المنافسة الأخلاقية في عالمنا

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 23:36
مدار الساعة - كتب : المحامية روزان القيسي - من منا لا يسعى لأن يكون متميزًا في حياته، وأن يصنع مكانًا له بين الناس؟

المنافسة عنصر أساسي لكل من يطمح للوصول إلى أهدافه، فهي اختبار يومي لطبيعة الإنسان حين يُوضع في سباق: هل يريد النجاح فقط، أم النجاح دون أن يخسر إنسانيته؟

عالمنا يهوى الأرقام… من الأسرع في الوصول، من الأكثر ثراءً، من الأكثر نفوذًا. هذه العدّادات لا تتوقف عن الدوران، ومعها يزداد اللجوء إلى الطرق المختصرة: إقصاء الآخرين، تشويه سمعتهم، سرقة جهدهم، وكسر القواعد والمبادئ، ثم تبرير كل ذلك باسم “الذكاء” أو “البقاء للأقوى”.

وهنا بالضبط تولد الحاجة إلى مفهوم المنافسة الأخلاقية، ليس كموعظة، بل كآلية بقاء للمجتمع.

المنافسة الأخلاقية تعني السعي للتقدّم دون أن نسقط غيرنا عمدًا، وأن نبني أنفسنا لا أن نهدم الآخرين. هنا يكمن الفرق بين من يرفع مستواه، ومن يخفض مستوى الساحة ليبدو متفوقًا.

في الاقتصاد، تعني جودة المنتج لا تضليل المستهلك.

في السياسة، تعني خدمة الصالح العام لا اللعب على مخاوف الناس.

في الإعلام، تعني الحقيقة لا الإثارة الرخيصة.

وفي حياتنا اليومية، تعني أن نفرح لنجاحنا دون أن نحتاج لفشل الآخرين لنبرره.

البعض يرى أن الأخلاق تُبطئ المنافسة، وهذا وهم شائع ، ما يبطئ النجاح ليس الأخلاق، بل الفوضى

التاريخ مليء بمؤسسات وأفراد صعدوا بسرعة عبر الخداع والاستغلال، ثم سقطوا بنفس السرعة لأن الأساس كان هشًا.

فالمنافسة غير الأخلاقية تشبه بناء برج على رمال متحركة يبدو عاليًا للحظة، ثم ينهار فجأة، وغالبًا فوق رؤوس من بنوه.

في عالمنا اليوم، أصبحت السمعة عملة لا تقل قيمة عن المال، والمنافسة الأخلاقية تصنع سمعة طويلة الأمد، تُبنى بالتراكم لا بالضربة القاضية. إنها استثمار بطيء، نعم، لكنه مستقر وطويل الأمد. ومن المفارقات الجميلة أن الأخلاق، حين تُمارَس بذكاء، تتحول إلى ميزة تنافسية حقيقية.

في النهاية، السؤال ليس: من يفوز أو ينجح؟ بل: كيف؟

فالطريقة هي التي تحدد إن كان نجاحنا إضافة للعالم أم عبئًا عليه. عالمنا لا يحتاج مزيدًا من المنتصرين بأي ثمن، بل يحتاج ناجحين يستطيعون النظر إلى المرآة دون أن يشيحوا بوجوههم عن أنفسهم!!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 23:36