكهة اللبنانية بعد ضبط شحنات مخدرات مخبأة في الرمان، وفق ما أعلنت الرياض. لم تكن المشكلة في جودة الرمان، بل في انهيار الثقة بمنظومة التفتيش والتتبّع، ودفع ثمنها كل مزارع لبناني.
ولا يعني ذلك نفي احتمال الحمائية؛ فالمعيار الفاصل هو ما تنص عليه اتفاقية الصحة والصحة النباتية (SPS) لمنظمةالتجارة العالمية: أي اشتراط يتجاوز معايير الدستور الغذائي (Codex) يجب أن يستند إلى تقييم للمخاطر وألا يُطبَّق تمييزياً. ويصبح الاشتراط موضع شبهة حين يُفرض على المستورد ويُعفى منه المنتج المحلي، أو حين يتغيّر فجأة بلا مسوّغ علمي معلن. ما دون ذلك يُناقَش فنياً، لا سياسياً.
الثقة تبدأ من الرقابة
الاعتراف المتبادل يفترض تكافؤاً بين مختبرات معتمدة وأنظمة تفتيش وتتبّع وجهات إنفاذ قادرة على المعاقبة. وهذا التكافؤ غير متحقق اليوم، والتفاوت داخل المشرق نفسه كبير: الأردن مؤسساته قائمة ويمكن تقييمها، ولبنان يعاني تآكلاً مؤسسياً، وسوريا تعيد بناء أجهزتها، والصادرات الفلسطينية رهينة معابر يتحكم بها الاحتلال. ثم إن الأردن وحده بين الدول الأربع عضو في منظمة التجارة العالمية، ما يعني أن مبدأ التكافؤ في المادة الرابعة من اتفاقيةSPS لا يُلزم الخليج قانونياً حيال الدول الثلاث الأخرى.
فلماذا يقبل الخليج؟ لأن الاعتراف بالتكافؤ، إذا صُمِّم جيداً، يخدمه: يخفض كلفة الفحص عند حدوده، وينوّع مصادر الإمداد القريبة براً، ويُبقي له حق التدقيق والتعليق. المطلوب إذن ليس اعترافاً متبادلاً بين متكافئين، بل اعتراف خليجي قابل للمراجعة بأن نظاماً مشرقياً محدداً يحقق مستوى الحماية نفسه. وانتظار إجماع مشرقي يعني عملياً تسليم الإيقاع لأقل الأنظمة جاهزية، بينما يصنع نجاح دولة واحدة نموذجاً تقيس عليه الدول الأخرى نفسها.
التكافؤ مصلحة مشتركة
يستند المقترح إلى مرجعيات قائمة لا إلى نصوص جديدة: المادة الرابعة من اتفاقية SPS، وإرشادات الدستور الغذائي للحكم على تكافؤ التدابير الصحية المرتبطة بأنظمة التفتيش وإصدار الشهادات (CAC/GL 53-2003)، واتفاقات الاعتراف الدولية بين جهات الاعتماد، علماً أن مركز الاعتماد الخليجي موقّع على ترتيب الاعتراف المتبادل للتعاون الدولي لاعتماد المختبرات .(ILAC)
ويُنشأ الإطار ببروتوكول بين الدول المشاركة من ضمن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ويُربط بـ الاستراتيجية العربية للأمن الغذائي التي أقرّتها قمة بغداد في أيار/مايو 2025. ويقوم الإطار فنياً على أربع ركائز: مختبرات معتمدة دولياً تُقبل نتائجها من دون إعادة فحص، وسجل رقمي مشترك يربط كل شحنة بمزرعتها ومجمّعها، وحدود متبقيات مبيدات مواءَمة مع المعتمد خليجياً، وشهادة منشأ رقمية يصعب تزويرها. وتتولى الحوكمة أمانة فنية صغيرة ومجلس مشترك يضم الجهات الرقابية الخليجية. أما النزاعات فتُحلّ بتدقيق مشترك خلال مهلة محددة، مع قاعدة جوهرية: تعليق المصدّر المخالف أو الشحنة المخالفة، لا حظر دولة بأكملها.
الشهادة الجماعية عبر التعاونيات والمجمّعين تخفض الكلفة الفردية، لكنها تنهار إذا غاب نظام رقابة داخلي، إذ تُسقط مخالفة عضو واحد المجموعة كلها، وتفتح باب هيمنة المجمّع على السعر. والتفتيش المبني على المخاطر يكافئ السجل النظيف، لكنه يعاقب المصدّر الجديد الذي لا يملك سجلاً بعد. وتقاسم الكلفة بين الدولة والمانحين والمستوردين ضروري في البداية، لكنه يتحول إلى اتكال إن لم يُربط بجدول تناقص زمني. والسجلات الرقمية تتطلب اتصالاً بالشبكة، وثقةً بالجهة التي تملك البيانات. أما ممرات التصدير المعتمدة مسبقاً فتُسرّع العبور، لكنها تميل بطبيعتها إلى المصدّرين الكبار القريبين من المنافذ. لذلك لا تنجح هذه الأدوات إلا مجتمعة، وشرط أن يُخصَّص جزء من كل ممر لمجمّعين يخدمون المنتجين الصغار.
خطوة أولى تبدأ من السعودية
في المرحلة الأولى، وخلال عام، تتحرك دول المشرق أو بعضها بتقييم ذاتي لأنظمتها وفق إرشادات الدستور الغذائي، في سلعتين أو ثلاث ذات طلب خليجي ثابت، وبمشاركة خبراء من الجهات الخليجية منذ اليوم الأول. وفي المرحلة الثانية، يُطلق ممر تجريبي مع دولة خليجية واحدة لسلعة واحدة، مع حق تدقيق كامل للطرف المستورد. وفي المرحلة الثالثة، يتوسع الإطار سلعياً وجغرافياً، ويُفتح لباقي دول المشرق عند استيفاء المعايير نفسها، لا قبل ذلك.
والخطوة الأولى الملموسة لا تحتاج إلى قمة: أن يوجّه وزير الزراعة، بالشراكة مع المؤسسة العامة للغذاء والدواء، طلباً رسمياً إلى الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية، بوصف السعودية أكبر سوق خليجية مجاورة براً، لتقييم مشترك لتكافؤ منظومة الخضر والفاكهة الطازجة بإشراك هيئة التقييس الخليجية، وأن تتبنى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية هذا المسار من ضمن تنفيذ الاستراتيجية العربية للأمن الغذائي.
الثقة لا تُطلب بالبيانات الوزارية، بل تُبنى بأنظمة تصمد أمام التدقيق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/17 الساعة 12:17