في بيت العزاء... سقطت كل الألقاب وبقي الوطن

فؤاد سعيد الشوابكة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 09:55
هناك مشاهد لا تحتاج إلى بيان رسمي كي تفهم رسالتها، ولا إلى كلمات كثيرة كي تدرك قيمتها.

مشهد أن يجلس مدير المخابرات العامة، إلى جانب قائد الجيش ورجال الأجهزة الأمنية، في بيت عزاء، بين أهل الفقيد وذويه، هو واحد من تلك المشاهد التي تختصر معنى الدولة في صورتها الأجمل.

في بيت العزاء لا قيمة للمنصب بقدر قيمة الإنسان.

هناك تتراجع الألقاب، وتبقى المواساة.

وتصبح المسافة بين المسؤول والمواطن أقصر من أي وقت آخر.

قد يظن البعض أن قوة الدولة تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها ومواجهة الأخطار والحفاظ على أمنها، وهذا صحيح، لكن قوة الدولة لا تكتمل إلا عندما يشعر المواطن أن مؤسساتها تقف إلى جانبه في لحظات الانكسار الإنساني أيضاً.

وهنا تكمن دلالة حضور قادة الجيش والأجهزة الأمنية في بيوت العزاء.

فالرجل الذي يقف على رأس مؤسسة تحمل واحدة من أثقل مسؤوليات الدولة، لا يأتي إلى بيت العزاء بصفته صاحب منصب فقط، بل يأتي قبل ذلك بصفته ابن مجتمع يعرف معنى الفقد، ويعرف ماذا يعني أن تقف إلى جانب أهل المصاب.

وهذه ليست مسألة بروتوكول.

إنها ثقافة دولة.

ثقافة تقول إن المؤسسات الأمنية والعسكرية، مهما بلغت مسؤولياتها وهيبتها، ليست بعيدة عن المجتمع، بل هي جزء منه، وأبناؤها من أبناء هذا الوطن.

ولعل في حديث اللواء أحمد حسني حاتوقاي خلال إحدى زيارات العزاء ما يستحق التوقف عنده، لأن قيمة المشهد لا تكمن فقط في الحضور، وإنما في الرسالة التي يحملها هذا الحضور.

المؤسسة التي تسهر على أمن الوطن في أصعب الظروف، تعرف أيضاً أن للوطن وجهاً آخر؛ وجهاً إنسانياً يظهر في بيت عزاء، وفي دمعة أم، وفي حزن أب، وفي عائلة فقدت عزيزاً.

وهنا يصبح مفهوم الأمن أوسع من الإجراءات والمهمات.

الأمن في جوهره هو أن يشعر الإنسان أن وطنه حاضر إلى جانبه.

وهذا أحد أسرار العلاقة التي نشأت عبر عقود بين الأردني ومؤسساته العسكرية والأمنية.

علاقة لم تُبنَ على الخوف من المؤسسة، وإنما على الثقة بها.

فالجيش العربي ليس بعيداً عن الناس.

والأجهزة الأمنية ليست جسماً منفصلاً عن المجتمع.

هؤلاء الرجال خرجوا من البيوت الأردنية نفسها، ومن القرى والمدن والمخيمات نفسها، ويحملون مسؤولية حماية وطن ينتمون إليه قبل أن يكونوا مسؤولين عن حمايته.

ولهذا فإن زيارة بيت العزاء من قبل قادة هذه المؤسسات تحمل معنى يتجاوز المناسبة نفسها.

إنها تقول للمواطن إن الدولة لا تظهر فقط عندما يكون هناك خطر، ولا تُرى فقط خلف المكاتب والبدلات الرسمية، بل يمكن أن تكون حاضرة أيضاً في أكثر اللحظات الإنسانية قسوة.

وفي الأردن تحديداً، حيث للوقوف إلى جانب أهل المصاب مكانة كبيرة في الوجدان الاجتماعي، يصبح حضور الدولة في بيت العزاء امتداداً لقيمة وطنية واجتماعية راسخة.

ربما لهذا السبب تترك مثل هذه المشاهد أثراً أكبر من عشرات التصريحات.

لأن بعض الرسائل لا تُقال بالكلمات.

تُقال بالحضور.

وبأن تترك مسؤولياتك الثقيلة لبعض الوقت، وتتقدم إلى بيت أردني لتقول لأهله: نحن معكم.

وهذه هي الدولة التي نريدها.

دولة قوية عندما يجب أن تكون قوية، وحازمة عندما يستدعي الأمر الحزم، وقريبة من الإنسان عندما يحتاج الإنسان إلى من يقف بجانبه.

في بيت العزاء تختفي الفوارق.

لا يبقى مدير مخابرات ولا قائد جيش ولا مسؤول أمني.

يبقى أردني يقف إلى جانب أردني.

وهنا، ربما، تكون أعظم صور هيبة الدولة:

أن تستطيع أن تحمي الوطن بقوة، وأن تواسي أهله بإنسانية.

في بيت العزاء... سقطت كل الألقاب، وبقي الوطن.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 09:55