255 يوماً من غضب الطبيعة.. زلازل وبراكين وحرائق تجتاح العالم في 2026
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 15:26
مدار الساعة -في 255 يوماً فقط، اهتزت الأرض، وثارت البراكين، واحترقت ملايين الهكتارات، وتحولت موجات الحر إلى قاتل صامت، فيما انهارت التربة والجليد والصخور في مشاهد أعادت التذكير بقوة الطبيعة وهشاشة الإنسان أمام تحولاتها المفاجئة.
من الأول من يناير وحتى اليوم السبت 12 سبتمبر 2026، توزعت الكوارث على خريطة العالم كأنها فصول متلاحقة من عام مضطرب؛ زلازل قوية هزت مدناً ودولاً، وبراكين دفعت بالحمم والرماد إلى السماء، وحرارة استثنائية أثقلت أوروبا، وحرائق ابتلعت مساحات شاسعة من الغابات، فيما حولت الأمطار الغزيرة سفوح الجبال إلى كتل من الطين والصخور تجرف ما يعترض طريقها، وواصلت الانهيارات الجليدية حصد الأرواح في المرتفعات.
آلاف الزلازل
تسجل الشبكات الزلزالية يومياً عدداً كبيراً من الهزات الصغيرة التي لا يشعر بها السكان، فآلاف الأحداث الزلزالية رُصدت حول العالم خلال الأشهر الأولى من العام، وبينها عشرات الزلازل القوية التي تجاوزت 6 درجات.
ومن بين الأحداث الكبرى التي سجلتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، شهدت فنزويلا في 24 يونيو هزتين شديدتي القوة، سجلت إحداهما 7.5 درجات، فيما بلغت الأخرى 7.2 درجات، في واحدة من أبرز الحلقات الزلزالية المسجلة خلال العام.
وفي 10 أغسطس، ضرب زلزال بقوة 7.4 درجات منطقة تشوكو في كولومبيا على عمق يقارب 103 كيلومترات، ووصفته الجهات الرسمية بأنه الأقوى الذي تشهده البلاد خلال عقد، وشعر به السكان في مناطق واسعة وفي دول مجاورة، بينها فنزويلا والإكوادور وبنما.
وهنا يظهر واحد من أهم دروس الزلازل: القوة وحدها لا تحدد حجم الكارثة. فزلزال قوي في منطقة قليلة السكان أو على عمق كبير قد يترك أضراراً محدودة نسبياً، بينما يمكن لزلزال أقل قوة يقع قريباً من مدينة مكتظة ذات مبانٍ هشة أن يتحول إلى مأساة كبرى. المسافة من مركز الزلزال، والعمق، وطبيعة التربة، ومعايير البناء، والكثافة السكانية، والاستعداد، كلها تشارك في كتابة الحصيلة النهائية.
فوهات الأأرض تتنفس ناراً
وفي الوقت الذي تحركت فيه الصفائح التكتونية، واصلت عشرات البراكين حول العالم نشاطها بدرجات متفاوتة. ومن إندونيسيا واليابان إلى روسيا وهاواي وإيطاليا، ظلت أعمدة الرماد والحمم والغازات تذكيراً بأن ما يراه الإنسان حدثاً استثنائياً هو، بالنسبة إلى الكوكب، جزء من دورة جيولوجية مستمرة منذ ملايين السنين.
وتحتاج أرقام النشاط البركاني إلى قراءة دقيقة أيضاً. فبرنامج البراكين العالمي يسجل عادة عشرات البراكين في حالة ثوران أو نشاط خلال العام، وبعض الثورات تبدأ في سنة وتستمر إلى سنوات لاحقة، لذلك لا يعني عدد «الثورات البركانية المسجلة خلال 2026» بالضرورة أن جميعها بدأت في العام نفسه.
ومن صقلية إلى براكين إندونيسيا الواقعة على "حلقة النار" في المحيط الهادئ، لم يكن الرماد مجرد مشهد جيولوجي مذهل؛ إذ يمكن للثوران البركاني أن يفرض قيوداً على حركة الطيران، ويجبر السكان على الإخلاء، ويغطي مناطق واسعة بالرماد، ويؤثر في الزراعة والصحة وحركة النقل.
والأهم علمياً أن النشاط البركاني والزلزالي عمليات تحكمها أساساً حركة الصفائح والصدوع، وهي مختلفة عن العمليات التي تقود موجات الحر والجفاف والحرائق.
ليلة دفنت فيها الأرض المنازل
وفي 9 أغسطس، قدمت الفلبين واحداً من أكثر مشاهد العام قسوة. ففي مدينة باغيو، انهارت كتلة من التربة على منازل بعد أيام من الأمطار المتواصلة التي جلبتها الأعاصير المدارية والرياح الموسمية الجنوبية الغربية.
وواصلت فرق الإنقاذ البحث بين الطين والحطام حتى انتشال جميع الضحايا، لكن المأساة لم تكن حادثاً منفصلاً عن الظروف الجوية المحيطة بها. فقد أظهرت بيانات هيئة الأرصاد الفلبينية أن باغيو وبنغيت تلقتا 1,413 مليمتراً من الأمطار بين 1 و9 أغسطس فقط، أي ما يعادل نحو شهر ونصف الشهر من أمطار أغسطس المعتادة. وحذرت الجهات الجيولوجية من أن التربة وصلت إلى مستويات حرجة من التشبع بالمياه.
وحجم الظاهرة كان أكبر من موقع الانهيار القاتل نفسه؛ ففي منطقة كورديليرا وحدها، سجلت السلطات 179 انهياراً أرضياً منذ بداية أغسطس وحتى 12 منه، وتأثر 186 مقطعاً من الطرق، في مؤشر على مدى هشاشة المنحدرات عندما تتشبع التربة بكميات استثنائية من المياه.
وأصبحت مأساة باغيو مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن بها لسلسلة من العوامل أن تتجمع: منخفضات مدارية، ورياح موسمية، وأمطار هائلة، وتربة مشبعة، ومنحدرات مأهولة؛ ثم تأتي لحظة الانهيار فتحول الخطر إلى كارثة في ثوانٍ.
الحر.. العدو الصيفي لأوروبا
وإذا كانت الزلازل والانهيارات تترك وراءها صوراً مباشرة للدمار، فإن الحرارة تقتل بطريقة أكثر هدوءاً.
أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً، وأصبحت موجات الحر الطويلة والمتكررة واحدة من أبرز تحديات الصحة العامة فيها. فالحر الشديد يزيد الضغط على القلب والجهاز التنفسي، ويشكل خطراً أكبر على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والعاملين في الهواء الطلق، فيما تتحول المدن المكتظة بالخرسانة والأسفلت إلى "جزر حرارية" تحتفظ بالحرارة حتى خلال الليل.
وتحتاج أرقام الوفيات المرتبطة بالحر إلى قدر كبير من الحذر؛ إذ لا تصدر الحصيلة الأوروبية النهائية فور انتهاء موجة الحر.، فالحرارة لم تعد مجرد رقم قياسي في نشرة الطقس، وإنما أصبحت خطراً صحياً واقتصادياً يتطلب خططاً للإنذار المبكر، وتبريد المدن، وحماية كبار السن، وتعديل ساعات العمل، وتطوير المباني لتتحمل صيفاً أكثر سخونة.
أوروبا تحترق
ومع الحرارة جاءت النار، فبحلول سبتمبر الجاري، كانت حرائق الغابات قد التهمت مئات آلاف الهكتارات في الاتحاد الأوروبي، وتحولت مناطق في جنوب القارة إلى جبهات مفتوحة بين النيران وفرق الإطفاء.
وكان الاتحاد الأوروبي قد دخل موسم الحرائق باستعدادات استثنائية، شملت نشر مئات رجال الإطفاء مسبقاً في الدول الأكثر عرضة للخطر، وتجهيز طائرات ومروحيات ضمن آلية الحماية المدنية الأوروبية، لكن الطائرات لا تستطيع وحدها حل المشكلة.
فالحرائق الحديثة أصبحت مرتبطة بمنظومة واسعة من المخاطر: ارتفاع الحرارة، والجفاف، والرياح، وتراكم المواد النباتية القابلة للاشتعال، والتوسع العمراني بالقرب من الغابات، فضلاً عن أسباب الاشتعال البشرية والطبيعية.
وهكذا لم يعد السؤال الأوروبي: كيف نطفئ الحريق؟ بل أصبح أيضاً: كيف نعيد تصميم الغابات والمدن والمناطق السكنية حتى تستطيع التعايش مع مواسم نار أطول وأكثر خطورة؟
كندا.. ملايين الهكتارات تحت النار
خلال الفترة المنقضية من 2026، تجاوزت المساحات المحترقة أربعة ملايين هكتار بحلول نهاية الصيف، في موسم أكد مجدداً أن حرائق الغابات الكندية لم تعد مشكلة تقع فقط في الأماكن التي تصل إليها ألسنة اللهب.
فالدخان يستطيع عبور مئات، بل آلاف الكيلومترات، حاملاً معه الجسيمات الدقيقة إلى مدن ومناطق لم تقترب منها النيران، وهنا تتغير طبيعة الكارثة.
الغابة تحترق في مكان، لكن جودة الهواء تتراجع في مكان آخر، وتتأثر الرحلات الجوية في منطقة ثالثة، ويذهب أشخاص إلى المستشفيات على بعد مئات الكيلومترات من مركز الحريق، النار تبدأ محلياً، لكن آثارها لا تعترف بالحدود.
«النينيو».. لاعب كبير يعود بقوة
وفي المحيط الهادئ، كان تغير مهم يتشكل منذ منتصف العام، ففي 2 يونيو، قدرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمال ظهور «النينيو» بين يونيو وأغسطس بنحو 80%، يرتفع إلى قرابة 90% خلال بقية فترة التوقعات.
وبعد أسابيع، لم تعد الظاهرة مجرد احتمال. فقد أكدت المنظمة في يونيو أن «النينيو» بدأ يتطور، مع توقع تطوره سريعاً إلى حدث قوي خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر.
وفي 3 سبتمبر 2026، أعلنت المنظمة أن «النينيو» أصبح راسخاً بقوة في المحيط الهادئ الاستوائي، وأن الاحتمال أصبح يقارب 100% لاستمراره حتى فبراير 2027، مع توقع اشتداده خلال الأشهر المقبلة إلى مستوى «قوي جداً».
وتوقع تحديث المنظمة للفترة من سبتمبر إلى نوفمبر وصول متوسط شذوذ حرارة سطح البحر إلى نحو 3.6 درجات مئوية فوق المعدل، مع ذروة متوقعة في نوفمبر وديسمبر.
لكن «النينيو» ليس تفسيراً لكل ما حدث في 2026، فالظاهرة لا تسبب الزلازل أو البراكين. وإنما تؤثر في الغلاف الجوي والمحيطات، وتستطيع تغيير أنماط الحرارة والأمطار عالمياً، وزيادة احتمالات الجفاف في مناطق والفيضانات والأمطار الغزيرة والحر الشديد في مناطق أخرى.
وهي أيضاً ظاهرة طبيعية دورية، لكن تأثيرها يحدث اليوم فوق خلفية مختلفة: كوكب ارتفعت حرارته بالفعل بفعل تغير المناخ.
الانهيارات الجليدية.. الخطر القادم من الجبال
وفي أعالي الجبال، واصلت الانهيارات الثلجية والجليدية حصد الأرواح، وكان من أبرز حوادث العام انهيار «برود بيك» في باكستان، الذي اجتاح في 30 يوليو بعثة دولية من 10 متسلقين، لتتأكد وفاتهم مطلع أغسطس، وبينهم المتسلق النيبالي البريطاني الشهير نيرمال «نيمسداي» بورجا.
وتزداد مخاطر الانهيارات مع عدم استقرار الثلوج والتغيرات الحادة في درجات الحرارة والطقس، فيما قد يؤثر الاحترار في تماسك الجليد والتربة الصقيعية ويزيد مخاطر بعض أنواع الانهيارات الصخرية والجليدية، ما يجعل مراقبة الجبال والإنذار المبكر أكثر أهمية لحماية المتسلقين والمناطق الجبلية.
والانهيار الجليدي من أكثر الأخطار الطبيعية سرعة؛ إذ يمكن لكتلة ضخمة من الثلوج أن تنطلق خلال ثوانٍ، وتتسارع على المنحدر إلى سرعات تجعل الهرب منها شبه مستحيل، وتزداد الخطورة عندما تتغير درجات الحرارة بسرعة، أو تتراكم طبقات غير مستقرة من الثلوج، أو تهب رياح تنقل الثلج وتكدسه على المنحدرات.
لكن العلاقة بين تغير المناخ والانهيارات ليست بسيطة أو موحدة في جميع الجبال. فالاحترار يمكن أن يقلل الغطاء الثلجي في بعض الارتفاعات، لكنه في الوقت نفسه يؤثر في استقرار الثلوج والجليد والتربة الصقيعية، وقد يزيد بعض أنواع الانهيارات الصخرية والجليدية في المناطق المرتفعة. ولهذا أصبحت مراقبة الجبال جزءاً من منظومة التكيف المناخي، لا مجرد خدمة لممارسي التزلج وتسلق الجبال.
حوادث تكشف هشاشة الحياة اليومية
ولم تتوقف قائمة 2026 عند الكوارث الكبرى، فالعواصف الرعدية والصواعق والفيضانات الخاطفة والانهيارات الأرضية وحوادث الطقس المفاجئة أوقعت ضحايا في مناطق متفرقة من العالم.
وتكمن خطورتها في أنها تضرب أحياناً في أكثر الأماكن اعتيادية: شاطئ، طريق، منزل، رحلة جبلية أو مكان عمل، وقد يكون الفرق بين النجاة والمأساة بضع دقائق من التحذير، أو قراراً بإخلاء منزل، أو إغلاق طريق، أو الامتناع عن دخول منطقة جبلية في توقيت غير مناسب.
وتقدم الفلبين نموذجاً واضحاً، فبحلول 11 أغسطس، كانت السلطات تتحقق من 19 وفاة مرتبطة بموجة الطقس السيئ الناجمة عن منخفضين مداريين والرياح الموسمية، فيما بلغ عدد المتأثرين أكثر من 2.27 مليون شخص، ولجأ نحو 95 ألفاً إلى مراكز الإيواء.
هل تغير المناخ مسؤول عن كل ذلك؟
الجواب العلمي: لا.
لا يمكن وضع زلزال فنزويلا، وبركاناً في إندونيسيا، وانهيار باغيو في نيبال ، وحريقاً في أوروبا وموجة حر في سلة سببية واحدة.
الزلازل والبراكين تحكمها العمليات الجيولوجية، أما موجات الحر والجفاف والأمطار الشديدة والحرائق، فتتأثر بالنظام المناخي بدرجات مختلفة، إلى جانب عوامل طبيعية وبشرية محلية، كما أن نسب أي كارثة منفردة مباشرة إلى تغير المناخ يحتاج عادة إلى دراسات علمية متخصصة في «إسناد الأحداث المتطرفة».
لكن ما يقوله العلم بصورة أوضح هو أن ارتفاع حرارة الكوكب يزيد احتمالات وشدة بعض الظواهر المتطرفة، وخصوصاً موجات الحر، ويغير دورة المياه، فيما يمكن للجفاف والحرارة أن يهيئا ظروفاً أكثر ملاءمة لحرائق الغابات.
ومع ظهور «النينيو» القوي في 2026، أصبح النظام المناخي يجمع بين احترار طويل الأجل ناجم عن تغير المناخ وتقلب طبيعي كبير في المحيط الهادئ.
التعايش مع المخاطر
وستبقى من الأيام الـ255 الأولى من 2026 صور يصعب اختزالها في الأرقام وحدها؛ مبانٍ تهتز فوق أرض مضطربة، ومنازل مدفونة تحت الطين في الفلبين، وسماء تتوهج فوق غابات مشتعلة في أوروبا، وطائرات تلقي المياه على جبهات النار، ورماد بركاني يرتفع إلى السماء في أندونيسيا، ومدن أوروبية تبحث عن الظل في ذروة الحر، ومتسلقون يواجهون جبالاً يتغير فيها استقرار الثلوج والجليد.
لكن خلف هذه الصور يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما تتحرك الطبيعة أسرع من قدرة الإنسان على الاستجابة؟ فالمستقبل لن يكون عالماً بلا زلازل أو براكين أو حرائق أو فيضانات أو موجات حر وانهيارات، وبالتالي فإن التحدي ليس بناء عالم يمنع الطبيعة من الحركة، فهذا مستحيل، وإنما بناء عالم يستطيع تحملها وتقليص خسائرها؛ لأن قوة المجتمعات لا تختبر عندما تكون الأرض ساكنة والسماء صافية، بل عندما تهتز الأرض، وتشتعل الغابات، وتنهمر الأمطار، وتتحرك الجبال.. وتبقى قادرة على الوقوف.
من الأول من يناير وحتى اليوم السبت 12 سبتمبر 2026، توزعت الكوارث على خريطة العالم كأنها فصول متلاحقة من عام مضطرب؛ زلازل قوية هزت مدناً ودولاً، وبراكين دفعت بالحمم والرماد إلى السماء، وحرارة استثنائية أثقلت أوروبا، وحرائق ابتلعت مساحات شاسعة من الغابات، فيما حولت الأمطار الغزيرة سفوح الجبال إلى كتل من الطين والصخور تجرف ما يعترض طريقها، وواصلت الانهيارات الجليدية حصد الأرواح في المرتفعات.
آلاف الزلازل
تسجل الشبكات الزلزالية يومياً عدداً كبيراً من الهزات الصغيرة التي لا يشعر بها السكان، فآلاف الأحداث الزلزالية رُصدت حول العالم خلال الأشهر الأولى من العام، وبينها عشرات الزلازل القوية التي تجاوزت 6 درجات.
ومن بين الأحداث الكبرى التي سجلتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، شهدت فنزويلا في 24 يونيو هزتين شديدتي القوة، سجلت إحداهما 7.5 درجات، فيما بلغت الأخرى 7.2 درجات، في واحدة من أبرز الحلقات الزلزالية المسجلة خلال العام.
وفي 10 أغسطس، ضرب زلزال بقوة 7.4 درجات منطقة تشوكو في كولومبيا على عمق يقارب 103 كيلومترات، ووصفته الجهات الرسمية بأنه الأقوى الذي تشهده البلاد خلال عقد، وشعر به السكان في مناطق واسعة وفي دول مجاورة، بينها فنزويلا والإكوادور وبنما.
وهنا يظهر واحد من أهم دروس الزلازل: القوة وحدها لا تحدد حجم الكارثة. فزلزال قوي في منطقة قليلة السكان أو على عمق كبير قد يترك أضراراً محدودة نسبياً، بينما يمكن لزلزال أقل قوة يقع قريباً من مدينة مكتظة ذات مبانٍ هشة أن يتحول إلى مأساة كبرى. المسافة من مركز الزلزال، والعمق، وطبيعة التربة، ومعايير البناء، والكثافة السكانية، والاستعداد، كلها تشارك في كتابة الحصيلة النهائية.
فوهات الأأرض تتنفس ناراً
وفي الوقت الذي تحركت فيه الصفائح التكتونية، واصلت عشرات البراكين حول العالم نشاطها بدرجات متفاوتة. ومن إندونيسيا واليابان إلى روسيا وهاواي وإيطاليا، ظلت أعمدة الرماد والحمم والغازات تذكيراً بأن ما يراه الإنسان حدثاً استثنائياً هو، بالنسبة إلى الكوكب، جزء من دورة جيولوجية مستمرة منذ ملايين السنين.
وتحتاج أرقام النشاط البركاني إلى قراءة دقيقة أيضاً. فبرنامج البراكين العالمي يسجل عادة عشرات البراكين في حالة ثوران أو نشاط خلال العام، وبعض الثورات تبدأ في سنة وتستمر إلى سنوات لاحقة، لذلك لا يعني عدد «الثورات البركانية المسجلة خلال 2026» بالضرورة أن جميعها بدأت في العام نفسه.
ومن صقلية إلى براكين إندونيسيا الواقعة على "حلقة النار" في المحيط الهادئ، لم يكن الرماد مجرد مشهد جيولوجي مذهل؛ إذ يمكن للثوران البركاني أن يفرض قيوداً على حركة الطيران، ويجبر السكان على الإخلاء، ويغطي مناطق واسعة بالرماد، ويؤثر في الزراعة والصحة وحركة النقل.
والأهم علمياً أن النشاط البركاني والزلزالي عمليات تحكمها أساساً حركة الصفائح والصدوع، وهي مختلفة عن العمليات التي تقود موجات الحر والجفاف والحرائق.
ليلة دفنت فيها الأرض المنازل
وفي 9 أغسطس، قدمت الفلبين واحداً من أكثر مشاهد العام قسوة. ففي مدينة باغيو، انهارت كتلة من التربة على منازل بعد أيام من الأمطار المتواصلة التي جلبتها الأعاصير المدارية والرياح الموسمية الجنوبية الغربية.
وواصلت فرق الإنقاذ البحث بين الطين والحطام حتى انتشال جميع الضحايا، لكن المأساة لم تكن حادثاً منفصلاً عن الظروف الجوية المحيطة بها. فقد أظهرت بيانات هيئة الأرصاد الفلبينية أن باغيو وبنغيت تلقتا 1,413 مليمتراً من الأمطار بين 1 و9 أغسطس فقط، أي ما يعادل نحو شهر ونصف الشهر من أمطار أغسطس المعتادة. وحذرت الجهات الجيولوجية من أن التربة وصلت إلى مستويات حرجة من التشبع بالمياه.
وحجم الظاهرة كان أكبر من موقع الانهيار القاتل نفسه؛ ففي منطقة كورديليرا وحدها، سجلت السلطات 179 انهياراً أرضياً منذ بداية أغسطس وحتى 12 منه، وتأثر 186 مقطعاً من الطرق، في مؤشر على مدى هشاشة المنحدرات عندما تتشبع التربة بكميات استثنائية من المياه.
وأصبحت مأساة باغيو مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن بها لسلسلة من العوامل أن تتجمع: منخفضات مدارية، ورياح موسمية، وأمطار هائلة، وتربة مشبعة، ومنحدرات مأهولة؛ ثم تأتي لحظة الانهيار فتحول الخطر إلى كارثة في ثوانٍ.
الحر.. العدو الصيفي لأوروبا
وإذا كانت الزلازل والانهيارات تترك وراءها صوراً مباشرة للدمار، فإن الحرارة تقتل بطريقة أكثر هدوءاً.
أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً، وأصبحت موجات الحر الطويلة والمتكررة واحدة من أبرز تحديات الصحة العامة فيها. فالحر الشديد يزيد الضغط على القلب والجهاز التنفسي، ويشكل خطراً أكبر على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والعاملين في الهواء الطلق، فيما تتحول المدن المكتظة بالخرسانة والأسفلت إلى "جزر حرارية" تحتفظ بالحرارة حتى خلال الليل.
وتحتاج أرقام الوفيات المرتبطة بالحر إلى قدر كبير من الحذر؛ إذ لا تصدر الحصيلة الأوروبية النهائية فور انتهاء موجة الحر.، فالحرارة لم تعد مجرد رقم قياسي في نشرة الطقس، وإنما أصبحت خطراً صحياً واقتصادياً يتطلب خططاً للإنذار المبكر، وتبريد المدن، وحماية كبار السن، وتعديل ساعات العمل، وتطوير المباني لتتحمل صيفاً أكثر سخونة.
أوروبا تحترق
ومع الحرارة جاءت النار، فبحلول سبتمبر الجاري، كانت حرائق الغابات قد التهمت مئات آلاف الهكتارات في الاتحاد الأوروبي، وتحولت مناطق في جنوب القارة إلى جبهات مفتوحة بين النيران وفرق الإطفاء.
وكان الاتحاد الأوروبي قد دخل موسم الحرائق باستعدادات استثنائية، شملت نشر مئات رجال الإطفاء مسبقاً في الدول الأكثر عرضة للخطر، وتجهيز طائرات ومروحيات ضمن آلية الحماية المدنية الأوروبية، لكن الطائرات لا تستطيع وحدها حل المشكلة.
فالحرائق الحديثة أصبحت مرتبطة بمنظومة واسعة من المخاطر: ارتفاع الحرارة، والجفاف، والرياح، وتراكم المواد النباتية القابلة للاشتعال، والتوسع العمراني بالقرب من الغابات، فضلاً عن أسباب الاشتعال البشرية والطبيعية.
وهكذا لم يعد السؤال الأوروبي: كيف نطفئ الحريق؟ بل أصبح أيضاً: كيف نعيد تصميم الغابات والمدن والمناطق السكنية حتى تستطيع التعايش مع مواسم نار أطول وأكثر خطورة؟
كندا.. ملايين الهكتارات تحت النار
خلال الفترة المنقضية من 2026، تجاوزت المساحات المحترقة أربعة ملايين هكتار بحلول نهاية الصيف، في موسم أكد مجدداً أن حرائق الغابات الكندية لم تعد مشكلة تقع فقط في الأماكن التي تصل إليها ألسنة اللهب.
فالدخان يستطيع عبور مئات، بل آلاف الكيلومترات، حاملاً معه الجسيمات الدقيقة إلى مدن ومناطق لم تقترب منها النيران، وهنا تتغير طبيعة الكارثة.
الغابة تحترق في مكان، لكن جودة الهواء تتراجع في مكان آخر، وتتأثر الرحلات الجوية في منطقة ثالثة، ويذهب أشخاص إلى المستشفيات على بعد مئات الكيلومترات من مركز الحريق، النار تبدأ محلياً، لكن آثارها لا تعترف بالحدود.
«النينيو».. لاعب كبير يعود بقوة
وفي المحيط الهادئ، كان تغير مهم يتشكل منذ منتصف العام، ففي 2 يونيو، قدرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمال ظهور «النينيو» بين يونيو وأغسطس بنحو 80%، يرتفع إلى قرابة 90% خلال بقية فترة التوقعات.
وبعد أسابيع، لم تعد الظاهرة مجرد احتمال. فقد أكدت المنظمة في يونيو أن «النينيو» بدأ يتطور، مع توقع تطوره سريعاً إلى حدث قوي خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر.
وفي 3 سبتمبر 2026، أعلنت المنظمة أن «النينيو» أصبح راسخاً بقوة في المحيط الهادئ الاستوائي، وأن الاحتمال أصبح يقارب 100% لاستمراره حتى فبراير 2027، مع توقع اشتداده خلال الأشهر المقبلة إلى مستوى «قوي جداً».
وتوقع تحديث المنظمة للفترة من سبتمبر إلى نوفمبر وصول متوسط شذوذ حرارة سطح البحر إلى نحو 3.6 درجات مئوية فوق المعدل، مع ذروة متوقعة في نوفمبر وديسمبر.
لكن «النينيو» ليس تفسيراً لكل ما حدث في 2026، فالظاهرة لا تسبب الزلازل أو البراكين. وإنما تؤثر في الغلاف الجوي والمحيطات، وتستطيع تغيير أنماط الحرارة والأمطار عالمياً، وزيادة احتمالات الجفاف في مناطق والفيضانات والأمطار الغزيرة والحر الشديد في مناطق أخرى.
وهي أيضاً ظاهرة طبيعية دورية، لكن تأثيرها يحدث اليوم فوق خلفية مختلفة: كوكب ارتفعت حرارته بالفعل بفعل تغير المناخ.
الانهيارات الجليدية.. الخطر القادم من الجبال
وفي أعالي الجبال، واصلت الانهيارات الثلجية والجليدية حصد الأرواح، وكان من أبرز حوادث العام انهيار «برود بيك» في باكستان، الذي اجتاح في 30 يوليو بعثة دولية من 10 متسلقين، لتتأكد وفاتهم مطلع أغسطس، وبينهم المتسلق النيبالي البريطاني الشهير نيرمال «نيمسداي» بورجا.
وتزداد مخاطر الانهيارات مع عدم استقرار الثلوج والتغيرات الحادة في درجات الحرارة والطقس، فيما قد يؤثر الاحترار في تماسك الجليد والتربة الصقيعية ويزيد مخاطر بعض أنواع الانهيارات الصخرية والجليدية، ما يجعل مراقبة الجبال والإنذار المبكر أكثر أهمية لحماية المتسلقين والمناطق الجبلية.
والانهيار الجليدي من أكثر الأخطار الطبيعية سرعة؛ إذ يمكن لكتلة ضخمة من الثلوج أن تنطلق خلال ثوانٍ، وتتسارع على المنحدر إلى سرعات تجعل الهرب منها شبه مستحيل، وتزداد الخطورة عندما تتغير درجات الحرارة بسرعة، أو تتراكم طبقات غير مستقرة من الثلوج، أو تهب رياح تنقل الثلج وتكدسه على المنحدرات.
لكن العلاقة بين تغير المناخ والانهيارات ليست بسيطة أو موحدة في جميع الجبال. فالاحترار يمكن أن يقلل الغطاء الثلجي في بعض الارتفاعات، لكنه في الوقت نفسه يؤثر في استقرار الثلوج والجليد والتربة الصقيعية، وقد يزيد بعض أنواع الانهيارات الصخرية والجليدية في المناطق المرتفعة. ولهذا أصبحت مراقبة الجبال جزءاً من منظومة التكيف المناخي، لا مجرد خدمة لممارسي التزلج وتسلق الجبال.
حوادث تكشف هشاشة الحياة اليومية
ولم تتوقف قائمة 2026 عند الكوارث الكبرى، فالعواصف الرعدية والصواعق والفيضانات الخاطفة والانهيارات الأرضية وحوادث الطقس المفاجئة أوقعت ضحايا في مناطق متفرقة من العالم.
وتكمن خطورتها في أنها تضرب أحياناً في أكثر الأماكن اعتيادية: شاطئ، طريق، منزل، رحلة جبلية أو مكان عمل، وقد يكون الفرق بين النجاة والمأساة بضع دقائق من التحذير، أو قراراً بإخلاء منزل، أو إغلاق طريق، أو الامتناع عن دخول منطقة جبلية في توقيت غير مناسب.
وتقدم الفلبين نموذجاً واضحاً، فبحلول 11 أغسطس، كانت السلطات تتحقق من 19 وفاة مرتبطة بموجة الطقس السيئ الناجمة عن منخفضين مداريين والرياح الموسمية، فيما بلغ عدد المتأثرين أكثر من 2.27 مليون شخص، ولجأ نحو 95 ألفاً إلى مراكز الإيواء.
هل تغير المناخ مسؤول عن كل ذلك؟
الجواب العلمي: لا.
لا يمكن وضع زلزال فنزويلا، وبركاناً في إندونيسيا، وانهيار باغيو في نيبال ، وحريقاً في أوروبا وموجة حر في سلة سببية واحدة.
الزلازل والبراكين تحكمها العمليات الجيولوجية، أما موجات الحر والجفاف والأمطار الشديدة والحرائق، فتتأثر بالنظام المناخي بدرجات مختلفة، إلى جانب عوامل طبيعية وبشرية محلية، كما أن نسب أي كارثة منفردة مباشرة إلى تغير المناخ يحتاج عادة إلى دراسات علمية متخصصة في «إسناد الأحداث المتطرفة».
لكن ما يقوله العلم بصورة أوضح هو أن ارتفاع حرارة الكوكب يزيد احتمالات وشدة بعض الظواهر المتطرفة، وخصوصاً موجات الحر، ويغير دورة المياه، فيما يمكن للجفاف والحرارة أن يهيئا ظروفاً أكثر ملاءمة لحرائق الغابات.
ومع ظهور «النينيو» القوي في 2026، أصبح النظام المناخي يجمع بين احترار طويل الأجل ناجم عن تغير المناخ وتقلب طبيعي كبير في المحيط الهادئ.
التعايش مع المخاطر
وستبقى من الأيام الـ255 الأولى من 2026 صور يصعب اختزالها في الأرقام وحدها؛ مبانٍ تهتز فوق أرض مضطربة، ومنازل مدفونة تحت الطين في الفلبين، وسماء تتوهج فوق غابات مشتعلة في أوروبا، وطائرات تلقي المياه على جبهات النار، ورماد بركاني يرتفع إلى السماء في أندونيسيا، ومدن أوروبية تبحث عن الظل في ذروة الحر، ومتسلقون يواجهون جبالاً يتغير فيها استقرار الثلوج والجليد.
لكن خلف هذه الصور يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما تتحرك الطبيعة أسرع من قدرة الإنسان على الاستجابة؟ فالمستقبل لن يكون عالماً بلا زلازل أو براكين أو حرائق أو فيضانات أو موجات حر وانهيارات، وبالتالي فإن التحدي ليس بناء عالم يمنع الطبيعة من الحركة، فهذا مستحيل، وإنما بناء عالم يستطيع تحملها وتقليص خسائرها؛ لأن قوة المجتمعات لا تختبر عندما تكون الأرض ساكنة والسماء صافية، بل عندما تهتز الأرض، وتشتعل الغابات، وتنهمر الأمطار، وتتحرك الجبال.. وتبقى قادرة على الوقوف.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 15:26