قابوس الحكيم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 14:30
مدار الساعة - كتب: الأكاديمي والباحث ابراهيم خليف الصقيري الدعجة - حينما تتحدث الذاكرة عن سلطنة عُمان، وتحديداً خلال ذلك العقد المهيب الممتد من عام 2011 إلى 2020، فإنها لا تستحضر مجرد جغرافيا أو مرحلة زمنية عبرت، بل تستعيد "نبض حياة" غمر الوجدان، وشهادة حية على وطن بُني بلمسة أب قبل حنكة قائد. كمغترب تشرف بالعمل في الحقل الأكاديمي الجامعي في عدة كليات عمانية، عشت بين دفتي هذا الوطن الطيّب؛ لم أكن مجرد راصد للسياسة، بل كنت شاهداً يومياً على إرث رجل صاغ من طين الأرض وطيب النفوس سمفونية سلام عزفتها القلوب قبل العقول. إنه الراحل الكبير، السلطان قابوس بن سعيد — طيّب الله ثراه — صانع أمجاد عُمان الحديثة وقائد نهضتها المباركة، الذي لم يكن الحكيم في نظرنا لمجرد دهاء سياسي، بل لأن حكمته كانت تنبع من قلب مفعم بالإنسانية، وتفيض بالرحمة والسكينة.
قائد النهضة: من ظلام العزلة إلى نور الحداثة
حينما تولى السلطان قابوس مقاليد الحكم عام 1970، أطلق شرارة النهضة التي لم تكن مجرد خطة تنموية، بل كانت انبعاثاً حضارياً شاملاً لأمة بأكملها. لقد تسلّم وطناً مثقلاً بالتحديات، فصنع منه في عقود قليلة دولة عصرية يُشار إليها بالبنان.
لقد كان بحق مهندس هذه النهضة وباني أركانها ؛ حيث قاد ملحمة البناء والتحديث بعبقرية نادرة، موازناً بين لغة العصر ومقتضيات التطور، وبين الحفاظ على الهوية العُمانية الأصيلة وتراثها العريق. هذه النهضة لم تكن لترى النور لولا رؤيته الفذة التي جعلت من اسم "قابوس" مرادفاً للبناء، والتقدم، والرفعة.
في السياسة الخارجية: قلبٌ يتسع للعالم وظلٌ ممدود بالسلام
لم تكن السياسة الخارجية العُمانية في عهد السلطان قابوس مجرد استراتيجيات جافة تُدرّس في ردهات الجامعات والمعاهد، بل كانت فلسفة أخلاقية سامية، وقصيدة سلام كُتبت بحبر التسامح. في وقت كانت فيه رياح الشرق الأوسط العاتية تقتلع الأخضر واليابس، وتموج بالصراعات، وقف السلطان الراحل كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، باسطاً غصن الزيتون ورافعاً شعاراً إنسانياً خالداً: "صداقة مع الجميع، وعداوة مع لا أحد".
لم تكن مسقط في ظله مجرد عاصمة سياسية، بل كانت "ملاذاً دافئاً للقلوب المتعبة"، وواحة هادئة تلتقي فيها الأطراف المتنازعة لتخلع معاطف الخلاف على عتبات الحكمة العُمانية. كان الراحل يرى بعين البصيرة أن الحروب تشوّه وجه الإنسانية، وأن الحوار هو الجسر الوحيد الذي يعبر بالبشرية إلى شاطئ الأمان. هذه الحكمة الإنسانية الرقيقة جعلت من عُمان واحة طمأنينة، ومحط احترام العالم بأسره.
في السياسة الداخلية: زرع الأمل في عقول البشر
على الصعيد الداخلي، لم يكن بناء عُمان مجرد رصف للطرق أو تشييد للمباني، بل كان بناءً لروح الإنسان العُماني وعقله. منذ فجر النهضة، آمن السلطان قابوس أن الإنسان هو أثمن ما تملكه الأرض، فالتفت إلى التعليم برعاية أب حنون يحدب على أبنائه.
وكمكرمة حية لمسناها وعشناها كأكاديميين، كانت الجامعات العُمانية حدائق معرفية غُرست في تربتها قيم الاعتدال، والتسامح، والاعتزاز بالهوية دون تعالٍ. استطاع بنظرة الأب الحانية أن يذيب الفوارق، ويجمع القلوب تحت راية وطن واحد متآلف. كانت سياسته الداخلية تنصت لخلجات النفوس، وتمسح على جراح المحتاج، فكان قريباً من شعبه قرب الأب من أبنائه، يبادلونه حباً صامداً خالصاً، وولاءً مطرزاً بالامتنان.
عشر سنوات في ظلال الطمأنينة
خلال فترتي الأكاديمية (2011 - 2020)، عشت في بلاد يلفها الأمان كغيمة باردة. عاصرت كيف أدارت الأبوة القابوسية أمواج "الربيع العربي" المتلاطمة؛ لم يواجهها بالقسوة، بل باحتواء الأب الحكيم الذي يفهم خلجات أبنائه، فاستمرت الحياة هادئة، وعجلة البناء تسير في ثقة وتؤدة. وحينما ترجل الفارس عن صهوة جواده في ذلك الفجر الحزين من يناير 2020، انطفأت شمعة كانت تضيء دروبنا، ولم يكن الحزن مجرد مراسم عزاء، بل دموعاً حقيقية انهمرت من عيون الصغار والكبار، وغصة سكنت قلوبنا نحن الوافدين الذين عشنا فوق أرضه وشعرنا بأنه كان أباً لنا أيضاً.
الخاتمة: عطرٌ لا يغيب
رحل السلطان قابوس بجسده، لكن روحه الطاهرة ما زالت ترفرف فوق جبال عُمان وسواحلها، وذكراه باقية في قلوب كل من تنفس هواء هذا البلد الطيّب. ترك خلفه أمانة غالية وعُماناً شامخة تسير على ذات الدرب النبيل بقيادة السلطان هيثم بن طارق — حفظه الله — الذي يحمل الراية بذات الروح الأبوية والحكمة السديدة.
سيبقى "قابوس الحكيم" في ذاكرة الزمان، وفي أعماق أرواحنا، نغمة سلام لا تموت، ونموذجاً إنسانياً نادراً أثبت أن الحكم يمكن أن يكون حباً، وأن السياسة يمكن أن تكون طهرًا. رحم الله أعز الرجال وأنقاهم، وأسكنه فسيح جناته.
قائد النهضة: من ظلام العزلة إلى نور الحداثة
حينما تولى السلطان قابوس مقاليد الحكم عام 1970، أطلق شرارة النهضة التي لم تكن مجرد خطة تنموية، بل كانت انبعاثاً حضارياً شاملاً لأمة بأكملها. لقد تسلّم وطناً مثقلاً بالتحديات، فصنع منه في عقود قليلة دولة عصرية يُشار إليها بالبنان.
لقد كان بحق مهندس هذه النهضة وباني أركانها ؛ حيث قاد ملحمة البناء والتحديث بعبقرية نادرة، موازناً بين لغة العصر ومقتضيات التطور، وبين الحفاظ على الهوية العُمانية الأصيلة وتراثها العريق. هذه النهضة لم تكن لترى النور لولا رؤيته الفذة التي جعلت من اسم "قابوس" مرادفاً للبناء، والتقدم، والرفعة.
في السياسة الخارجية: قلبٌ يتسع للعالم وظلٌ ممدود بالسلام
لم تكن السياسة الخارجية العُمانية في عهد السلطان قابوس مجرد استراتيجيات جافة تُدرّس في ردهات الجامعات والمعاهد، بل كانت فلسفة أخلاقية سامية، وقصيدة سلام كُتبت بحبر التسامح. في وقت كانت فيه رياح الشرق الأوسط العاتية تقتلع الأخضر واليابس، وتموج بالصراعات، وقف السلطان الراحل كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، باسطاً غصن الزيتون ورافعاً شعاراً إنسانياً خالداً: "صداقة مع الجميع، وعداوة مع لا أحد".
لم تكن مسقط في ظله مجرد عاصمة سياسية، بل كانت "ملاذاً دافئاً للقلوب المتعبة"، وواحة هادئة تلتقي فيها الأطراف المتنازعة لتخلع معاطف الخلاف على عتبات الحكمة العُمانية. كان الراحل يرى بعين البصيرة أن الحروب تشوّه وجه الإنسانية، وأن الحوار هو الجسر الوحيد الذي يعبر بالبشرية إلى شاطئ الأمان. هذه الحكمة الإنسانية الرقيقة جعلت من عُمان واحة طمأنينة، ومحط احترام العالم بأسره.
في السياسة الداخلية: زرع الأمل في عقول البشر
على الصعيد الداخلي، لم يكن بناء عُمان مجرد رصف للطرق أو تشييد للمباني، بل كان بناءً لروح الإنسان العُماني وعقله. منذ فجر النهضة، آمن السلطان قابوس أن الإنسان هو أثمن ما تملكه الأرض، فالتفت إلى التعليم برعاية أب حنون يحدب على أبنائه.
وكمكرمة حية لمسناها وعشناها كأكاديميين، كانت الجامعات العُمانية حدائق معرفية غُرست في تربتها قيم الاعتدال، والتسامح، والاعتزاز بالهوية دون تعالٍ. استطاع بنظرة الأب الحانية أن يذيب الفوارق، ويجمع القلوب تحت راية وطن واحد متآلف. كانت سياسته الداخلية تنصت لخلجات النفوس، وتمسح على جراح المحتاج، فكان قريباً من شعبه قرب الأب من أبنائه، يبادلونه حباً صامداً خالصاً، وولاءً مطرزاً بالامتنان.
عشر سنوات في ظلال الطمأنينة
خلال فترتي الأكاديمية (2011 - 2020)، عشت في بلاد يلفها الأمان كغيمة باردة. عاصرت كيف أدارت الأبوة القابوسية أمواج "الربيع العربي" المتلاطمة؛ لم يواجهها بالقسوة، بل باحتواء الأب الحكيم الذي يفهم خلجات أبنائه، فاستمرت الحياة هادئة، وعجلة البناء تسير في ثقة وتؤدة. وحينما ترجل الفارس عن صهوة جواده في ذلك الفجر الحزين من يناير 2020، انطفأت شمعة كانت تضيء دروبنا، ولم يكن الحزن مجرد مراسم عزاء، بل دموعاً حقيقية انهمرت من عيون الصغار والكبار، وغصة سكنت قلوبنا نحن الوافدين الذين عشنا فوق أرضه وشعرنا بأنه كان أباً لنا أيضاً.
الخاتمة: عطرٌ لا يغيب
رحل السلطان قابوس بجسده، لكن روحه الطاهرة ما زالت ترفرف فوق جبال عُمان وسواحلها، وذكراه باقية في قلوب كل من تنفس هواء هذا البلد الطيّب. ترك خلفه أمانة غالية وعُماناً شامخة تسير على ذات الدرب النبيل بقيادة السلطان هيثم بن طارق — حفظه الله — الذي يحمل الراية بذات الروح الأبوية والحكمة السديدة.
سيبقى "قابوس الحكيم" في ذاكرة الزمان، وفي أعماق أرواحنا، نغمة سلام لا تموت، ونموذجاً إنسانياً نادراً أثبت أن الحكم يمكن أن يكون حباً، وأن السياسة يمكن أن تكون طهرًا. رحم الله أعز الرجال وأنقاهم، وأسكنه فسيح جناته.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 14:30