جو حطاب يفتح نافذة على الأردن.. فهل نحن مستعدون لما وراء الصورة؟

نيفين الوقادي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 14:52
في زمن أصبحت فيه الصورة قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال لحظات، استطاع صانع المحتوى جو حطاب أن يقدم نموذجًا مميزًا في التعريف بالأردن، وأن ينقل جماله وتنوعه بطريقة تصل إلى الجمهور بلغة يفهمها العالم اليوم : الصورة والقصة والتجربة.

وما يقوم به جو حطاب يستحق الإشادة لأنه لا يعرض الأماكن فحسب، بل يمنح المشاهد رغبة حقيقية في اكتشافها، وهذا بحد ذاته شكل متقدم من أشكال التسويق السياحي الحديث.

لكن نجاح الترويج يطرح سؤالًا أكثر أهمية:ماذا يحدث عندما تنتهي المشاهدة وتبدأ الزيارة؟

هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية لصناعة السياحة.فأن نقنع شخصًا بزيارة الأردن أمر مهم، لكن الأهم أن يجد عند وصوله تجربة توازي الصورة التي شاهدها، بل تتجاوز توقعاته.

وهذا يتطلب أن نفرّق بين الترويج للوجهة وإدارة تجربة الزائر.

صانع المحتوى يستطيع أن يلفت الأنظار إلى موقع أو مدينة أو تجربة، لكن مسؤولية القطاع السياحي تبدأ عندما يتحول هذا الاهتمام إلى زيارة فعلية. السائح لا يعيش داخل الفيديو ، فهو يصل إلى المطار ويحتاج إلى تنقل منظم، وإقامة مناسبة، ومعلومات واضحة، وخدمات سهلة، وتجارب متنوعة، ثم يغادر وهو يحمل انطباعًا كاملًا عن البلد ، ولهذا فإن قوة السياحة لا تُقاس فقط بجمال المواقع، وإنما بقدرتنا على إدارة الرحلة كاملة.

قد نمتلك موقعًا أثريًا استثنائيًا مثل البتراء أو طبيعة خلابة، أو فندقًا فاخرًا، لكن قيمة التجربة تتأثر بسهولة الوصول وجودة الخدمات والتنظيم والنظافة وحسن التعامل وتوفر المعلومات، وحتى التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو ثانوية لكنها تبقى في ذاكرة الزائر.وتزداد أهمية ذلك عندما نتحدث عن السياحة المتخصصة ، فالسائح القادم للعلاج يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ قبل وصوله وتشمل التنسيق والإقامة والنقل والرعاية اللاحقة. وزائر المؤتمرات يحتاج إلى أكثر من قاعة ناجحة فهو يبحث أيضًا عن تجربة تعرّفه إلى البلد. والسائح الباحث عن المغامرة أو الرفاهية أو الثقافة لديه توقعات مختلفة تمامًا.لذلك لا يمكن أن نتعامل مع السياحة باعتبارها منتجًا واحدًا يناسب الجميع. كما أن نجاح المنتج السياحي لا يعني بالضرورة أن يكون في متناول كل الشرائح، لكن ارتفاع السعر يجب أن يقابله مستوى واضح من القيمة والجودة والخدمة.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يكون نجاح السياحة منفصلًا عن المجتمع المحلي. فالقطاع السياحي الحقيقي هو الذي يخلق فرص العمل، ويدعم المشروعات الصغيرة والحرفيين والمطاعم والخدمات المحلية ويجعل المجتمعات المحيطة بالوجهات السياحية شريكًا في النجاح ومستفيدًا منه.ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال بعد حملة ترويجية ناجحة: كم شخصًا شاهد المحتوى؟

بل كم شخصًا جاء؟ كم ليلة أقام؟ ما مستوى رضاه؟ هل أوصى بالأردن؟ وهل سيعود؟

هذه المؤشرات هي التي تحول المشاهدة إلى أثر اقتصادي وسياحي حقيقي.

الأردن يمتلك مقومات استثنائية تؤهله للمنافسة، لكن امتلاك المقومات لا يعني تلقائيًا امتلاك المنتج السياحي … المنتج الحقيقي هو حين تتحول هذه المقومات إلى تجربة متكاملة تُدار بكفاءة وتترك لدى الزائر انطباعًا يستحق أن يُروى ولهذا فإن ما يقدمه جو حطاب وغيره من صناع المحتوى يمثل فرصة كبيرة يجب أن نبني عليها ، فهو يستطيع أن يفتح نافذة على الأردن وأن يجعل شخصًا في مكان بعيد يفكر ( ربما تكون الأردن وجهتي القادمة )

و بعد أن يتخذ هذا الشخص القرار يأتي دورنا فالزائر الذي يصل بسبب صورة جميلة يجب ألا يجد واقعًا أقل منها، بل يجب أن تكون الصورة بداية، وأن تكون التجربة الحقيقية هي المفاجأة الأجمل ..

إذا المحتوى يصنع الانتباه، والترويج يصنع الرغبة، والتجربة تصنع السمعة، والسمعة تصنع العودة.

وهنا يكمن النجاح الحقيقي: أن يأتي السائح متأثرًا بما شاهده، ثم يغادر وهو يقول إن ( الأردن الحقيقي كان أجمل من الصورة )
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 14:52