ما الذي نملكه لصناعة التغيير؟

أروى خلف الخزاعلة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 15:34
في وقت أصبحت فيه قيمة كثير من الأشياء تُقاس بما تحققه لنا من مقابل، أصبح من النادر أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن نقدم دون أن ننتظر شيئًا في المقابل؟

لم يعد الوقت مجرد وقت، بل أصبح شيئًا نحاول استثماره بأكبر قدر ممكن، وأصبحت الجهود مرتبطة في أذهاننا بالنتائج المادية التي يمكن أن نحصل عليها منها. لذلك، عندما يخبرنا أحدهم بأنه يعمل في مجال تطوعي، قد يكون السؤال الأول الذي يخطر في أذهاننا: ماذا ستستفيد؟ أو لماذا تعمل دون مقابل؟

وربما الأكثر غرابة أن البعض لا يكتفي بعدم فهم الفكرة، بل قد ينظر إلى المتطوع وكأنه لا يعرف كيف يستثمر وقته أو يصفه بطريقة تقلل من قيمة ما يفعله وكأن إعطاء الوقت والجهد دون أجر أمر لا يستحق التقدير.

لكن هل كل ما لا نحصل مقابله على المال يعني أننا لم نستفد؟

التطوع لا يعني أن الإنسان لا يقدّر قيمة وقته أو مهاراته، وإنما يعني أن لديه مساحة يختار فيها أن يمنح شيئًا مما يملك للآخرين وقد تكون هذه المساحة ساعة من الوقت، أو معرفة، أو مهارة، أو جهدًا، أو حتى فكرة صغيرة يمكن أن تكون بداية لشيء أكبر.

وقد يبدأ التطوع من هدف بسيط جدًا؛ كأن يساعد شخص طالبًا في مادة يعرفها، أو يشارك خبرته مع مجموعة من الشباب، أو يخصص جزءًا من وقته للأطفال، أو يساهم في نشاط يخدم منطقته ومجتمعه. وقد يبدو هذا الفعل صغيرًا في بدايته، لكنه قد يترك أثرًا لا يمكن قياسه في اللحظة نفسها.

فربما المعرفة التي نقلها شخص متطوع أصبحت مهارة لدى شخص آخر، وربما المهارة تحولت إلى فرصة، وربما الفرصة غيّرت مسار حياة كاملة.

ومن هنا فإن قيمة التطوع لا تكمن فقط في عدد الساعات التي قُدمت أو عدد الأنشطة التي نُفذت وإنما في قدرته على تحريك الإنسان من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في صناعة الحلول.

فالمجتمعات لا تنهض فقط بما تمتلكه من مؤسسات وإمكانات وإنما أيضًا بما تمتلكه من أشخاص قادرين على تقديم شيء لها، في كل مجتمع كفاءات قد لا تكون ظاهرة بما يكفي؛ شخص يمتلك معرفة، وآخر لديه مهارة، وثالث يستطيع التعليم، ورابع يجيد التنظيم، وآخر لديه القدرة على التواصل وصناعة الأفكار وربما لا يكون ما ينقصنا دائمًا هو الكفاءة، بقدر ما ينقصنا أن نمنح هذه الكفاءات المساحة التي تستطيع من خلالها أن تتحول من قدرات فردية إلى أثر مجتمعي.

وهنا يصبح التطوع أكثر من مجرد عمل بلا مقابل؛ يصبح مساحة لاكتشاف الطاقات، وتجربة الأفكار، وبناء الخبرات، والتعرف إلى احتياجات المجتمع عن قرب، وقد لا يكون التطوع هو التغيير كاملًا لكنه قد يكون البداية التي تقود إليه.

فالمبادرات الكبيرة لم تبدأ جميعها كبيرة، والمشاريع التي تركت أثرًا لم تولد بالضرورة بإمكانات ضخمة. أحيانًا تبدأ بفكرة، ثم بجهد مجموعة صغيرة، ثم بأشخاص قرروا أن يفعلوا شيئًا بدلًا من الاكتفاء بالحديث عن الحاجة إليه.

ومن الجميل أن يتحول هذا العطاء مع الوقت إلى خبرة، والخبرة إلى مبادرة، والمبادرة إلى مشروع، والمشروع إلى أثر مستدام يستطيع أن يخدم عددًا أكبر من الناس.

لكن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى أن نعيد النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى التطوع والمتطوعين.

ليس المطلوب أن يعمل الإنسان دون مقابل دائمًا، وليس من العدل أن نعتبر العمل المجاني بديلًا عن الوظائف أو أن نتوقع من أصحاب المهن أن يقدموا خبراتهم بلا تقدير. فالعمل له قيمة، والجهد يستحق التقدير، والإنسان يحتاج إلى مصدر دخل يحفظ له حياته وكرامته.

لكن في المقابل، هل يمكن أن تبقى في حياتنا مساحة صغيرة للعطاء الذي لا تحكمه المنفعة المباشرة؟

هل يمكن أن نعطي لأننا نؤمن بقضية، أو لأننا نمتلك معرفة نرى أن من الجميل أن تنتقل إلى غيرنا، أو لأننا نريد أن نترك في مجتمعنا شيئًا أفضل مما وجدناه؟

ربما لا يحتاج التغيير الحقيقي دائمًا إلى أن نملك الكثير، بقدر ما يحتاج إلى أن نعرف قيمة ما نملكه.

فالوقت الذي نراه قليلًا قد يكون مهمًا لشخص آخر، والمعرفة التي نعتبرها عادية قد تكون جديدة تمامًا على غيرنا، والمهارة التي نمارسها يوميًا قد تكون سببًا في فتح باب لم يكن موجودًا أمام شخص آخر.

لهذا فإن السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا ليس فقط: ماذا سأحصل إذا تطوعت؟ بل أيضًا: ماذا يمكن أن يحدث إذا استخدمت ما أملك بطريقة تخدم غيري؟

قد يبدأ التغيير من ساعة تطوعية، أو من درس مجاني، أو من فكرة، أو من شخص قرر أن يشارك مهارته بدل أن يحتفظ بها لنفسه وربما ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الحديث عن أهمية التغيير، وإنما المزيد من الأشخاص المستعدين لأن يكونوا جزءًا منه.

فالنهوض بالمجتمع لا يبدأ دائمًا من إمكانات كبيرة بل من الإنسان، ومن قدرته على أن يرى في نفسه شيئًا يمكن أن يقدمه وفي مجتمعه مكانًا يمكن أن يترك فيه أثرًا.

وما نملكه اليوم، مهما بدا بسيطًا، قد يكون بداية التغيير الذي نبحث عنه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 15:34