جيشنا و أجهزتنا الأمنية.. فخرٌ في القلب و مسؤوليةٌ في النشر
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 23:34
حين تتحول محبة الأردنيين لمؤسساتهم العسكرية والأمنية إلى وعيٍ يحمي أفرادها و يحفظ أمن الوطن
————————————-
مقدمة:
الأمن في عصر الانفتاح الرقمي
————————————-
أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً كبيراً في طبيعة تداول المعلومات ؛ فلم تعد المعلومة محصورة في نطاقها الجغرافي أو الاجتماعي ، بل أصبحت قابلة للانتشار و الوصول و إعادة الاستخدام خلال دقائق.
ومع هذا الانفتاح ، برز تحدٍ أمني مهم يتمثل في كيفية التعامل مع المعلومات المتعلقة بالأشخاص والمؤسسات ذات الطبيعة العسكرية و الأمنية .
إن نشر اسم منتسب إلى جهاز أمني أو عسكري ، أو إظهار رتبته و صورته بالزي الرسمي ، قد يبدو في ظاهره مجرد مشاركة اجتماعية أو تكريم شخصي ، إلا أن حساسية هذه المعلومات لا تقاس بالمعلومة منفردة ، و إنما بما يمكن أن تكشفه عند ربطها بمعلومات أخرى متاحة في البيئة الرقمية .
و هذا هو جوهر مفهوم الأمن العملياتي (Operations Security – OPSEC) ، الذي يقوم على حماية المعلومات التي يمكن أن يستفيد منها الخصم ، حتى و إن لم تكن المعلومات مصنفة أو سرية بالمعنى التقليدي .
و تؤكد إرشادات الجيش للأمن على وسائل التواصل أن المعلومات الصغيرة المتفرقة يمكن تجميعها لتكوين صورة أكبر ، و أن حتى المنشورات التي تبدو غير حساسة قد تحمل قيمة بالنسبة للخصوم .
————————————-
أولاً:
ليست المشكلة في الاسم وحده
————————————-
من المهم التأكيد أن اسم الشخص أو رتبته ، منفردين ، لا يعنيان بالضرورة كشف معلومة سرية ، و لا يصح التعامل مع كل ظهور إعلامي لمنتسب عسكري أو أمني باعتباره تهديداً أمنياً .
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتراكم البيانات .
فالاسم قد يقود إلى حسابات شخصية ، و الرتبة قد تعطي مؤشراً عن المستوى الوظيفي ، و الصورة قد تكشف الجهة أو الزي أو المناسبة ، و المنشور قد يحدد مكان الوجود أو طبيعة النشاط ، بينما تكشف منشورات أخرى علاقات الشخص المهنية و محيطه الوظيفي .
و هكذا تتحول المعلومات المتفرقة إلى بصمة معلوماتية يمكن تحليلها و الاستفادة منها .
و تشير إرشادات الأمن العملياتي للجيش صراحة إلى أن أسماء و صور الأشخاص ، و المسمى الوظيفي ، و الموقع ، و الدرجة الوظيفية وغيرها من البيانات يمكن أن تدخل ضمن المعلومات التي ينبغي التعامل معها بحذر في البيئة الرقمية .
————————————-
ثانياً:
الأجهزة الأمنية ليست كغيرها من المؤسسات
————————————-
تزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بمنتسبي الأجهزة الأمنية و العسكرية ، لأن طبيعة عمل هذه المؤسسات تختلف عن المؤسسات المدنية العادية .
فالأجهزة الأمنية و العسكرية ترتبط بمهام تتصل بحماية الدولة ، و إنفاذ القانون ، و مواجهة التهديدات ، و حماية الحدود و المنشآت و الأفراد ، و التعامل مع معلومات و عمليات قد تتطلب مستويات مختلفة من السرية والحماية .
و لهذا فإن هوية المنتسب ، و موقعه الوظيفي ، و صلته بوحدة أو إدارة معينة ، و طبيعة ظهوره العام ، قد تحمل دلالات أكبر من مجرد معلومة شخصية .
و لا يعني ذلك أن أسماء جميع المنتسبين يجب أن تكون سرية ، و إنما يعني أن تقييم حساسية المعلومة يجب أن يأخذ طبيعة المؤسسة و الوظيفة و السياق بعين الاعتبار .
————————————-
ثالثاً:
الأمن العملياتي لا يحمي الأسرار فقط
————————————-
من أكثر المفاهيم أهمية في هذا المجال مفهوم OPSEC أو الأمن العملياتي .
و الأمن العملياتي لا يقتصر على منع تسريب الوثائق السرية ، بل يهتم أيضاً بمنع الخصم من استنتاج معلومات مهمة من مجموعة من البيانات المتاحة بصورة مشروعة .
و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية أن الخصوم لا يبحثون بالضرورة عن وثيقة سرية ؛ فقد يبحثون عن تفاصيل صغيرة يمكن جمعها و ربطها و تحليلها .
فالجيش الأمريكي ، على سبيل المثال ، يحذر من نشر معلومات تتعلق بالمواقع و الوحدات و التفاصيل التكتيكية و أعداد الأفراد ، و يؤكد أن " القطع الصغيرة من المعلومات " يمكن أن تتجمع لتشكل صورة كبيرة .
و هنا تكمن إحدى أهم قواعد الأمن الرقمي :
'' المعلومة قد تكون غير سرية ، لكنها قد تكون ذات قيمة أمنية ''
————————————-
رابعاً:
المصادر المفتوحة أصبحت جزءاً من بيئة الاستخبارات
————————————-
أصبح جمع المعلومات من المصادر المفتوحة ، أو ما يعرف بـ OSINT – Open Source Intelligence ، أحد العناصر المهمة في البيئة المعلوماتية الحديثة .
فالمعلومات المنشورة علناً يمكن جمعها من وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الإلكترونية و الصور و التغطيات الإعلامية و غيرها ، ثم ربطها ببعضها للوصول إلى استنتاجات لم يكن من الممكن الحصول عليها من منشور واحد .
و لهذا فإن انتشار المعلومات على وسائل التواصل لا يعني أنها فقدت قيمتها ؛ بل قد يعني العكس تماماً ، لأن سهولة الوصول إليها و إمكانية أرشفتها و ربطها و تحليلها تجعلها قابلة للاستخدام على مدى طويل .
و تشير الأدبيات العسكرية إلى أن خصوماً و جهات معادية قد يستفيدون من المعلومات المنشورة على شبكات التواصل لجمع المعلومات التي تساعدهم على فهم الأفراد و البيئة المحيطة بهم .
————————————-
خامساً:
من التعريف إلى الاستهداف
————————————-
قد يكون نشر اسم و رتبة شخص ما أمراً بريئاً ، لكن تجميع هذه المعلومة مع معلومات أخرى قد يسهل عملية الاستهداف الفردي .
فمعرفة هوية الشخص و مهنته و مكان عمله وشبكة علاقاته قد تجعل استهدافه عبر أساليب الهندسة الاجتماعية أكثر سهولة ، سواء بهدف الحصول على معلومات إضافية أو التأثير عليه أو انتحال شخصيته .
كما يمكن استخدام الصور و الأسماء و الرتب في إنشاء حسابات مزيفة أو رسائل موجهة تبدو أكثر مصداقية .
و تحذر المراجع العسكرية العالمية مثلاً من استخدام أسماء و صور القيادات و الأفراد في عمليات انتحال و احتيال ، ما يوضح أن الهوية الرقمية للمنتسب العسكري أو الأمني قد تصبح بحد ذاتها عنصراً يستوجب الحماية .
————————————-
سادساً:
الخطر لا يتوقف عند الفرد
————————————-
الخطأ الأكبر هو النظر إلى الموضوع باعتباره مسألة خصوصية شخصية فقط .
فالمنتسب إلى مؤسسة أمنية لا يمثل نفسه دائماً في البيئة الرقمية ؛ فقد ترتبط هويته بالمؤسسة التي يعمل فيها ، و قد يؤدي كشف بعض المعلومات عنه إلى كشف معلومات غير مباشرة عن زملائه أو طبيعة عمله أو البيئة التي يعمل ضمنها .
و قد يمتد الأثر إلى أسرته أيضاً ، خصوصاً إذا اقترنت المعلومات الوظيفية بالموقع الجغرافي أو الصور العائلية أو أماكن الإقامة أو أنماط الحركة .
و لهذا تنبه الإرشادات العسكرية إلى أن مخاطر النشر قد لا تقع على الفرد وحده ، و إنما يمكن أن تمتد إلى أفراد أسرته و زملائه و المهمة التي يؤديها .
————————————-
سابعاً:
عندما تتحول المعلومات الفردية إلى قضية أمن قومي
————————————-
هنا تظهر النقطة الأهم .
الأمن القومي لا يتأثر فقط بتسريب المعلومات المصنفة ، و إنما يمكن أن يتأثر أيضاً بتراكم المعلومات المفتوحة عندما تصبح قابلة للتحليل و الاستغلال .
فإذا تم نشر معلومات عن عدد من المنتسبين ، و رتبهم ، و مواقعهم الوظيفية ، و مناسباتهم ، و تحركاتهم ، و علاقاتهم المهنية ، فإن كل معلومة منفردة قد تبدو بسيطة ، لكن مجموعها قد يقدم صورة أوسع عن المؤسسة .
و من منظور أمني ، فإن قيمة المعلومات لا ترتبط فقط بدرجة سريتها ، و إنما أيضاً بقدرتها على تمكين الخصم من الاستنتاج أو التنبؤ أو الاستهداف .
و لهذا تعتبر المؤسسات العسكرية و الأمنية حماية البيئة المعلوماتية جزءاً من حماية الأمن الوطني .
و يشير خبراء عسكريين إلى أن الجهات المعادية تستغل الانفتاح و الترابط و الرقمنة ، و أن التهديدات المعلوماتية يمكن أن تشكل تهديداً للأمن القومي ، خصوصاً عندما تكون منظمة و منسقة و قادرة على التأثير في المؤسسات والمجتمعات .
————————————-
ثامناً:
وسائل التواصل الاجتماعي ليست بيئة محايدة أمنياً
————————————-
من الخطأ التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد مساحة اجتماعية لا تتطلب اعتبارات أمنية .
فالمنشور قد يبقى متاحاً ، و الصورة يمكن حفظها و إعادة نشرها ، و الموقع الجغرافي قد يُستخرج من البيانات المصاحبة للصورة ، و المعلومات القديمة يمكن ربطها بمعلومات جديدة .
و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية على مراجعة الصور و المنشورات قبل نشرها ، و إيقاف خدمات تحديد الموقع الجغرافي عند الحاجة ، و عدم نشر معلومات عن الوحدات أو المواقع أو المهام أو التحركات .
كما أن الخبراء العسكريين يشترطوا ، بالنسبة للمحتوى الرسمي ، أن يخضع النشر للمراجعة المتعلقة بأمن العمليات و أمن المعلومات قبل إتاحته للجمهور .
————————————-
تاسعاً:
المطلوب ليس إخفاء كل شيء
————————————-
الوعي الأمني لا يعني الانغلاق ، و لا يعني أن كل اسم أو صورة أو رتبة يجب أن تعامل باعتبارها سراً .
فالمؤسسات العسكرية و الأمنية تحتاج إلى التواصل مع المجتمع ، و الإعلام الرسمي جزء من عمل الدولة ، و هناك معلومات يتم نشرها بصورة رسمية و مقصودة بعد تقييمها واعتمادها .
المبدأ الصحيح هو التمييز بين المعلومات التي يسمح بنشرها و المعلومات التي يمكن أن تحمل قيمة أمنية عند تجميعها أو ربطها بسياق آخر .
و لهذا تعتمد المؤسسات العسكرية المحترفة على سياسات للنشر و المراجعة و التصريح ، و تربط الاتصال العام بمبادئ الأمن العملياتي و حماية المعلومات .
و يظهر ذلك بوضوح في سياسات الجيوش العالمية ، التي تشترط مراجعة المحتوى الرسمي من منظور OPSEC قبل نشره للعامة .
————————————-
عاشراً:
المسؤولية مشتركة بين الفرد و المؤسسة والمجتمع
————————————-
الحفاظ على الأمن المعلوماتي ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها .
فالفرد مسؤول عن عدم نشر ما لا ينبغي نشره ، و المؤسسة مسؤولة عن توضيح سياسات النشر و التوعية بمخاطر البيئة الرقمية ، و المجتمع و وسائل الإعلام مسؤولان عن التعامل مع المعلومات الحساسة بمهنية و وعي .
و من هنا فإن الثقافة الأمنية الرقمية يجب أن تصبح جزءاً من السلوك العام ، لا مجرد تعليمات ظرفية تظهر عند وقوع حادث أمني .
————————————-
الخلاصة:
قبل أن تنشر، اسأل ماذا يمكن أن تكشف هذه المعلومة؟
————————————-
إن إظهار اسم أو رتبة منتسب إلى جهاز عسكري أو أمني لا يمثل بالضرورة خطراً في كل الحالات ، و لا ينبغي تحويل المسألة إلى حالة من المبالغة أو التخويف .
لكن الخطورة تبدأ عندما يتم التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها منفصلة عن السياق .
فالاسم قد يرتبط بالرتبة ، و الرتبة بالوظيفة ، و الوظيفة بالمؤسسة ، و الصورة بالموقع ، و الموقع بالتحركات ، و المنشور بعلاقات مهنية أخرى .
و مع تراكم هذه التفاصيل ، قد تتكون صورة معلوماتية ذات قيمة بالنسبة لمن يبحث عنها .
ولهذا فإن القاعدة الأمنية الأكثر دقة ليست :
" لا تنشر أي معلومة "
و إنما :
" لا تنشر ما يمكن أن يمنح الآخرين قدرة أكبر على معرفة من يعمل ، و أين يعمل ، و ماذا يفعل ، ومتى يتحرك ، و كيف يمكن الوصول إليه "
و في النهاية ، فإن حماية الأمن القومي في العصر الرقمي لا تعتمد فقط على حماية الأنظمة و الوثائق و المعلومات المصنفة ، و إنما تبدأ أيضاً من إدارة المعلومات المتاحة للعامة بوعي و مسؤولية .
ففي عالم المصادر المفتوحة ، قد لا يحتاج الخصم إلى اختراق نظام أمني للحصول على معلومة مهمة ؛ فقد تكون المعلومة موجودة بالفعل ، منشورة علناً ، و لكنها تنتظر فقط من يجمعها و يربطها و يقرأ دلالاتها .
و من هنا ، فإن الوعي بما ننشره ليس مجرد حماية للخصوصية ؛ بل قد يكون ، في بعض الحالات ، جزءاً من حماية الأمن الوطني نفسه.
————————————-
مقدمة:
الأمن في عصر الانفتاح الرقمي
————————————-
أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً كبيراً في طبيعة تداول المعلومات ؛ فلم تعد المعلومة محصورة في نطاقها الجغرافي أو الاجتماعي ، بل أصبحت قابلة للانتشار و الوصول و إعادة الاستخدام خلال دقائق.
ومع هذا الانفتاح ، برز تحدٍ أمني مهم يتمثل في كيفية التعامل مع المعلومات المتعلقة بالأشخاص والمؤسسات ذات الطبيعة العسكرية و الأمنية .
إن نشر اسم منتسب إلى جهاز أمني أو عسكري ، أو إظهار رتبته و صورته بالزي الرسمي ، قد يبدو في ظاهره مجرد مشاركة اجتماعية أو تكريم شخصي ، إلا أن حساسية هذه المعلومات لا تقاس بالمعلومة منفردة ، و إنما بما يمكن أن تكشفه عند ربطها بمعلومات أخرى متاحة في البيئة الرقمية .
و هذا هو جوهر مفهوم الأمن العملياتي (Operations Security – OPSEC) ، الذي يقوم على حماية المعلومات التي يمكن أن يستفيد منها الخصم ، حتى و إن لم تكن المعلومات مصنفة أو سرية بالمعنى التقليدي .
و تؤكد إرشادات الجيش للأمن على وسائل التواصل أن المعلومات الصغيرة المتفرقة يمكن تجميعها لتكوين صورة أكبر ، و أن حتى المنشورات التي تبدو غير حساسة قد تحمل قيمة بالنسبة للخصوم .
————————————-
أولاً:
ليست المشكلة في الاسم وحده
————————————-
من المهم التأكيد أن اسم الشخص أو رتبته ، منفردين ، لا يعنيان بالضرورة كشف معلومة سرية ، و لا يصح التعامل مع كل ظهور إعلامي لمنتسب عسكري أو أمني باعتباره تهديداً أمنياً .
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتراكم البيانات .
فالاسم قد يقود إلى حسابات شخصية ، و الرتبة قد تعطي مؤشراً عن المستوى الوظيفي ، و الصورة قد تكشف الجهة أو الزي أو المناسبة ، و المنشور قد يحدد مكان الوجود أو طبيعة النشاط ، بينما تكشف منشورات أخرى علاقات الشخص المهنية و محيطه الوظيفي .
و هكذا تتحول المعلومات المتفرقة إلى بصمة معلوماتية يمكن تحليلها و الاستفادة منها .
و تشير إرشادات الأمن العملياتي للجيش صراحة إلى أن أسماء و صور الأشخاص ، و المسمى الوظيفي ، و الموقع ، و الدرجة الوظيفية وغيرها من البيانات يمكن أن تدخل ضمن المعلومات التي ينبغي التعامل معها بحذر في البيئة الرقمية .
————————————-
ثانياً:
الأجهزة الأمنية ليست كغيرها من المؤسسات
————————————-
تزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بمنتسبي الأجهزة الأمنية و العسكرية ، لأن طبيعة عمل هذه المؤسسات تختلف عن المؤسسات المدنية العادية .
فالأجهزة الأمنية و العسكرية ترتبط بمهام تتصل بحماية الدولة ، و إنفاذ القانون ، و مواجهة التهديدات ، و حماية الحدود و المنشآت و الأفراد ، و التعامل مع معلومات و عمليات قد تتطلب مستويات مختلفة من السرية والحماية .
و لهذا فإن هوية المنتسب ، و موقعه الوظيفي ، و صلته بوحدة أو إدارة معينة ، و طبيعة ظهوره العام ، قد تحمل دلالات أكبر من مجرد معلومة شخصية .
و لا يعني ذلك أن أسماء جميع المنتسبين يجب أن تكون سرية ، و إنما يعني أن تقييم حساسية المعلومة يجب أن يأخذ طبيعة المؤسسة و الوظيفة و السياق بعين الاعتبار .
————————————-
ثالثاً:
الأمن العملياتي لا يحمي الأسرار فقط
————————————-
من أكثر المفاهيم أهمية في هذا المجال مفهوم OPSEC أو الأمن العملياتي .
و الأمن العملياتي لا يقتصر على منع تسريب الوثائق السرية ، بل يهتم أيضاً بمنع الخصم من استنتاج معلومات مهمة من مجموعة من البيانات المتاحة بصورة مشروعة .
و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية أن الخصوم لا يبحثون بالضرورة عن وثيقة سرية ؛ فقد يبحثون عن تفاصيل صغيرة يمكن جمعها و ربطها و تحليلها .
فالجيش الأمريكي ، على سبيل المثال ، يحذر من نشر معلومات تتعلق بالمواقع و الوحدات و التفاصيل التكتيكية و أعداد الأفراد ، و يؤكد أن " القطع الصغيرة من المعلومات " يمكن أن تتجمع لتشكل صورة كبيرة .
و هنا تكمن إحدى أهم قواعد الأمن الرقمي :
'' المعلومة قد تكون غير سرية ، لكنها قد تكون ذات قيمة أمنية ''
————————————-
رابعاً:
المصادر المفتوحة أصبحت جزءاً من بيئة الاستخبارات
————————————-
أصبح جمع المعلومات من المصادر المفتوحة ، أو ما يعرف بـ OSINT – Open Source Intelligence ، أحد العناصر المهمة في البيئة المعلوماتية الحديثة .
فالمعلومات المنشورة علناً يمكن جمعها من وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الإلكترونية و الصور و التغطيات الإعلامية و غيرها ، ثم ربطها ببعضها للوصول إلى استنتاجات لم يكن من الممكن الحصول عليها من منشور واحد .
و لهذا فإن انتشار المعلومات على وسائل التواصل لا يعني أنها فقدت قيمتها ؛ بل قد يعني العكس تماماً ، لأن سهولة الوصول إليها و إمكانية أرشفتها و ربطها و تحليلها تجعلها قابلة للاستخدام على مدى طويل .
و تشير الأدبيات العسكرية إلى أن خصوماً و جهات معادية قد يستفيدون من المعلومات المنشورة على شبكات التواصل لجمع المعلومات التي تساعدهم على فهم الأفراد و البيئة المحيطة بهم .
————————————-
خامساً:
من التعريف إلى الاستهداف
————————————-
قد يكون نشر اسم و رتبة شخص ما أمراً بريئاً ، لكن تجميع هذه المعلومة مع معلومات أخرى قد يسهل عملية الاستهداف الفردي .
فمعرفة هوية الشخص و مهنته و مكان عمله وشبكة علاقاته قد تجعل استهدافه عبر أساليب الهندسة الاجتماعية أكثر سهولة ، سواء بهدف الحصول على معلومات إضافية أو التأثير عليه أو انتحال شخصيته .
كما يمكن استخدام الصور و الأسماء و الرتب في إنشاء حسابات مزيفة أو رسائل موجهة تبدو أكثر مصداقية .
و تحذر المراجع العسكرية العالمية مثلاً من استخدام أسماء و صور القيادات و الأفراد في عمليات انتحال و احتيال ، ما يوضح أن الهوية الرقمية للمنتسب العسكري أو الأمني قد تصبح بحد ذاتها عنصراً يستوجب الحماية .
————————————-
سادساً:
الخطر لا يتوقف عند الفرد
————————————-
الخطأ الأكبر هو النظر إلى الموضوع باعتباره مسألة خصوصية شخصية فقط .
فالمنتسب إلى مؤسسة أمنية لا يمثل نفسه دائماً في البيئة الرقمية ؛ فقد ترتبط هويته بالمؤسسة التي يعمل فيها ، و قد يؤدي كشف بعض المعلومات عنه إلى كشف معلومات غير مباشرة عن زملائه أو طبيعة عمله أو البيئة التي يعمل ضمنها .
و قد يمتد الأثر إلى أسرته أيضاً ، خصوصاً إذا اقترنت المعلومات الوظيفية بالموقع الجغرافي أو الصور العائلية أو أماكن الإقامة أو أنماط الحركة .
و لهذا تنبه الإرشادات العسكرية إلى أن مخاطر النشر قد لا تقع على الفرد وحده ، و إنما يمكن أن تمتد إلى أفراد أسرته و زملائه و المهمة التي يؤديها .
————————————-
سابعاً:
عندما تتحول المعلومات الفردية إلى قضية أمن قومي
————————————-
هنا تظهر النقطة الأهم .
الأمن القومي لا يتأثر فقط بتسريب المعلومات المصنفة ، و إنما يمكن أن يتأثر أيضاً بتراكم المعلومات المفتوحة عندما تصبح قابلة للتحليل و الاستغلال .
فإذا تم نشر معلومات عن عدد من المنتسبين ، و رتبهم ، و مواقعهم الوظيفية ، و مناسباتهم ، و تحركاتهم ، و علاقاتهم المهنية ، فإن كل معلومة منفردة قد تبدو بسيطة ، لكن مجموعها قد يقدم صورة أوسع عن المؤسسة .
و من منظور أمني ، فإن قيمة المعلومات لا ترتبط فقط بدرجة سريتها ، و إنما أيضاً بقدرتها على تمكين الخصم من الاستنتاج أو التنبؤ أو الاستهداف .
و لهذا تعتبر المؤسسات العسكرية و الأمنية حماية البيئة المعلوماتية جزءاً من حماية الأمن الوطني .
و يشير خبراء عسكريين إلى أن الجهات المعادية تستغل الانفتاح و الترابط و الرقمنة ، و أن التهديدات المعلوماتية يمكن أن تشكل تهديداً للأمن القومي ، خصوصاً عندما تكون منظمة و منسقة و قادرة على التأثير في المؤسسات والمجتمعات .
————————————-
ثامناً:
وسائل التواصل الاجتماعي ليست بيئة محايدة أمنياً
————————————-
من الخطأ التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد مساحة اجتماعية لا تتطلب اعتبارات أمنية .
فالمنشور قد يبقى متاحاً ، و الصورة يمكن حفظها و إعادة نشرها ، و الموقع الجغرافي قد يُستخرج من البيانات المصاحبة للصورة ، و المعلومات القديمة يمكن ربطها بمعلومات جديدة .
و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية على مراجعة الصور و المنشورات قبل نشرها ، و إيقاف خدمات تحديد الموقع الجغرافي عند الحاجة ، و عدم نشر معلومات عن الوحدات أو المواقع أو المهام أو التحركات .
كما أن الخبراء العسكريين يشترطوا ، بالنسبة للمحتوى الرسمي ، أن يخضع النشر للمراجعة المتعلقة بأمن العمليات و أمن المعلومات قبل إتاحته للجمهور .
————————————-
تاسعاً:
المطلوب ليس إخفاء كل شيء
————————————-
الوعي الأمني لا يعني الانغلاق ، و لا يعني أن كل اسم أو صورة أو رتبة يجب أن تعامل باعتبارها سراً .
فالمؤسسات العسكرية و الأمنية تحتاج إلى التواصل مع المجتمع ، و الإعلام الرسمي جزء من عمل الدولة ، و هناك معلومات يتم نشرها بصورة رسمية و مقصودة بعد تقييمها واعتمادها .
المبدأ الصحيح هو التمييز بين المعلومات التي يسمح بنشرها و المعلومات التي يمكن أن تحمل قيمة أمنية عند تجميعها أو ربطها بسياق آخر .
و لهذا تعتمد المؤسسات العسكرية المحترفة على سياسات للنشر و المراجعة و التصريح ، و تربط الاتصال العام بمبادئ الأمن العملياتي و حماية المعلومات .
و يظهر ذلك بوضوح في سياسات الجيوش العالمية ، التي تشترط مراجعة المحتوى الرسمي من منظور OPSEC قبل نشره للعامة .
————————————-
عاشراً:
المسؤولية مشتركة بين الفرد و المؤسسة والمجتمع
————————————-
الحفاظ على الأمن المعلوماتي ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها .
فالفرد مسؤول عن عدم نشر ما لا ينبغي نشره ، و المؤسسة مسؤولة عن توضيح سياسات النشر و التوعية بمخاطر البيئة الرقمية ، و المجتمع و وسائل الإعلام مسؤولان عن التعامل مع المعلومات الحساسة بمهنية و وعي .
و من هنا فإن الثقافة الأمنية الرقمية يجب أن تصبح جزءاً من السلوك العام ، لا مجرد تعليمات ظرفية تظهر عند وقوع حادث أمني .
————————————-
الخلاصة:
قبل أن تنشر، اسأل ماذا يمكن أن تكشف هذه المعلومة؟
————————————-
إن إظهار اسم أو رتبة منتسب إلى جهاز عسكري أو أمني لا يمثل بالضرورة خطراً في كل الحالات ، و لا ينبغي تحويل المسألة إلى حالة من المبالغة أو التخويف .
لكن الخطورة تبدأ عندما يتم التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها منفصلة عن السياق .
فالاسم قد يرتبط بالرتبة ، و الرتبة بالوظيفة ، و الوظيفة بالمؤسسة ، و الصورة بالموقع ، و الموقع بالتحركات ، و المنشور بعلاقات مهنية أخرى .
و مع تراكم هذه التفاصيل ، قد تتكون صورة معلوماتية ذات قيمة بالنسبة لمن يبحث عنها .
ولهذا فإن القاعدة الأمنية الأكثر دقة ليست :
" لا تنشر أي معلومة "
و إنما :
" لا تنشر ما يمكن أن يمنح الآخرين قدرة أكبر على معرفة من يعمل ، و أين يعمل ، و ماذا يفعل ، ومتى يتحرك ، و كيف يمكن الوصول إليه "
و في النهاية ، فإن حماية الأمن القومي في العصر الرقمي لا تعتمد فقط على حماية الأنظمة و الوثائق و المعلومات المصنفة ، و إنما تبدأ أيضاً من إدارة المعلومات المتاحة للعامة بوعي و مسؤولية .
ففي عالم المصادر المفتوحة ، قد لا يحتاج الخصم إلى اختراق نظام أمني للحصول على معلومة مهمة ؛ فقد تكون المعلومة موجودة بالفعل ، منشورة علناً ، و لكنها تنتظر فقط من يجمعها و يربطها و يقرأ دلالاتها .
و من هنا ، فإن الوعي بما ننشره ليس مجرد حماية للخصوصية ؛ بل قد يكون ، في بعض الحالات ، جزءاً من حماية الأمن الوطني نفسه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 23:34