جيشنا و أجهزتنا الأمنية.. فخرٌ في القلب و مسؤوليةٌ في النشر

م. مؤيد الرشود الشديفات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 23:34
حين تتحول محبة الأردنيين لمؤسساتهم العسكرية والأمنية إلى وعيٍ يحمي أفرادها و يحفظ أمن الوطن

————————————-

مقدمة:

الأمن في عصر الانفتاح الرقمي

————————————-

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً كبيراً في طبيعة تداول المعلومات ؛ فلم تعد المعلومة محصورة في نطاقها الجغرافي أو الاجتماعي ، بل أصبحت قابلة للانتشار و الوصول و إعادة الاستخدام خلال دقائق.

ومع هذا الانفتاح ، برز تحدٍ أمني مهم يتمثل في كيفية التعامل مع المعلومات المتعلقة بالأشخاص والمؤسسات ذات الطبيعة العسكرية و الأمنية .

إن نشر اسم منتسب إلى جهاز أمني أو عسكري ، أو إظهار رتبته و صورته بالزي الرسمي ، قد يبدو في ظاهره مجرد مشاركة اجتماعية أو تكريم شخصي ، إلا أن حساسية هذه المعلومات لا تقاس بالمعلومة منفردة ، و إنما بما يمكن أن تكشفه عند ربطها بمعلومات أخرى متاحة في البيئة الرقمية .

و هذا هو جوهر مفهوم الأمن العملياتي (Operations Security – OPSEC) ، الذي يقوم على حماية المعلومات التي يمكن أن يستفيد منها الخصم ، حتى و إن لم تكن المعلومات مصنفة أو سرية بالمعنى التقليدي .

و تؤكد إرشادات الجيش للأمن على وسائل التواصل أن المعلومات الصغيرة المتفرقة يمكن تجميعها لتكوين صورة أكبر ، و أن حتى المنشورات التي تبدو غير حساسة قد تحمل قيمة بالنسبة للخصوم .

————————————-

أولاً:

ليست المشكلة في الاسم وحده

————————————-

من المهم التأكيد أن اسم الشخص أو رتبته ، منفردين ، لا يعنيان بالضرورة كشف معلومة سرية ، و لا يصح التعامل مع كل ظهور إعلامي لمنتسب عسكري أو أمني باعتباره تهديداً أمنياً .

لكن الإشكالية تبدأ عندما تتراكم البيانات .

فالاسم قد يقود إلى حسابات شخصية ، و الرتبة قد تعطي مؤشراً عن المستوى الوظيفي ، و الصورة قد تكشف الجهة أو الزي أو المناسبة ، و المنشور قد يحدد مكان الوجود أو طبيعة النشاط ، بينما تكشف منشورات أخرى علاقات الشخص المهنية و محيطه الوظيفي .

و هكذا تتحول المعلومات المتفرقة إلى بصمة معلوماتية يمكن تحليلها و الاستفادة منها .

و تشير إرشادات الأمن العملياتي للجيش صراحة إلى أن أسماء و صور الأشخاص ، و المسمى الوظيفي ، و الموقع ، و الدرجة الوظيفية وغيرها من البيانات يمكن أن تدخل ضمن المعلومات التي ينبغي التعامل معها بحذر في البيئة الرقمية .

————————————-

ثانياً:

الأجهزة الأمنية ليست كغيرها من المؤسسات

————————————-

تزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بمنتسبي الأجهزة الأمنية و العسكرية ، لأن طبيعة عمل هذه المؤسسات تختلف عن المؤسسات المدنية العادية .

فالأجهزة الأمنية و العسكرية ترتبط بمهام تتصل بحماية الدولة ، و إنفاذ القانون ، و مواجهة التهديدات ، و حماية الحدود و المنشآت و الأفراد ، و التعامل مع معلومات و عمليات قد تتطلب مستويات مختلفة من السرية والحماية .

و لهذا فإن هوية المنتسب ، و موقعه الوظيفي ، و صلته بوحدة أو إدارة معينة ، و طبيعة ظهوره العام ، قد تحمل دلالات أكبر من مجرد معلومة شخصية .

و لا يعني ذلك أن أسماء جميع المنتسبين يجب أن تكون سرية ، و إنما يعني أن تقييم حساسية المعلومة يجب أن يأخذ طبيعة المؤسسة و الوظيفة و السياق بعين الاعتبار .

————————————-

ثالثاً:

الأمن العملياتي لا يحمي الأسرار فقط

————————————-

من أكثر المفاهيم أهمية في هذا المجال مفهوم OPSEC أو الأمن العملياتي .

و الأمن العملياتي لا يقتصر على منع تسريب الوثائق السرية ، بل يهتم أيضاً بمنع الخصم من استنتاج معلومات مهمة من مجموعة من البيانات المتاحة بصورة مشروعة .

و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية أن الخصوم لا يبحثون بالضرورة عن وثيقة سرية ؛ فقد يبحثون عن تفاصيل صغيرة يمكن جمعها و ربطها و تحليلها .

فالجيش الأمريكي ، على سبيل المثال ، يحذر من نشر معلومات تتعلق بالمواقع و الوحدات و التفاصيل التكتيكية و أعداد الأفراد ، و يؤكد أن " القطع الصغيرة من المعلومات " يمكن أن تتجمع لتشكل صورة كبيرة .

و هنا تكمن إحدى أهم قواعد الأمن الرقمي :

'' المعلومة قد تكون غير سرية ، لكنها قد تكون ذات قيمة أمنية ''

————————————-

رابعاً:

المصادر المفتوحة أصبحت جزءاً من بيئة الاستخبارات

————————————-

أصبح جمع المعلومات من المصادر المفتوحة ، أو ما يعرف بـ OSINT – Open Source Intelligence ، أحد العناصر المهمة في البيئة المعلوماتية الحديثة .

فالمعلومات المنشورة علناً يمكن جمعها من وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الإلكترونية و الصور و التغطيات الإعلامية و غيرها ، ثم ربطها ببعضها للوصول إلى استنتاجات لم يكن من الممكن الحصول عليها من منشور واحد .

و لهذا فإن انتشار المعلومات على وسائل التواصل لا يعني أنها فقدت قيمتها ؛ بل قد يعني العكس تماماً ، لأن سهولة الوصول إليها و إمكانية أرشفتها و ربطها و تحليلها تجعلها قابلة للاستخدام على مدى طويل .

و تشير الأدبيات العسكرية إلى أن خصوماً و جهات معادية قد يستفيدون من المعلومات المنشورة على شبكات التواصل لجمع المعلومات التي تساعدهم على فهم الأفراد و البيئة المحيطة بهم .

————————————-

خامساً:

من التعريف إلى الاستهداف

————————————-

قد يكون نشر اسم و رتبة شخص ما أمراً بريئاً ، لكن تجميع هذه المعلومة مع معلومات أخرى قد يسهل عملية الاستهداف الفردي .

فمعرفة هوية الشخص و مهنته و مكان عمله وشبكة علاقاته قد تجعل استهدافه عبر أساليب الهندسة الاجتماعية أكثر سهولة ، سواء بهدف الحصول على معلومات إضافية أو التأثير عليه أو انتحال شخصيته .

كما يمكن استخدام الصور و الأسماء و الرتب في إنشاء حسابات مزيفة أو رسائل موجهة تبدو أكثر مصداقية .

و تحذر المراجع العسكرية العالمية مثلاً من استخدام أسماء و صور القيادات و الأفراد في عمليات انتحال و احتيال ، ما يوضح أن الهوية الرقمية للمنتسب العسكري أو الأمني قد تصبح بحد ذاتها عنصراً يستوجب الحماية .

————————————-

سادساً:

الخطر لا يتوقف عند الفرد

————————————-

الخطأ الأكبر هو النظر إلى الموضوع باعتباره مسألة خصوصية شخصية فقط .

فالمنتسب إلى مؤسسة أمنية لا يمثل نفسه دائماً في البيئة الرقمية ؛ فقد ترتبط هويته بالمؤسسة التي يعمل فيها ، و قد يؤدي كشف بعض المعلومات عنه إلى كشف معلومات غير مباشرة عن زملائه أو طبيعة عمله أو البيئة التي يعمل ضمنها .

و قد يمتد الأثر إلى أسرته أيضاً ، خصوصاً إذا اقترنت المعلومات الوظيفية بالموقع الجغرافي أو الصور العائلية أو أماكن الإقامة أو أنماط الحركة .

و لهذا تنبه الإرشادات العسكرية إلى أن مخاطر النشر قد لا تقع على الفرد وحده ، و إنما يمكن أن تمتد إلى أفراد أسرته و زملائه و المهمة التي يؤديها .

————————————-

سابعاً:

عندما تتحول المعلومات الفردية إلى قضية أمن قومي

————————————-

هنا تظهر النقطة الأهم .

الأمن القومي لا يتأثر فقط بتسريب المعلومات المصنفة ، و إنما يمكن أن يتأثر أيضاً بتراكم المعلومات المفتوحة عندما تصبح قابلة للتحليل و الاستغلال .

فإذا تم نشر معلومات عن عدد من المنتسبين ، و رتبهم ، و مواقعهم الوظيفية ، و مناسباتهم ، و تحركاتهم ، و علاقاتهم المهنية ، فإن كل معلومة منفردة قد تبدو بسيطة ، لكن مجموعها قد يقدم صورة أوسع عن المؤسسة .

و من منظور أمني ، فإن قيمة المعلومات لا ترتبط فقط بدرجة سريتها ، و إنما أيضاً بقدرتها على تمكين الخصم من الاستنتاج أو التنبؤ أو الاستهداف .

و لهذا تعتبر المؤسسات العسكرية و الأمنية حماية البيئة المعلوماتية جزءاً من حماية الأمن الوطني .

و يشير خبراء عسكريين إلى أن الجهات المعادية تستغل الانفتاح و الترابط و الرقمنة ، و أن التهديدات المعلوماتية يمكن أن تشكل تهديداً للأمن القومي ، خصوصاً عندما تكون منظمة و منسقة و قادرة على التأثير في المؤسسات والمجتمعات .

————————————-

ثامناً:

وسائل التواصل الاجتماعي ليست بيئة محايدة أمنياً

————————————-

من الخطأ التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد مساحة اجتماعية لا تتطلب اعتبارات أمنية .

فالمنشور قد يبقى متاحاً ، و الصورة يمكن حفظها و إعادة نشرها ، و الموقع الجغرافي قد يُستخرج من البيانات المصاحبة للصورة ، و المعلومات القديمة يمكن ربطها بمعلومات جديدة .

و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية على مراجعة الصور و المنشورات قبل نشرها ، و إيقاف خدمات تحديد الموقع الجغرافي عند الحاجة ، و عدم نشر معلومات عن الوحدات أو المواقع أو المهام أو التحركات .

كما أن الخبراء العسكريين يشترطوا ، بالنسبة للمحتوى الرسمي ، أن يخضع النشر للمراجعة المتعلقة بأمن العمليات و أمن المعلومات قبل إتاحته للجمهور .

————————————-

تاسعاً:

المطلوب ليس إخفاء كل شيء

————————————-

الوعي الأمني لا يعني الانغلاق ، و لا يعني أن كل اسم أو صورة أو رتبة يجب أن تعامل باعتبارها سراً .

فالمؤسسات العسكرية و الأمنية تحتاج إلى التواصل مع المجتمع ، و الإعلام الرسمي جزء من عمل الدولة ، و هناك معلومات يتم نشرها بصورة رسمية و مقصودة بعد تقييمها واعتمادها .

المبدأ الصحيح هو التمييز بين المعلومات التي يسمح بنشرها و المعلومات التي يمكن أن تحمل قيمة أمنية عند تجميعها أو ربطها بسياق آخر .

و لهذا تعتمد المؤسسات العسكرية المحترفة على سياسات للنشر و المراجعة و التصريح ، و تربط الاتصال العام بمبادئ الأمن العملياتي و حماية المعلومات .

و يظهر ذلك بوضوح في سياسات الجيوش العالمية ، التي تشترط مراجعة المحتوى الرسمي من منظور OPSEC قبل نشره للعامة .

————————————-

عاشراً:

المسؤولية مشتركة بين الفرد و المؤسسة والمجتمع

————————————-

الحفاظ على الأمن المعلوماتي ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها .

فالفرد مسؤول عن عدم نشر ما لا ينبغي نشره ، و المؤسسة مسؤولة عن توضيح سياسات النشر و التوعية بمخاطر البيئة الرقمية ، و المجتمع و وسائل الإعلام مسؤولان عن التعامل مع المعلومات الحساسة بمهنية و وعي .

و من هنا فإن الثقافة الأمنية الرقمية يجب أن تصبح جزءاً من السلوك العام ، لا مجرد تعليمات ظرفية تظهر عند وقوع حادث أمني .

————————————-

الخلاصة:

قبل أن تنشر، اسأل ماذا يمكن أن تكشف هذه المعلومة؟

————————————-

إن إظهار اسم أو رتبة منتسب إلى جهاز عسكري أو أمني لا يمثل بالضرورة خطراً في كل الحالات ، و لا ينبغي تحويل المسألة إلى حالة من المبالغة أو التخويف .

لكن الخطورة تبدأ عندما يتم التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها منفصلة عن السياق .

فالاسم قد يرتبط بالرتبة ، و الرتبة بالوظيفة ، و الوظيفة بالمؤسسة ، و الصورة بالموقع ، و الموقع بالتحركات ، و المنشور بعلاقات مهنية أخرى .

و مع تراكم هذه التفاصيل ، قد تتكون صورة معلوماتية ذات قيمة بالنسبة لمن يبحث عنها .

ولهذا فإن القاعدة الأمنية الأكثر دقة ليست :

" لا تنشر أي معلومة "

و إنما :

" لا تنشر ما يمكن أن يمنح الآخرين قدرة أكبر على معرفة من يعمل ، و أين يعمل ، و ماذا يفعل ، ومتى يتحرك ، و كيف يمكن الوصول إليه "

و في النهاية ، فإن حماية الأمن القومي في العصر الرقمي لا تعتمد فقط على حماية الأنظمة و الوثائق و المعلومات المصنفة ، و إنما تبدأ أيضاً من إدارة المعلومات المتاحة للعامة بوعي و مسؤولية .

ففي عالم المصادر المفتوحة ، قد لا يحتاج الخصم إلى اختراق نظام أمني للحصول على معلومة مهمة ؛ فقد تكون المعلومة موجودة بالفعل ، منشورة علناً ، و لكنها تنتظر فقط من يجمعها و يربطها و يقرأ دلالاتها .

و من هنا ، فإن الوعي بما ننشره ليس مجرد حماية للخصوصية ؛ بل قد يكون ، في بعض الحالات ، جزءاً من حماية الأمن الوطني نفسه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 23:34