ولي العهد يرسم خريطة الأولويات الوطنية

مكرم الطراونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/17 الساعة 00:41
حديث نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، خلال ترؤسه جانبا من جلسة مجلس الوزراء، يمكن قراءته من زاويتين متداخلتين؛ الأولى تتصل بحياة الأردنيين اليومية وما ينتظرونه من مؤسساتهم، والثانية تتعلق بكيفية حماية الأردن ومصالحه الاقتصادية في محيط إقليمي شديد الاضطراب.

الملفات التي توقف سموه عندها تمس المواطن بشكل مباشر، كتوفر السلع، والأسعار، والسياحة وفرص العمل، والخدمات الحكومية الرقمية، والصحة، وكفاءة الإدارة، وصولا إلى قدرة الدولة على اتخاذ القرار استنادا إلى بيانات دقيقة. وفي الوقت نفسه، حضرت قضايا النقل والشحن وسلاسل التوريد والمخزون الإستراتيجي والعلاقات الاقتصادية الخارجية، وهي ملفات تتصل مباشرة بقدرة الأردن على الصمود في بيئة إقليمية متقلبة.

دعوة ولي العهد إلى التعامل مع سلاسل التوريد بوصفها "أولوية وطنية"، والحفاظ على مخزون إستراتيجي من المواد والسلع الأساسية، تكتسب دلالة تتجاوز الإدارة اليومية للسوق نحو مفهوم أوسع للأمن الوطني، وسط منطقة مضطربة لا يمكن التنبؤ بتقلباتها، وهو أمر يحتاج، إضافة للقدرة الأمنية والعسكرية، إلى قدرة اقتصادية ولوجستية تحمي حياة الناس من آثار الأزمات للمحافظة على انتظام الاقتصاد.

ولم يتوقف سموه عند إدارة تداعيات الأزمة الراهنة، وإنما انتقل إلى ما ينبغي أن تفعله الحكومة للاستفادة من التحركات التي يقودها جلالة الملك مع دول العالم، فالزيارات واللقاءات الملكية، والاتفاقات التي وقعت فيها، ينبغي أن تتحول إلى برامج ومشروعات قابلة للقياس والتنفيذ، وأن تنتقل الفرص من مستوى العلاقات والاتفاقيات إلى الاقتصاد الحقيقي القادر على تحسين مستوى المعيشة، وهو ما أكد عليه سموه بوضع مصلحة المواطنين وتحسين مستواهم المعيشي معيارا أعلى لقياس نجاح السياسات العامة.

هذا النهج يظهر، أيضا، في حديثه عن السياحة التي تعتبر قطاعا يتشابك مع النقل والفنادق والمطاعم والحرف والأسواق والمجتمعات المحلية وفرص العمل. لذلك فإن حديث سموه يركز على إدارة المواقع السياحية، وتنويع الأسواق المستهدفة، وتحسين تجربة الزائر، وهي مشكلات تشغيلية محددة، وليس حديثا تقليديا عن أهمية القطاع.

الأمر نفسه ينطبق على التكنولوجيا التي ينبغي أن تسهل حياة المواطن، وأن القيمة الحقيقية للتحول الرقمي تكمن في مقدار الوقت والجهد والكلفة التي توفرها على الناس، وفي قدرتها على إيصال الخدمة إلى المواطن أينما كان.

ربما كان حديث سموه عن البيانات والذكاء الاصطناعي من أكثر النقاط ارتباطا بمستقبل الإدارة الحكومية. الدولة الحديثة لا تستطيع إدارة مؤسساتها وملفاتها اعتمادا على تقديرات عامة أو بيانات متفرقة ومتأخرة، فتحسين إدارة البيانات الحكومية يعني الانتقال تدريجيا نحو قرار يستند إلى المعلومة، ويمكن من خلاله اكتشاف المشكلة مبكرا، وقياس أثر السياسات، وتوجيه الموارد إلى المكان الذي تحتاج إليه فعليا.

اجتماع هذه الملفات معا في حديث ولي العهد، يضعنا أمام خريطة طريق واضحة لأولويات المرحلة، وهي أولويات تبدأ بدولة تحمي حدودها وأمنها، وتديم سلاسل إمدادها ومخزونها، وتبحث عن فرص سياسية واقتصادية في الخارج لتحويلها إلى نتائج في الداخل. كل هذا بالتوازي مع تطوير بنيتها التحتية وقطاعاتها الاقتصادية، لتحسين حياة المواطن.

متابعة سموه لهذه الملفات، لا بد أن ترفع سقف المسؤولية التنفيذية الملقاة على الحكومة، وتسرع من إنجازها، خصوصا أن الملفات تتعلق بمستقبل الأردن وجغرافيته التي لم يخترها طواعية، بل فرضت عليه، كما تتعلق بحياة المواطن ورفاهه.

في محيط ملتهب، كان الأردن على الدوام يعمد إلى إدارة المخاطر والاستعداد لها، وفي الوقت ذاته يواصل البناء استعدادا للمستقبل. هذه هي الدلالة الأهم في حديث ولي العهد، فمواجهة الظروف الإقليمية لا تعني تجميد خطط الأردن، وإنما زيادة قدرته على الحركة، وحماية ما لديه من منجزات، وأيضا استثمار الفرص المتاحة أمامه من أجل مستقبل أفضل لأبنائه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/17 الساعة 00:41