الأردن حمل عبء اللجوء عن العالم.. دراسة دولية جديدة تضع التجربة الأردنية في إدارة الأزمة السورية تحت المجهر
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/10 الساعة 11:29
مدار الساعة – سلطت دراسة علمية دولية جديدة الضوء على التجربة الأردنية في التعامل مع أزمة اللجوء السوري، مقدمةً نموذج المملكة بوصفه تجربة مهمة في الانتقال من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى إدارة طويلة الأمد لأزمة لجوء ممتدة، ومؤكدة أن استدامة هذا النموذج لا يمكن أن تكون مسؤولية الأردن وحده، بل تتطلب تقاسمًا دوليًا أكثر عدالة للأعباء ودعمًا تنمويًا مستدامًا للدولة والمجتمعات المستضيفة.
وحملت الدراسة عنوان “From Relief to Resilience: Jordan’s Hybrid Model of Refugee Governance in the Shadow of the Syrian Crisis”، ونشرتها مجلة Frontiers in Political Science ضمن قسم الاقتصاد السياسي، وهي من إعداد الدكتور أحمد فارس البدارين، والأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة، والدكتور محمد خير ف. قرباع. وتحمل الدراسة الرقم الرقمي DOI: 10.3389/fpos.2026.1746865.
وتشير بيانات الدراسة المرفقة إلى أن البدارين ينتمي إلى كلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة مالايا في كوالالمبور، فيما ينتمي بني سلامة إلى جامعة اليرموك في الأردن، وقرباع إلى الجامعة الأردنية في عمّان.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة لكونها تتجاوز القراءة التقليدية لأزمة اللجوء بوصفها حالة إنسانية مؤقتة، لتدرس كيفية تحولها، بعد أكثر من عقد، إلى قضية بنيوية تركت آثارًا مباشرة في الدولة والمجتمع والاقتصاد والبنية التحتية والموارد الطبيعية والخدمات العامة.
وتأتي الدراسة ضمن سلسلة من الدراسات التي نشرها الأستاذ الدكتور محمد بني سلامة، منفردًا وبالاشتراك مع باحثين آخرين، وتناولت جوانب متعددة من أزمة اللجوء السوري وتداعياتها على الأردن، في مسعى أكاديمي لإيصال التجربة الأردنية إلى المجتمع العلمي الدولي وإبراز حجم الأعباء التي تحملتها المملكة نتيجة واحدة من أكبر أزمات النزوح واللجوء التي عرفتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.
وتوضح الدراسة أن الأردن انتقل، منذ اندلاع الأزمة السورية، من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى نموذج أكثر مؤسسية واستدامة لإدارة وجود أكثر من 1.4 مليون لاجئ سوري، وأن «الميثاق الأردني» لعام 2016 شكل نقطة تحول مهمة من خلال الربط بين المساعدات والمزايا التجارية الدولية من جهة، وتوسيع فرص اللاجئين في العمل والتعليم من جهة أخرى.
وتقدم الدراسة مفهوم «الحوكمة الهجينة للاجئين» إطارًا لفهم التجربة الأردنية؛ إذ تجمع هذه التجربة بين إتاحة أشكال من المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للاجئين وبين استمرار وضعهم القانوني والسياسي المؤقت. وترى الدراسة أن الأردن نجح في تطوير استجابة مؤسسية مرنة للجوء الممتد، لكنها تعمل في بيئة شديدة التعقيد بفعل محدودية الموارد والضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الدعم الدولي.
وتكشف الدراسة أن آثار اللجوء السوري تجاوزت حدود الملف الإنساني، لتفرض ضغوطًا متزايدة على سوق العمل ونظام التعليم والبنية التحتية والبلديات والموارد المائية والمؤسسات السياسية والخدمات العامة، الأمر الذي جعل أزمة اللجوء جزءًا من تحديات صمود الدولة والمجتمع الأردنيين على المدى الطويل.
وكانت المجتمعات المحلية في المحافظات الشمالية وبعض المحافظات ذات الكثافة السكانية المرتفعة في مقدمة من تحمل هذه الضغوط، حيث تشير الدراسة بصورة خاصة إلى إربد والمفرق والزرقاء وما شهدته من طلب متزايد على الإسكان والمياه والنقل والتعليم وإدارة النفايات والخدمات العامة، في ظل محدودية الإمكانات المالية والإدارية المتاحة للبلديات.
وفي الوقت نفسه، تسلط الدراسة الضوء على قدرة الأردن على المحافظة على مستوى مرتفع من الاستقرار السياسي والاجتماعي رغم هذه التحديات، مشيرة إلى أن قدرة المؤسسات الأردنية على التكيف، والقدرات الأمنية، والدعم الدولي، وآليات إدارة الضغوط في المجتمعات المستضيفة أسهمت في الحفاظ على الاستقرار العام، على الرغم من الضغوط الكبيرة التي طالت سوق العمل والتعليم والخدمات والبنية التحتية.
وتبرز هذه النتائج أهمية الدور الذي اضطلعت به القيادة الهاشمية، والشعب الأردني، ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية في التعامل مع تداعيات أزمة غير مسبوقة بهذا الحجم، والحفاظ في الوقت نفسه على تماسك الدولة واستقرار المجتمع واستمرار تقديم الخدمات الأساسية للأردنيين واللاجئين.
وتحمل الدراسة في مضمونها رسالة مهمة إلى المجتمع الدولي مفادها أن نجاح الأردن في إدارة أزمة اللجوء لا يعني أن تتحول هذه الأزمة إلى مسؤولية أردنية دائمة؛ فمسألة اللجوء إنسانية في المقام الأول، وتتطلب تقاسمًا حقيقيًا وعادلًا للمسؤوليات بين الدول والمجتمع الدولي، ولا سيما مع محدودية موارد الأردن وتزايد الضغوط على بنيته التحتية ومياهه واقتصاده ومؤسساته.
وتحذر الدراسة بصورة خاصة من تداعيات إرهاق المانحين وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السورية في ظل ظهور أزمات إنسانية أخرى تتنافس على الموارد الدولية المحدودة، مشيرة إلى أن الاعتماد على المساعدات الخارجية يجعل استدامة سياسات اللجوء في الأردن متأثرة بتغير أولويات المانحين وتقلب مستويات الدعم الدولي.
ومن هنا، فإن نتائج الدراسة تعيد التأكيد على ضرورة ألا يكتفي المجتمع الدولي بالإشادة بالدور الإنساني الذي يؤديه الأردن، وإنما أن يترجم هذا التقدير إلى التزام مالي وتنموي طويل الأمد وتقاسم فعلي للأعباء، بما يحمي قدرة الدولة الأردنية والمجتمعات المحلية على الاستمرار في تقديم الخدمات ويحفظ في الوقت ذاته كرامة اللاجئين وحقوقهم الإنسانية.
كما تبرز الدراسة أهمية استمرار مساندة الدول العربية والإسلامية للأردن؛ فإلى جانب المسؤولية الإنسانية الدولية، تمثل مبادئ التضامن والأخوة العربية والإسلامية أساسًا إضافيًا يستوجب تعزيز الدعم المقدم للمملكة، خصوصًا أن الأردن تحمل على مدى سنوات طويلة أعباءً إنسانية وتنموية كبيرة نيابة عن المجتمعين الإقليمي والدولي.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل إدارة ملف اللجوء السوري في الأردن يرتبط بثلاثة متغيرات رئيسية: تطور الأوضاع داخل سوريا، واستمرارية الدعم الدولي، وقدرة الأردن على الموازنة بين حماية اللاجئين والضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية. كما تؤكد أن الحل المستدام يحتاج إلى سياسات مرنة تستوعب اختلاف مسارات اللاجئين وتحافظ على مبادئ الطوعية والحماية والكرامة.
وبذلك تقدم الدراسة شهادة أكاديمية موثقة على تجربة دولة محدودة الموارد واجهت أزمة إنسانية إقليمية استثنائية، واستطاعت، بفضل حكمة القيادة الهاشمية ووعي الشعب الأردني وصلابة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، أن تحافظ على استقرارها وأن تؤدي دورًا إنسانيًا تجاوز إمكاناتها ومواردها.
وتبقى الرسالة الأبرز التي تضعها الدراسة أمام العالم واضحة: الأردن قدّم الكثير في مواجهة أزمة اللجوء السوري، واستمرار قدرته على القيام بهذا الدور يتطلب ألا يُترك وحيدًا في مواجهة أعباء قضية إنسانية تتجاوز حدوده وإمكاناته؛ فالمسؤولية دولية، وتقاسم الأعباء ضرورة وليس خيارًا.
وتالياً نص الدراسة:
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/10 الساعة 11:29