مجتمع صراع الروايات: من يقف ضد من في عصر الانفلات الرقمي؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 10:56
سؤال بسيط في ظاهره: من يقف ضد من؟ لكنه يتحوّل إلى متاهة حين نحاول الإجابة عنه، إذ تبدّلت الخصومات وتضاعفت ولبست وجوهًا لا تُحصى: الفرد ضد الخوارزمية، والجيل ضد الجيل، والنخبة ضد نخبة أخرى، والحكومات ضد المنصات، وأنت في لحظات كثيرة ضد نفسك. لم يعد السؤال المهم "كيف غيّرتنا التكنولوجيا؟"، فهذا سؤال قديم أُجيب عنه مرارًا دون جدوى. السؤال الذي يستحق أن يُطرح الآن هو: من نحن حين تتغيّر التكنولوجيا أسرع من قدرتنا على فهم أنفسنا؟
العالم الرقمي، الذي وُلد وعدًا بالتواصل والمعرفة والانفتاح، تحوّل تدريجيًا إلى ساحة اشتباك مفتوحة لا يحكمها مركز واحد، ولا تُدار بمنطق واحد. و"الانفلات الرقمي" هنا ليس فوضى تقنية عابرة، بل حالة بنيوية: انفلات المعلومة من مصدرها، وانفلات الهوية من ثباتها، وانفلات السلطة من احتكارها التقليدي. وفي قلب هذا الانفلات يقف السؤال الوجودي ذاته الذي بدأنا به: من يقف ضد من في هذا المجتمع الجديد الذي أعاد تشكيل خرائط الصراع المجتمعي بالكامل؟
قبل الرقمنة، كانت الحقيقة تُنتَج عبر مؤسسات الدولة الرسمية، والجامعة، والصحيفة، ودار النشر، والمرجعية العلمية، تحكمها بوابات تحقق بطيئة لكنها موثوقة نسبيًا. اليوم، أصبح كل فرد ناشرًا محتملًا، وكل خوارزمية محررًا خفيًا لا يُسأل عن معاييره، ولا يُحاسَب على اختياراته. هذا لم يُنتج ديمقراطية معرفية، بل تعددية روايات متوازية لا تتقاطع، لكل فقاعة حقيقتها الخاصة ومنطقها المغلق الذي يعيد إنتاج نفسه بلا احتكاك حقيقي مع الرأي الآخر.
الصراع الفكري ليس بين "الحقيقة والكذب" بالمعنى الكلاسيكي، بل بين منطق التحقق البطيء ومنطق الانتشار السريع الذي يكافئ الإثارة والتكرار، وبين الخبرة المتخصصة والرأي الجماهيري المُضخَّم خوارزميًا، وبين العقل النقدي والتحيز التأكيدي الذي تغذّيه المنصات عمدًا لأنه يُبقي المستخدم متصلًا ويحوّل انتباهه إلى سلعة. والنتيجة أن المجتمعات لم تعد تختلف حول التفسير، بل حول الوقائع ذاتها، وهذا فارق جوهري: يمكن للمجتمع أن يعيش باختلاف التأويلات، لكنه يتفكك حين يفقد أرضية مشتركة لما هو "واقع" أصلًا. فحين ينعدم الاتفاق على الوقائع الأولية، يصبح كل حوار عمومي مجرد تبادل اتهامات متوازية، لا نقاشًا حقيقيًا، لأن الطرفين لا يتحدثان أصلًا عن الشيء نفسه.
اجتماعيًا، لم نعد نعرف من يقف ضد من فعليًا. جيل تناظري يحاول اللحاق بالرقمي يواجه جيلًا وُلد داخل الشاشة، والفجوة ليست تقنية فقط بل في مفهوم الخصوصية والانتماء والوقت. وهناك الفرد في مواجهة الخوارزمية، الصراع الأكثر خفاءً، والتي تُشكّل نطاق اختياراته بينما يظن أنه يختار بحرية، وتستثمر معرفتها به لا لخدمته بل لإطالة أمد ارتباطه بها في علاقة غير متكافئة. وتبرز مواجهة النخب التقليدية (السياسي، الصحفي، الأكاديمي) مع "نخب" الانتشار الجديدة التي لا تحكمها مسؤولية مهنية بل قدرة على "الترند"، بينما تنتج الرقمنة عزلة جديدة داخل الجماعة نفسها: يجتمع الناس افتراضيًا بأعداد ضخمة بينما تتراجع قدرتهم على الإصغاء المتبادل.
ومن أخطر ما أفرزه هذا الفضاء أن التنافس بين من يُسمّون بالنخب لم يعد على تقديم مشروع أفضل، بل على تفكيك صورة الخصم، لأن خطاب "التسقيط" أكثر ربحًا خوارزميًا من خطاب "البناء". فتتحول الساحة إلى حلبة تصفية حسابات دائمة، ويبقى الجمهور وقودًا لها لا مجرد متفرج، يُستدعى ليصفّق أو يهاجم دون أن يدرك أنه جزء من رقعة شطرنج لا يملك فيها سوى دور "المُشاهد المُستهلَك".
سياسيًا، تقف الدولة الوطنية في مواجهة المنصة التي أصبحت فاعلًا شبه سيادي يقرر ما يُنشر ومن يُحجب، فتجد نفسها تتفاوض لا تأمر مع كيانات خارج سيادتها القانونية الكاملة. ومن رحم هذا الفراغ التنظيمي، يكتسب الخطاب الشعبوي المبسّط أفضلية بنيوية على الخطاب المؤسسي المتأني، لأن المعيار الحاكم هو الانتشار لا الصدق. وهو ما يُنتج فراغًا تنظيميًا تستغله أطراف متعددة، لفرض أجنداتها الخاصة بعيدًا عن أي مساءلة تُذكر.
ومن أبرز مظاهر هذا الانفلات إداريًا ظاهرة متكررة: مسؤول جديد يعلن أنه استلم مؤسسة "منهارة"، بصرف النظر عن حقيقة الحال، ليؤسس سردية "الإنقاذ" التي تمنحه مشروعية فورية وتضخّم أي إنجاز لاحق. والمفارقة أن الجمهور الذي مجّد المسؤول السابق سرعان ما ينقلب عليه، ثم تنكشف لاحقًا حقيقة أن الرواية كانت عكس الواقع، فتبدأ الدورة من جديد، نتاج بيئة رقمية بلا ذاكرة نقدية تكافئ الرواية الأحدث بصرف النظر عن مطابقتها للواقع. فيتحول بذلك التاريخ المؤسسي نفسه إلى مادة قابلة لإعادة الكتابة كل مرة يتغيّر فيها الفاعل الذي يمسك بالميكروفون. عندها يتحول الجمهور إلى وقود، وينتقل من التطبيل لهذا إلى الهجوم عليه، دون أن يُراكم وعيًا يحميه من الانخداع بالدورة ذاتها حين تتكرر، وبذلك تبقى المؤسسات تدور في ذات الحلقة.
والأردن، كغيره من الدول التي تراهن على تماسك نسيجها الاجتماعي، معنيّ مباشرة بمواجهة هذه الظاهرة قبل أن تستفحل آثارها. فحماية المجتمع من هذا التشويه المنظَّم لا يجوز أن تبقى عبئًا فرديًا يتحمّله كل مواطن وحده، بل مسؤولية مباشرة تقع على مؤسسات الدولة، التي يُفترض أن تضع آليات واضحة لكشف حقيقة أي مسؤول يروّج لنفسه "منقذًا"، بدل أن يُترك الجمهور يصفّق له قبل اختبار أدائه الفعلي. فكثير من هذه الروايات، حين تُفحص بعين موضوعية، تكشف أن صاحبها هو من قاد المؤسسة إلى التراجع سنوات طويلة، لا من أنقذها. ويزداد الأمر خطورة حين يجد هذا الخطاب المضلِّل منبرًا يُروَّج له عبر أصوات فاقدة لأدنى معايير النزاهة والمصداقية. وهنا تبرز المسؤولية الوطنية بشقيها: إما أن تتصدى الجهات المعنية مباشرة للدفاع عن الحقيقة وكشفها للرأي العام، أو أن تنظّم مواجهات علنية شفافة بين الأطراف المعنية، تُحاسَب من خلالها كل رواية لا تستند إلى وقائع ثابتة.
ولعل امتحان الثانوية العامة في الأردن هذا العام يقدّم نموذجًا حيًا وقريبًا لهذا الصراع بين الروايات المتزاحمة على الرأي العام، حين تصدّرت المشهد ألسنة متعددة: أصحاب القرار فيها لهم روايات متعددة، وبعض وزراء التربية السابقين لديهم قراءتهم الخاصة، وتربويون وسياسيون ومن أبناء المجتمع من أدلى برأيه، حتى بات المواطن العادي عاجزًا عن تمييز أين تقع الحقيقة وسط هذا الركام من التصريحات المتضاربة التي لا يجمعها معيار واحد ولا مرجعية موحدة. وبقي السؤال معلّقًا: هل كان امتحان الثانوية العامة سليمًا أم مشوبًا بثغرات جوهرية؟ وهل النتائج تعكس مستوى حقيقيًا أم انعكاسًا لأزمة أعمق في المنظومة ذاتها؟ كل طرف كان يملك روايته المقنعة له ولمؤيديه، وكل فقاعة كانت تعيد إنتاج يقينها الخاص دون أن تلتقي مع الفقاعة المقابلة عند نقطة واحدة. وظلّ الجدل الداخلي يدور في حلقة مفرغة من الاتهامات والتبريرات المتبادلة، إلى أن حسم الأمر طرف خارجي لم يكن جزءًا من هذا الصراع أصلًا: فحين قرر المجلس الأعلى للجامعات المصرية إخضاع الطلبة الأردنيين المقبولين في الجامعات المصرية لامتحانات تكميلية، وكأنه يقول صراحة إن شهادة الثانوية الأردنية "غير مكتملة"، جاء هذا القرار بمثابة حكم فعلي يتجاوز كل الروايات المحلية المتضاربة، ويكشف أن الجدل الداخلي، بكل ضجيجه، لم يفلح في إنتاج إجابة واحدة موثوقة، تاركًا الفراغ لجهة خارجية لتحسم بقرارها الإداري ما عجزت مؤسساتنا عن حسمه بالحقيقة والشفافية. وهذه هي الكلفة الحقيقية لغياب رواية رسمية موحّدة وموثّقة: حين لا تحسم الدولة رواية مؤسساتها بنفسها، يتولى الآخرون حسمها نيابة عنها، وغالبًا على حساب سمعتها وأبنائها.
ومن هنا تكتسب توجيهات جلالة الملك بحماية المؤسسات ومسؤوليها من التشهير غير المستند إلى حقائق أهمية خاصة، إذ لا يجوز أن تقف المؤسسات الرسمية موقف المتفرج بينما تُنتهك سمعتها وسمعة العاملين فيها بأمانة. فصمت المؤسسات في هذه اللحظات لا يُقرأ حيادًا، بل تخليًا يشجّع على تكرار الظاهرة، فيتحوّل هذا الصمت نفسه إلى سلاح معنوي قاتل يطال هيبة مؤسسات الدولة وثقة الناس بمؤسساتها وأبنائها.
وثمة بُعد أعمق بدأ يتشكل: صعود الذكاء الاصطناعي كطرف فاعل لا مجرد أداة، حين تتولى نظم توليد المحتوى كتابة الأخبار والحجج السياسية، فيصبح أحد أطراف الصراع منظومة تنتج ملايين الأصوات المتزامنة التي تبدو متعددة وهي صدى لمصدر واحد. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف نميّز إجماعًا حقيقيًا عن إجماع مُصنَّع؟ وكيف تحمي المجتمعات مساحتها العمومية من أن تتحول إلى مسرح تديره سيناريوهات آلية لا إرادات بشرية حرة؟
الإجابة لن تأتي من رفض التكنولوجيا، بل من ثلاثة مسارات متكاملة: "تربية نقدية" تُعلّم الأجيال أن تسأل "من المستفيد من هذه الرواية؟" قبل تبنّيها، وهنا تجدر الإشارة إلى ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ"التحصين المعرفي المسبق"، وهو أسلوب مثبت علميًا يقوم على تعريض الأفراد لجرعات مصغّرة من أساليب التضليل قبل مواجهتها فعليًا، بما يشبه اللقاح الذهني الذي يبني مناعة جماعية ضد التلاعب قبل وقوعه، لا بعده. و"تشريعات متوازنة" تحدّ من التلاعب الخوارزمي دون خنق الفضاء العام. و"مؤسسات قوية" تستعيد ثقة الناس بالفعل المُوثَّق لا بالشعارات المتكررة، والاعتراف بالخطاء لا بالبحث عن التبريرات، وحماية أبنائها لا بالتخلي عنهم.
فالمعركة الحقيقية اليوم بين وعي قادر على المساءلة ووعي مُستسلم للتدفق، ولن تُحسم إلا بقرار يعيد اليقظة الجماعية، والقادر وحده على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وأدواته، بدل أن تبقى الأدوات هي من تُعيد صياغته.
العالم الرقمي، الذي وُلد وعدًا بالتواصل والمعرفة والانفتاح، تحوّل تدريجيًا إلى ساحة اشتباك مفتوحة لا يحكمها مركز واحد، ولا تُدار بمنطق واحد. و"الانفلات الرقمي" هنا ليس فوضى تقنية عابرة، بل حالة بنيوية: انفلات المعلومة من مصدرها، وانفلات الهوية من ثباتها، وانفلات السلطة من احتكارها التقليدي. وفي قلب هذا الانفلات يقف السؤال الوجودي ذاته الذي بدأنا به: من يقف ضد من في هذا المجتمع الجديد الذي أعاد تشكيل خرائط الصراع المجتمعي بالكامل؟
قبل الرقمنة، كانت الحقيقة تُنتَج عبر مؤسسات الدولة الرسمية، والجامعة، والصحيفة، ودار النشر، والمرجعية العلمية، تحكمها بوابات تحقق بطيئة لكنها موثوقة نسبيًا. اليوم، أصبح كل فرد ناشرًا محتملًا، وكل خوارزمية محررًا خفيًا لا يُسأل عن معاييره، ولا يُحاسَب على اختياراته. هذا لم يُنتج ديمقراطية معرفية، بل تعددية روايات متوازية لا تتقاطع، لكل فقاعة حقيقتها الخاصة ومنطقها المغلق الذي يعيد إنتاج نفسه بلا احتكاك حقيقي مع الرأي الآخر.
الصراع الفكري ليس بين "الحقيقة والكذب" بالمعنى الكلاسيكي، بل بين منطق التحقق البطيء ومنطق الانتشار السريع الذي يكافئ الإثارة والتكرار، وبين الخبرة المتخصصة والرأي الجماهيري المُضخَّم خوارزميًا، وبين العقل النقدي والتحيز التأكيدي الذي تغذّيه المنصات عمدًا لأنه يُبقي المستخدم متصلًا ويحوّل انتباهه إلى سلعة. والنتيجة أن المجتمعات لم تعد تختلف حول التفسير، بل حول الوقائع ذاتها، وهذا فارق جوهري: يمكن للمجتمع أن يعيش باختلاف التأويلات، لكنه يتفكك حين يفقد أرضية مشتركة لما هو "واقع" أصلًا. فحين ينعدم الاتفاق على الوقائع الأولية، يصبح كل حوار عمومي مجرد تبادل اتهامات متوازية، لا نقاشًا حقيقيًا، لأن الطرفين لا يتحدثان أصلًا عن الشيء نفسه.
اجتماعيًا، لم نعد نعرف من يقف ضد من فعليًا. جيل تناظري يحاول اللحاق بالرقمي يواجه جيلًا وُلد داخل الشاشة، والفجوة ليست تقنية فقط بل في مفهوم الخصوصية والانتماء والوقت. وهناك الفرد في مواجهة الخوارزمية، الصراع الأكثر خفاءً، والتي تُشكّل نطاق اختياراته بينما يظن أنه يختار بحرية، وتستثمر معرفتها به لا لخدمته بل لإطالة أمد ارتباطه بها في علاقة غير متكافئة. وتبرز مواجهة النخب التقليدية (السياسي، الصحفي، الأكاديمي) مع "نخب" الانتشار الجديدة التي لا تحكمها مسؤولية مهنية بل قدرة على "الترند"، بينما تنتج الرقمنة عزلة جديدة داخل الجماعة نفسها: يجتمع الناس افتراضيًا بأعداد ضخمة بينما تتراجع قدرتهم على الإصغاء المتبادل.
ومن أخطر ما أفرزه هذا الفضاء أن التنافس بين من يُسمّون بالنخب لم يعد على تقديم مشروع أفضل، بل على تفكيك صورة الخصم، لأن خطاب "التسقيط" أكثر ربحًا خوارزميًا من خطاب "البناء". فتتحول الساحة إلى حلبة تصفية حسابات دائمة، ويبقى الجمهور وقودًا لها لا مجرد متفرج، يُستدعى ليصفّق أو يهاجم دون أن يدرك أنه جزء من رقعة شطرنج لا يملك فيها سوى دور "المُشاهد المُستهلَك".
سياسيًا، تقف الدولة الوطنية في مواجهة المنصة التي أصبحت فاعلًا شبه سيادي يقرر ما يُنشر ومن يُحجب، فتجد نفسها تتفاوض لا تأمر مع كيانات خارج سيادتها القانونية الكاملة. ومن رحم هذا الفراغ التنظيمي، يكتسب الخطاب الشعبوي المبسّط أفضلية بنيوية على الخطاب المؤسسي المتأني، لأن المعيار الحاكم هو الانتشار لا الصدق. وهو ما يُنتج فراغًا تنظيميًا تستغله أطراف متعددة، لفرض أجنداتها الخاصة بعيدًا عن أي مساءلة تُذكر.
ومن أبرز مظاهر هذا الانفلات إداريًا ظاهرة متكررة: مسؤول جديد يعلن أنه استلم مؤسسة "منهارة"، بصرف النظر عن حقيقة الحال، ليؤسس سردية "الإنقاذ" التي تمنحه مشروعية فورية وتضخّم أي إنجاز لاحق. والمفارقة أن الجمهور الذي مجّد المسؤول السابق سرعان ما ينقلب عليه، ثم تنكشف لاحقًا حقيقة أن الرواية كانت عكس الواقع، فتبدأ الدورة من جديد، نتاج بيئة رقمية بلا ذاكرة نقدية تكافئ الرواية الأحدث بصرف النظر عن مطابقتها للواقع. فيتحول بذلك التاريخ المؤسسي نفسه إلى مادة قابلة لإعادة الكتابة كل مرة يتغيّر فيها الفاعل الذي يمسك بالميكروفون. عندها يتحول الجمهور إلى وقود، وينتقل من التطبيل لهذا إلى الهجوم عليه، دون أن يُراكم وعيًا يحميه من الانخداع بالدورة ذاتها حين تتكرر، وبذلك تبقى المؤسسات تدور في ذات الحلقة.
والأردن، كغيره من الدول التي تراهن على تماسك نسيجها الاجتماعي، معنيّ مباشرة بمواجهة هذه الظاهرة قبل أن تستفحل آثارها. فحماية المجتمع من هذا التشويه المنظَّم لا يجوز أن تبقى عبئًا فرديًا يتحمّله كل مواطن وحده، بل مسؤولية مباشرة تقع على مؤسسات الدولة، التي يُفترض أن تضع آليات واضحة لكشف حقيقة أي مسؤول يروّج لنفسه "منقذًا"، بدل أن يُترك الجمهور يصفّق له قبل اختبار أدائه الفعلي. فكثير من هذه الروايات، حين تُفحص بعين موضوعية، تكشف أن صاحبها هو من قاد المؤسسة إلى التراجع سنوات طويلة، لا من أنقذها. ويزداد الأمر خطورة حين يجد هذا الخطاب المضلِّل منبرًا يُروَّج له عبر أصوات فاقدة لأدنى معايير النزاهة والمصداقية. وهنا تبرز المسؤولية الوطنية بشقيها: إما أن تتصدى الجهات المعنية مباشرة للدفاع عن الحقيقة وكشفها للرأي العام، أو أن تنظّم مواجهات علنية شفافة بين الأطراف المعنية، تُحاسَب من خلالها كل رواية لا تستند إلى وقائع ثابتة.
ولعل امتحان الثانوية العامة في الأردن هذا العام يقدّم نموذجًا حيًا وقريبًا لهذا الصراع بين الروايات المتزاحمة على الرأي العام، حين تصدّرت المشهد ألسنة متعددة: أصحاب القرار فيها لهم روايات متعددة، وبعض وزراء التربية السابقين لديهم قراءتهم الخاصة، وتربويون وسياسيون ومن أبناء المجتمع من أدلى برأيه، حتى بات المواطن العادي عاجزًا عن تمييز أين تقع الحقيقة وسط هذا الركام من التصريحات المتضاربة التي لا يجمعها معيار واحد ولا مرجعية موحدة. وبقي السؤال معلّقًا: هل كان امتحان الثانوية العامة سليمًا أم مشوبًا بثغرات جوهرية؟ وهل النتائج تعكس مستوى حقيقيًا أم انعكاسًا لأزمة أعمق في المنظومة ذاتها؟ كل طرف كان يملك روايته المقنعة له ولمؤيديه، وكل فقاعة كانت تعيد إنتاج يقينها الخاص دون أن تلتقي مع الفقاعة المقابلة عند نقطة واحدة. وظلّ الجدل الداخلي يدور في حلقة مفرغة من الاتهامات والتبريرات المتبادلة، إلى أن حسم الأمر طرف خارجي لم يكن جزءًا من هذا الصراع أصلًا: فحين قرر المجلس الأعلى للجامعات المصرية إخضاع الطلبة الأردنيين المقبولين في الجامعات المصرية لامتحانات تكميلية، وكأنه يقول صراحة إن شهادة الثانوية الأردنية "غير مكتملة"، جاء هذا القرار بمثابة حكم فعلي يتجاوز كل الروايات المحلية المتضاربة، ويكشف أن الجدل الداخلي، بكل ضجيجه، لم يفلح في إنتاج إجابة واحدة موثوقة، تاركًا الفراغ لجهة خارجية لتحسم بقرارها الإداري ما عجزت مؤسساتنا عن حسمه بالحقيقة والشفافية. وهذه هي الكلفة الحقيقية لغياب رواية رسمية موحّدة وموثّقة: حين لا تحسم الدولة رواية مؤسساتها بنفسها، يتولى الآخرون حسمها نيابة عنها، وغالبًا على حساب سمعتها وأبنائها.
ومن هنا تكتسب توجيهات جلالة الملك بحماية المؤسسات ومسؤوليها من التشهير غير المستند إلى حقائق أهمية خاصة، إذ لا يجوز أن تقف المؤسسات الرسمية موقف المتفرج بينما تُنتهك سمعتها وسمعة العاملين فيها بأمانة. فصمت المؤسسات في هذه اللحظات لا يُقرأ حيادًا، بل تخليًا يشجّع على تكرار الظاهرة، فيتحوّل هذا الصمت نفسه إلى سلاح معنوي قاتل يطال هيبة مؤسسات الدولة وثقة الناس بمؤسساتها وأبنائها.
وثمة بُعد أعمق بدأ يتشكل: صعود الذكاء الاصطناعي كطرف فاعل لا مجرد أداة، حين تتولى نظم توليد المحتوى كتابة الأخبار والحجج السياسية، فيصبح أحد أطراف الصراع منظومة تنتج ملايين الأصوات المتزامنة التي تبدو متعددة وهي صدى لمصدر واحد. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف نميّز إجماعًا حقيقيًا عن إجماع مُصنَّع؟ وكيف تحمي المجتمعات مساحتها العمومية من أن تتحول إلى مسرح تديره سيناريوهات آلية لا إرادات بشرية حرة؟
الإجابة لن تأتي من رفض التكنولوجيا، بل من ثلاثة مسارات متكاملة: "تربية نقدية" تُعلّم الأجيال أن تسأل "من المستفيد من هذه الرواية؟" قبل تبنّيها، وهنا تجدر الإشارة إلى ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ"التحصين المعرفي المسبق"، وهو أسلوب مثبت علميًا يقوم على تعريض الأفراد لجرعات مصغّرة من أساليب التضليل قبل مواجهتها فعليًا، بما يشبه اللقاح الذهني الذي يبني مناعة جماعية ضد التلاعب قبل وقوعه، لا بعده. و"تشريعات متوازنة" تحدّ من التلاعب الخوارزمي دون خنق الفضاء العام. و"مؤسسات قوية" تستعيد ثقة الناس بالفعل المُوثَّق لا بالشعارات المتكررة، والاعتراف بالخطاء لا بالبحث عن التبريرات، وحماية أبنائها لا بالتخلي عنهم.
فالمعركة الحقيقية اليوم بين وعي قادر على المساءلة ووعي مُستسلم للتدفق، ولن تُحسم إلا بقرار يعيد اليقظة الجماعية، والقادر وحده على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وأدواته، بدل أن تبقى الأدوات هي من تُعيد صياغته.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 10:56