44% من الأردنيين يفكرون بالهجرة

المحامي هيثم عريفج
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 10:03
نشرت وكالة الأنباء الأردنية يوم 12 أيلول 2026 نتائج استطلاع الدورة التاسعة لـ«الباروميتر العربي» حول اتجاهات الرأي العام في الأردن، وهي نتائج لا يجوز أن نتعامل معها كأرقام عابرة. فالاستطلاع، الذي شمل عينة ممثلة من 1266 مواطنًا أردنيًا، أظهر أن 59% من الأردنيين يعتبرون الاقتصاد التحدي الأبرز الذي يواجه المملكة، فيما يفكر 44% بالهجرة، و92% منهم لأسباب اقتصادية. والأكثر دلالة أن الشباب وخريجي الجامعات هم الأكثر تفكيرًا بالمغادرة.

هذه الأرقام لا تعني أن الأردني فقد ثقته بوطنه، بل تعني أن جزءا كبيرا من الأردنيين يبحث عن فرصة. فالاستطلاع نفسه أظهر ارتفاعا في الثقة بالحكومة، لكنه كشف في الوقت ذاته أن الرضا عن جهود خلق فرص العمل لا يتجاوز 22%، وعن ضبط الأسعار 23%، وعن تقليل عدم المساواة 24%. وبالتالي فإن الرسالة واضحة: المواطن يريد أن يلمس أثر السياسات الاقتصادية في حياته ودخله ومستقبل أبنائه.

البداية، برأيي، يجب أن تكون من الدستور الأردني نفسه. فالمادة 23 منه تنص بوضوح على أن: «العمل حق لجميع المواطنين وعلى الدولة أن توفره للأردنيين بتوجيه الاقتصاد الوطني والنهوض به». وهذا النص لا يعني بطبيعة الحال أن تتحول الدولة إلى صاحب العمل الوحيد أو أن توفر وظيفة حكومية لكل مواطن، وإنما يضع عليها مسؤولية دستورية في توجيه الاقتصاد وتهيئة البيئة القادرة على خلق فرص العمل.

ومن هنا تأتي أهمية الرؤية الديمقراطية الاجتماعية التي لا ترى تعارضا بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية، ولا بين تشجيع رأس المال وحماية العامل. فالدولة الحديثة ليست دولة توزع الإعانات فقط، وليست كذلك دولة تنسحب من الاقتصاد وتترك المواطن وحده أمام السوق ، بل دولة تقود التنمية، وتحفز القطاع الخاص، وتجذب الاستثمار، وتحمي الطبقة الوسطى والفئات الأضعف، وتضمن تكافؤ الفرص.

الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني يقدم هذه الرؤية باعتبارها طريقًا واقعيا للخروج من ثنائية طالما أرهقت النقاش الاقتصادي: إما دولة متضخمة توظف الجميع، أو سوق متروك وحده ليقرر مصير الجميع. البديل هو اقتصاد. سوق اجتماعي منتج، القطاع الخاص فيه محرك أساسي للنمو والتشغيل، والدولة شريك ومنظم وضامن للعدالة.

الحل يبدأ من توطين الاستثمار الأردني أولًا. فقبل أن نسأل المستثمر الأجنبي لماذا لا يأتي إلى الأردن، علينا أن نسأل المستثمر الأردني لماذا ينقل جزءا من أمواله إلى الخارج أو يتردد في توسيع مشروعه. رأس المال يحتاج إلى الاستقرار التشريعي، وسرعة القرار، ووضوح الإجراءات، وعدالة التطبيق. ومن يملك مشروعا ناجحا في الأردن يجب أن يشعر أن الدولة شريك في نجاحه لا عقبة أمامه.

وفي الوقت نفسه يجب أن نخوض منافسة حقيقية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. الأردن يمتلك الأمن والاستقرار، والموارد البشرية المؤهلة، والموقع الجغرافي، واتفاقيات تتيح الوصول إلى أسواق واسعة. وقانون البيئة الاستثمارية رقم 21 لسنة 2022 يوفر أصلا منظومة من الحوافز والإعفاءات والخدمة الاستثمارية الشاملة، لكن التحدي الحقيقي يبقى في التنفيذ وسرعته وفاعليته.

هنا لا يكفي أن نقول للمستثمر: لدينا قانون جيد. المطلوب تبسيط الإجراءات بصورة جذرية، وتحديد مدد ملزمة لإنجاز المعاملات، وتوسيع الرقمنة، ومنح مزيد من الإعفاءات والتسهيلات للمشاريع التي تخلق وظائف حقيقية للأردنيين، أو تنقل التكنولوجيا، أو تستثمر في المحافظات، أو تزيد الصادرات والقيمة المضافة المحلية.

وبالمقابل يجب ألا يبقى المستثمر ضحية موظف يعرقل مشروعًا أو يؤخر معاملة بلا سبب مشروع. كل من يتعمد تعطيل الاستثمار أو إساءة استعمال سلطته أو فرض إجراءات غير مقررة قانونا يجب أن يخضع للمساءلة والمحاسبة. حماية المال العام واجب، لكن حماية فرصة استثمار حقيقية تخلق مئات الوظائف هي أيضا حماية للاقتصاد الوطني وواجب وطني.

أما الحوافز فلا ينبغي أن تكون شيكا مفتوحا، بل عقدا اجتماعيًا اقتصاديًا واضحا: كلما خلق المستثمر وظائف أكثر للأردنيين، ورفع الأجور، ودرب الشباب، واستثمر خارج العاصمة، وزاد صادراته، استحق حوافز أكبر. هكذا يصبح الإعفاء الضريبي استثمارا في التشغيل لا مجرد تنازل عن إيراد للخزينة.

إن أخطر ما في رقم الـ44% ليس فكرة الهجرة بحد ذاتها، بل أن يشعر الشاب الأردني بأن فرصته موجودة في مكان آخر وليس في وطنه. لذلك يجب أن يتحول خلق فرص العمل إلى أولوية وطنية تتقدم على كثير من الملفات الأخرى.

لدينا شباب متعلم، وقطاع خاص قادر، وموقع متميز، وتشريعات يمكن تطويرها، ودولة مستقرة. ما نحتاجه هو إرادة اقتصادية أكثر جرأة ورؤية ديمقراطية اجتماعية تجعل النمو والعدالة وجهين لسياسة واحدة.

العمل ليس منة تمنحها الحكومات، بل حق كرسه الدستور، وأفضل حماية لهذا الحق هي اقتصاد ينمو، واستثمار يأتي ويبقى ويتوسع، ودولة تفتح الأبواب أمام من يريد أن ينتج، وتحاسب من يغلقها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 10:03