المرأة وحركات التنوير

الدكتور زياد أبو لبن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 10:03
ورثنا من الماضي صورة مشوهة عن المرأة، صورة اختلط فيها التهميش بالعادات، والوصاية بالتقاليد، حتى بدا دورها في المجتمع وكأنه منحة تُمنح لها حينًا، وتُسلب منها حينًا آخر. ولعل الحاضر، على الرغم مما شهده من تحولات، لا يقل تعقيدًا عن الماضي؛ فما زالت حقوق المرأة، التي أقرها الإسلام وكرمها بها، عرضة للتأويل والتضييق، وما زال دورها القيادي والاجتماعي والثقافي موضع جدل، الأمر الذي أوقعنا في واحدة من أكثر زوايا حياتنا تناقضًا.

ومن ينكر دور المرأة في المجتمعات الإسلامية؟ لقد كانت المرأة شريكًا حقيقيًا في بناء الحضارة، ولم تكن يومًا مجرد كائن يعيش على هامش التاريخ. فقد كانت شاعرة وأديبة، وفقيهة وعالمة باللغة والدين، وملكة ووزيرة، وطبيبة ومديرة ومعلمة وأستاذة، وأسهمت في الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وهناك من الأسماء ما يملأ بطون الكتب، ويكفي وحده لتفنيد الصورة التي يحاول بعضهم تكريسها عن المرأة بوصفها عاجزة عن المشاركة أو الإبداع.

غير أن المشكلة تبدأ حين يطل التعصب برأسه، فينصب خيامه حول المرأة، ويحاصر حركتها وحقها في الاختيار، ويضع أمامها أسوارًا من المحظورات. فيُقال لها إن بيتها هو صونها وحرزها، وإن خروجها إلى العمل أو السوق موضع شبهة، وإن مواصلة تعليمها ترف، وإن إبداء رأيها تجاوز، وإن إعمال عقلها في الفكر والمعرفة خروج على المألوف.

وهنا وقفت حركات التحرر والتنوير والعقلانية في مواجهة هذا التفكير المنغلق، لا دفاعًا عن المرأة وحدها، وإنما دفاعًا عن المجتمع كله؛ لأن المجتمع الذي يعطل نصف طاقته البشرية إنما يعطل نفسه، والمجتمع الذي يحاصر عقل المرأة لا يستطيع أن يدّعي أنه انتصر للعقل.

إن حركة التنوير، في جوهرها، ليست حربًا على الدين، كما يحاول بعض المتزمتين تصويرها، وإنما هي مواجهة مع القراءة المنغلقة التي تجعل العادات والتقاليد دينًا، وتجعل الموروث الاجتماعي نصًا مقدسًا، وتضع القيود التي صنعها الإنسان في مرتبة الأحكام التي لا تقبل النقاش.

وقد كان الإسلام، في بداياته، ثورة على كثير من المفاهيم التي انتقصت من قيمة المرأة، وأعاد إليها إنسانيتها وكرامتها وحقوقها. غير أن بعض المجتمعات أعادت إنتاج أشكال من التهميش، ثم ألبستها ثوب الدين، حتى أصبح من الصعب على البعض التمييز بين ما هو ديني وما هو اجتماعي، وبين ما هو حكم شرعي وما هو عادة موروثة. ولعل هذا الالتباس هو أحد أسباب استمرار المشكلة إلى يومنا هذا.

إن سنة الحياة تدفعنا، شئنا أم أبينا، إلى أن تكون المرأة شريكًا للرجل في بناء المجتمع. وهذه الشراكة لا تقوم على الصراع بين الجنسين، ولا على محاولة أحدهما إلغاء الآخر، وإنما تقوم على المحبة والتعاون والاحترام والإحسان. فالمرأة ليست خصمًا للرجل، والرجل ليس وصيًا على إنسانية المرأة؛ كلاهما شريكان في صناعة الحياة.

ومن هنا تأتي أهمية حركات التنوير؛ فهي لا تريد أن تستبدل قيدًا بقيد، وإنما تسعى إلى تحرير العقل من الأوهام التي تراكمت فوقه، وإلى إعادة الإنسان إلى جوهره: إنسانًا حرًا مسؤولًا، قادرًا على التفكير والاختيار والمشاركة.

ومقالي هذا من وحي قلم أستاذي الدكتور جابر عصفور، في كتابه "دفاعًا عن المرأة" الصادر عام 2007، وقد توقفت طويلًا عند موقفه من ظاهرة التزمت، وما يترتب عليها من تضييق على الناس والحجر على حياتهم. فهو ينتقد أولئك الذين يحولون الحياة إلى قائمة طويلة من المحرمات، حتى تصبح البسمة موضع اتهام، والضحكة قلة قيمة، والهزل الذي تستريح به النفس نوعًا من المعصية، وكأن الإنسان مطالب بأن يعيش عابسًا، وأن يتحول الدين في حياته إلى منظومة من المنع والتخويف.

وهذه الرؤية المتشددة لا تفسد علاقة الإنسان بالحياة فحسب، بل تسيء أيضًا إلى صورة الدين في أذهان الناس؛ لأن الدين، في جوهره، أوسع من أن يُختزل في خطاب المنع والتحريم والتخويف.

لقد عرف تراثنا العربي والإسلامي أصواتًا متشددة في عصور مختلفة، كما عرف في المقابل أصواتًا عقلانية ومستنيرة احتفت بالعقل والعلم والجمال والحياة. ولذلك لا يصح أن نختزل تراثنا في صورة واحدة، ولا أن نجعل الماضي كله ظلامًا، كما لا يجوز أن نقدسه كله ونغلق أبواب السؤال أمامه.

إن المعركة الحقيقية ليست بين المرأة والرجل، ولا بين الماضي والحاضر، وإنما بين العقل والانغلاق، وبين التنوير والتعصب.

وإذا أردنا مواجهة قوى التخلف والظلام، فنحن بحاجة إلى منظومة ثقافية قادرة على التأثير في المجتمع، لا إلى خطابات موسمية ترفع شعارات التنوير ثم تعود إلى صمتها. ونحن بحاجة، بصورة خاصة، إلى الاهتمام بالشباب؛ لأن الفراغ الثقافي والمعرفي يجعلهم أكثر عرضة للوقوع في شباك الخطابات المتطرفة، التي تقدم لهم إجابات جاهزة عن أسئلة الحياة، وتغلق أمامهم أبواب التفكير والنقد.

كما أننا بحاجة إلى منظومة اجتماعية تعيد النظر في كثير من العادات التي ترسخت في الوعي الجمعي حتى أصبحت، مع مرور الزمن، تبدو وكأنها جزء من الدين، وهي في الحقيقة عادات اجتماعية موروثة لا علاقة لها بجوهر القيم الدينية.

كم من عادة قلنا عنها: "هكذا وجدنا آباءنا"! وكم من موقف اجتماعي تحول إلى "حَرام" لمجرد أن المجتمع اعتاد عليه! وكم من مرّة أصبح الحكم على الأشياء أسهل من فهمها!

فلا تسمع أحيانًا إلا: هذا حَرام، وهذا حلال، وهذا عيب، وهذا لا يجوز، من غير أن يسأل أحد: ما مصدر هذا الحكم؟ وما سياقه؟ وهل هو من الدين فعلًا، أم من العادات التي ارتدت ثوب الدين؟

آن لنا أن نحرك هذا الساكن، وأن نعيد النظر في علاقتنا بالمرأة بعيدًا عن الموروثات التي تنتقص من إنسانيتها، وأن ننصفها بالفعل لا بالشعارات.

فبرغم ما نردده عن الحقوق والعدالة والمساواة، ما زالت هناك ممارسات على أرض الواقع تناقض كثيرًا مما نقوله. وما زالت الذكورية قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة، حتى أصبح في بعض البيوت والمجتمعات أكثر من "سي السيد" واحد، وإن تغيرت ملامحه وأدواته. والتنوير الحقيقي يبدأ حين نتحرر من هذه العقلية، لا حين نرفع شعارًا جديدًا فوق العقلية القديمة.

فالمرأة ليست قضية هامشية في مشروع التنوير؛ إنها في قلبه. وانتصار المجتمع لحق المرأة في الكرامة والعلم والعمل والتفكير والمشاركة، هو في جوهره انتصار للإنسان نفسه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/12 الساعة 10:03