حين تصبح البيروقراطية رقمية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/15 الساعة 22:37
مدار الساعة - بقلم : المحامي طارق اسماعيل النسور - في السنوات الأخيرة قطع الأردن خطوات مهمة في طريق التحول الرقمي ، وأصبح المواطن يستطيع إنجاز عدد كبير من معاملاته من هاتفه أو حاسوبه ، دون الحاجة إلى الوقوف طويلًا في طوابير المؤسسات الحكومية .
وهذا تطور مهم لا يمكن إنكاره ، فالمعاملة الإلكترونية توفر الوقت والجهد وتخفف الازدحام ، وتقلل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف ، كما أنها تفتح الباب أمام توثيق الإجراءات ومتابعة المعاملة بشكل أكثر وضوحًا .
لكن يبقى سؤال بسيط يطرحه المواطن أحيانًا : إذا كانت معاملتي إلكترونية ، لماذا ما زلت مضطرًا لمراجعة المؤسسة؟
هنا تحديدًا تبدأ الحكاية ، قد يقدم المواطن طلبه إلكترونيًا، ويرفق الوثائق، ويدفع الرسوم، ويحصل على رقم للطلب، ثم تأتيه رسالة تطلب منه مراجعة المؤسسة لاستكمال إجراء معين.
في هذه اللحظة يشعر المواطن أن التكنولوجيا لم تلغِ البيروقراطية، وإنما نقلتها من الورق إلى الشاشة، ثم أعادته الشاشة إلى الباب نفسه الذي حاول أن يتجاوزه.
وبالطبع، ليس من العدل أن نقول إن كل معاملة إلكترونية تنتهي بهذه الطريقة، أو أن التحول الرقمي لم يحقق نتائج. على العكس، هناك خدمات أصبحت أسهل وأسرع بكثير، وهذا إنجاز يجب البناء عليه لا التقليل منه.
لكن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني فقط أن نضع المعاملة على منصة إلكترونية ،
فالرقمنة ليست تحويل الورقة إلى ملف PDF"" ، وليست استبدال الطابور أمام شباك الموظف بطابور افتراضي أمام شاشة الهاتف ، الرقمنة الحقيقية تعني أن نعيد النظر في الإجراء نفسه .
إذا كانت المعاملة تحتاج خمس موافقات عندما كانت ورقية ، ثم أصبحت تحتاج خمس موافقات إلكترونية ، فنحن لم نصلح الإجراء ، نحن فقط جعلناه إلكترونيًا .
وإذا كان المواطن مطالبًا بإدخال بيانات موجودة أصلًا لدى الحكومة ، ثم يطلب منه إحضار وثيقة تثبت البيانات نفسها ، فالسؤال هنا ليس ، لماذا لا يستخدم المواطن التطبيق ؟ بل لماذا لا تتبادل المؤسسات الحكومية البيانات التي تملكها أصلًا ؟
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
الإدارة الحديثة لا تقاس بعدد التطبيقات والمنصات فقط ، وإنما بعدد الإجراءات التي اختفت من حياة المواطن .
فالنجاح الحقيقي ليس أن نقول إن لدينا خدمة إلكترونية ، وإنما أن يستطيع المواطن إنجازها من البداية إلى النهاية دون مراجعة ، ما لم تكن هناك حاجة قانونية أو فنية حقيقية للحضور الشخصي .
وهذا لا يعني إلغاء الموظف الحكومي أو الاستغناء عن دوره ، على العكس ، الموظف في الإدارة الحديثة يجب أن ينتقل من دور " استلام المعاملة " إلى دور أكثر أهمية : حل المشكلة واتخاذ القرار ومساعدة المواطن عندما يحتاج إلى المساعدة .
وهنا تظهر أيضًا مسألة قانونية وإدارية مهمة ، كل إجراء حكومي يجب أن تكون له غاية واضحة وصلاحية محددة ومسؤولية معروفة.
وعندما تصبح الإجراءات إلكترونية ، يجب ألا تضيع المسؤولية خلف النظام .
من وافق ؟ ومن رفض ؟ ولماذا تأخرت المعاملة ؟ ما المدة التي يفترض أن تستغرقها ؟ وهل يستطيع المواطن معرفة أين وصلت معاملته ؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية في الإدارة الرقمية ، لأن التكنولوجيا يفترض أن تجعل الإدارة أكثر شفافية لا أكثر غموضًا .
ومن إيجابيات التحول الرقمي أنه يمكن أن يجعل مسار المعاملة قابلًا للتتبع والتوثيق ، ويقلل مساحة الاجتهاد غير المنضبط ، ويعطي الإدارة بيانات تساعدها على معرفة أماكن التأخير ومواطن الخلل .
لكن في المقابل ، هناك تحديات يجب ألا نتجاهلها ، فليس كل المواطنين على الدرجة نفسها من القدرة على استخدام التكنولوجيا، وهناك كبار سن وأشخاص قد لا يمتلكون المهارات الرقمية الكافية ومناطق قد تواجه تحديات في الوصول إلى الخدمات الرقمية .
لذلك يجب أن تكون الرقمنة وسيلة لتسهيل الخدمة وليس لإقصاء المواطن الذي لا يجيد استخدامها .
كما أن حماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي تحول رقمي، لأننا عندما ننقل معاملات الناس وبياناتهم من الملفات الورقية إلى الأنظمة الرقمية، فإننا ننقل معها مسؤولية أكبر في حمايتها.
التحول الرقمي فرصة كبيرة لإعادة بناء الإدارة العامة على أسس أكثر سرعة وشفافية وكفاءة.
لكن علينا أن نتذكر دائمًا:
ليس الهدف أن تصبح البيروقراطية إلكترونية ، الهدف أن تصبح الإدارة أبسط والقرار أسرع والخدمة أفضل والمواطن أقل حاجة لمراجعة المؤسسة .
فالورقة قد تختفي والطابع قد يختفي وحتى الموظف خلف الشباك قد يختفي ، لكن إذا بقيت الإجراءات نفسها ، وبقيت الصلاحيات معقدة وبقي المواطن يدور من جهة إلى أخرى ، فإن البيروقراطية لم تختف ، هي فقط أصبحت رقمية ، لهذا لا نريد ان تصبح وتتحول البيروقراطية رقمية .
وهذا تطور مهم لا يمكن إنكاره ، فالمعاملة الإلكترونية توفر الوقت والجهد وتخفف الازدحام ، وتقلل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف ، كما أنها تفتح الباب أمام توثيق الإجراءات ومتابعة المعاملة بشكل أكثر وضوحًا .
لكن يبقى سؤال بسيط يطرحه المواطن أحيانًا : إذا كانت معاملتي إلكترونية ، لماذا ما زلت مضطرًا لمراجعة المؤسسة؟
هنا تحديدًا تبدأ الحكاية ، قد يقدم المواطن طلبه إلكترونيًا، ويرفق الوثائق، ويدفع الرسوم، ويحصل على رقم للطلب، ثم تأتيه رسالة تطلب منه مراجعة المؤسسة لاستكمال إجراء معين.
في هذه اللحظة يشعر المواطن أن التكنولوجيا لم تلغِ البيروقراطية، وإنما نقلتها من الورق إلى الشاشة، ثم أعادته الشاشة إلى الباب نفسه الذي حاول أن يتجاوزه.
وبالطبع، ليس من العدل أن نقول إن كل معاملة إلكترونية تنتهي بهذه الطريقة، أو أن التحول الرقمي لم يحقق نتائج. على العكس، هناك خدمات أصبحت أسهل وأسرع بكثير، وهذا إنجاز يجب البناء عليه لا التقليل منه.
لكن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني فقط أن نضع المعاملة على منصة إلكترونية ،
فالرقمنة ليست تحويل الورقة إلى ملف PDF"" ، وليست استبدال الطابور أمام شباك الموظف بطابور افتراضي أمام شاشة الهاتف ، الرقمنة الحقيقية تعني أن نعيد النظر في الإجراء نفسه .
إذا كانت المعاملة تحتاج خمس موافقات عندما كانت ورقية ، ثم أصبحت تحتاج خمس موافقات إلكترونية ، فنحن لم نصلح الإجراء ، نحن فقط جعلناه إلكترونيًا .
وإذا كان المواطن مطالبًا بإدخال بيانات موجودة أصلًا لدى الحكومة ، ثم يطلب منه إحضار وثيقة تثبت البيانات نفسها ، فالسؤال هنا ليس ، لماذا لا يستخدم المواطن التطبيق ؟ بل لماذا لا تتبادل المؤسسات الحكومية البيانات التي تملكها أصلًا ؟
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
الإدارة الحديثة لا تقاس بعدد التطبيقات والمنصات فقط ، وإنما بعدد الإجراءات التي اختفت من حياة المواطن .
فالنجاح الحقيقي ليس أن نقول إن لدينا خدمة إلكترونية ، وإنما أن يستطيع المواطن إنجازها من البداية إلى النهاية دون مراجعة ، ما لم تكن هناك حاجة قانونية أو فنية حقيقية للحضور الشخصي .
وهذا لا يعني إلغاء الموظف الحكومي أو الاستغناء عن دوره ، على العكس ، الموظف في الإدارة الحديثة يجب أن ينتقل من دور " استلام المعاملة " إلى دور أكثر أهمية : حل المشكلة واتخاذ القرار ومساعدة المواطن عندما يحتاج إلى المساعدة .
وهنا تظهر أيضًا مسألة قانونية وإدارية مهمة ، كل إجراء حكومي يجب أن تكون له غاية واضحة وصلاحية محددة ومسؤولية معروفة.
وعندما تصبح الإجراءات إلكترونية ، يجب ألا تضيع المسؤولية خلف النظام .
من وافق ؟ ومن رفض ؟ ولماذا تأخرت المعاملة ؟ ما المدة التي يفترض أن تستغرقها ؟ وهل يستطيع المواطن معرفة أين وصلت معاملته ؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية في الإدارة الرقمية ، لأن التكنولوجيا يفترض أن تجعل الإدارة أكثر شفافية لا أكثر غموضًا .
ومن إيجابيات التحول الرقمي أنه يمكن أن يجعل مسار المعاملة قابلًا للتتبع والتوثيق ، ويقلل مساحة الاجتهاد غير المنضبط ، ويعطي الإدارة بيانات تساعدها على معرفة أماكن التأخير ومواطن الخلل .
لكن في المقابل ، هناك تحديات يجب ألا نتجاهلها ، فليس كل المواطنين على الدرجة نفسها من القدرة على استخدام التكنولوجيا، وهناك كبار سن وأشخاص قد لا يمتلكون المهارات الرقمية الكافية ومناطق قد تواجه تحديات في الوصول إلى الخدمات الرقمية .
لذلك يجب أن تكون الرقمنة وسيلة لتسهيل الخدمة وليس لإقصاء المواطن الذي لا يجيد استخدامها .
كما أن حماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي تحول رقمي، لأننا عندما ننقل معاملات الناس وبياناتهم من الملفات الورقية إلى الأنظمة الرقمية، فإننا ننقل معها مسؤولية أكبر في حمايتها.
التحول الرقمي فرصة كبيرة لإعادة بناء الإدارة العامة على أسس أكثر سرعة وشفافية وكفاءة.
لكن علينا أن نتذكر دائمًا:
ليس الهدف أن تصبح البيروقراطية إلكترونية ، الهدف أن تصبح الإدارة أبسط والقرار أسرع والخدمة أفضل والمواطن أقل حاجة لمراجعة المؤسسة .
فالورقة قد تختفي والطابع قد يختفي وحتى الموظف خلف الشباك قد يختفي ، لكن إذا بقيت الإجراءات نفسها ، وبقيت الصلاحيات معقدة وبقي المواطن يدور من جهة إلى أخرى ، فإن البيروقراطية لم تختف ، هي فقط أصبحت رقمية ، لهذا لا نريد ان تصبح وتتحول البيروقراطية رقمية .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/15 الساعة 22:37