قبل أن تسألوا الأردني عن 'فرح'… اسألوه أولًا: أين الفرح؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 17:54
أطلقت الحكومة الأردنية «فرح»، الناطق الرقمي الحكومي الذي جرى تطويره باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة جديدة نحو توظيف التكنولوجيا في التواصل مع المواطنين وشرح القرارات والسياسات الحكومية بلغة مبسطة ومباشرة. وبصراحة، الفكرة جميلة، والشكل جميل، والصوت جميل، والطريقة حديثة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الاتصال الحكومي خطوة تستحق الاهتمام، خصوصًا إذا كانت ستجعل المعلومة الحكومية أسرع وأوضح وأسهل وصولًا للمواطن.
لكن لدي سؤال واحد فقط: قبل أن نعرّف المواطن الأردني على «فرح»… هل سألنا المواطن أين ذهب الفرح من حياته؟
هذه ليست محاولة للسخرية من «فرح»، وليست اعتراضًا على الذكاء الاصطناعي. بل على العكس تمامًا، أنا من المؤمنين بأن الأردن يجب أن يكون في مقدمة الدول العربية في استخدام الذكاء الاصطناعي. لكن التكنولوجيا ليست هدفًا، التكنولوجيا وسيلة. والسؤال الحقيقي ليس: هل لدينا ذكاء اصطناعي؟ السؤال هو: ماذا سيفعل هذا الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسان الأردني؟
قبل «فرح»، اسألوا عن الفرح. اسألوا الجدة الأردنية: ماذا يعني لكِ أن تسمعي عن «فرح»؟ هل ستشعرين أن حياتك أصبحت أفضل؟ هل ستصبح فاتورة الكهرباء أقل؟ هل ستصبح أسعار الغذاء أسهل على دخل الأسرة؟ هل ستستطيعين مساعدة أبنائك؟ هل ستشعرين أن الدولة تسمعك فعلًا؟
واسألوا الشاب الأردني: ماذا تريد من «فرح»؟ هل تريد أن تشرح لك قرارًا حكوميًا؟ أم تريد أن تقول لك: هذه وظيفة مناسبة لك؟ هل تريد أن تخبرك عن مشروع حكومي جديد؟ أم تريد أن تقول لك: هذه فرصة تمويل حقيقية لمشروعك، وهذا السوق الذي تستطيع الوصول إليه، وهذه الجهة التي ستساعدك على النمو؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
ماذا سأقول لجدتي عن «فرح»؟ سأقول لها: يا جدتي، الحكومة صنعت شخصية بالذكاء الاصطناعي اسمها «فرح». وقد تسألني: طيب… شو بتعمل؟ سأقول: بتحكي مع الناس وبتشرح لهم قرارات الحكومة. ثم قد تسألني السؤال الأصعب: طيب… وين الفرح؟ وهنا لا أعرف ماذا سأجيب.
لأن الفرح ليس شخصية رقمية. الفرح الحقيقي هو أن يعود الابن من عمله دون أن يكون راتبه قد انتهى قبل منتصف الشهر. الفرح أن يستطيع الأب تعليم أبنائه دون أن يغرق في الديون. الفرح أن يستطيع الشاب أن يبدأ مشروعًا صغيرًا دون أن تقتله الإجراءات والرسوم والتعقيدات. الفرح أن يجد الخريج فرصة عمل لا تعتمد على معرفة فلان أو قريب علان. الفرح أن يشعر المواطن أن الكفاءة وحدها تستطيع أن تفتح له الباب. هذا هو الفرح الذي نبحث عنه.
وماذا سأقول للشاب الأردني عن «فرح»؟ سأقول له: هذه «فرح» الجديدة؛ صوت جميل، وجه جميل، تقنية حديثة، وتستطيع أن تشرح لك قرارات الحكومة. لكنه قد يسألني: هل «فرح» تستطيع أن تؤمن لي وظيفة؟ وإذا كانت الإجابة لا، فسيسأل: طيب هل تستطيع أن تساعدني في تأسيس مشروع؟ وإذا كانت الإجابة لا، فسيسأل: هل تستطيع أن توفر لي تمويلًا؟ وإذا كانت الإجابة لا، فسيسأل السؤال الأصعب: طيب شو الفرق بينها وبين ألف معلومة حكومية موجودة أصلًا على الإنترنت؟
وهنا يجب أن نتوقف. ليس لأن «فرح» سيئة، بل لأن طموحنا يجب أن يكون أكبر من مجرد ناطق رقمي جميل.
يا حكومة، الأردن لا يحتاج فقط إلى حكومة تتحدث مع المواطن؛ الأردن يحتاج إلى حكومة تفهم المواطن. وهناك فرق هائل بين الاثنين. أن تقول للمواطن: هذه هي المعلومة، شيء. وأن تفهم لماذا يسأل المواطن أصلًا عن هذه المعلومة، شيء آخر تمامًا.
نحن بحاجة إلى ذكاء اصطناعي لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يساعد الدولة على فهم الأسئلة التي تتكرر. لماذا يسأل آلاف الشباب عن الوظائف؟ لماذا يسأل أصحاب المشاريع عن التمويل؟ لماذا يسأل المواطن عن الأسعار؟ لماذا يسأل المستثمر عن الترخيص؟ لماذا يسأل الناس عن الإجراءات؟ لماذا يغلق بعض أصحاب المشاريع أعمالهم؟ لماذا يهاجر بعض الشباب؟ لماذا يشعر جزء من المجتمع أن الفرص ليست متساوية؟ هذه هي البيانات التي يجب أن تهم الدولة.
تخيلوا «فرح» أخرى. تخيلوا أن الشاب يدخل على «فرح» ويقول: أنا عمري 27 سنة، خريج هندسة، عاطل عن العمل. فتجيبه: هذه فرص العمل المتاحة أمامك، وهذه المهارات التي تنقصك، وهذه الشركات التي تبحث عن تخصصك، وهذه البرامج التي تستطيع الدخول إليها، وهذا التمويل الذي يمكنك التقدم إليه، وهذه المشاريع التي يمكنك تأسيسها، وهذه الأسواق الخارجية التي تستطيع الوصول إليها.
وبعد ستة أشهر تسأله «فرح»: هل وجدت عملًا؟ إذا قال لا، تسأل: لماذا؟ وتنقل البيانات إلى صانع القرار. هنا فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة دولة، وليس مجرد أداة اتصال.
وتخيلوا «فرح» مع صاحب مشروع صغير. رجل يريد زراعة أربعة دونمات زيتون. لا يملك الماء الكافي، ولا يعرف كيف يدير الري، ولا يملك ثمن السماد، ولا يعرف أين يبيع إنتاجه، ولا يعرف كيف يصل إلى سوق أفضل. وفي النهاية، بعد كل التعب، يكتب على فيسبوك: «راح أكبس زيتون هاي السنة». هههه.
المشكلة ليست في الزيتون. المشكلة أننا أحيانًا نتعامل مع الاقتصاد الحقيقي كما لو أنه منشور على فيسبوك. نريد من المواطن أن يكون رياديًا، ونريد منه أن يعمل، ونريد منه أن ينتج، ونريد منه أن يعتمد على نفسه، لكن هل وفرنا له البيئة التي تمكنه من ذلك؟ هنا السؤال.
الشباب الأردني أخذ دورات، وحصل على شهادات، ودخل حاضنات أعمال، وشارك في مسابقات، وكتب خطط أعمال، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: كم مشروعًا بقي بعد انتهاء البرنامج؟ وكم شركة استطاعت الوصول إلى السوق؟ وكم مشروعًا حصل على استثمار؟ وكم واحدًا منها أصبح قادرًا على توظيف عشرة أردنيين؟
نحن لا نعاني من نقص في المؤتمرات، ولا نقص في ورش العمل، ولا نقص في الشعارات، ولا حتى نقص في الأفكار. نحن نعاني من فجوة بين الفكرة والقيمة الاقتصادية. ولهذا يجب أن ننتقل من التدريب إلى التمكين، من الشهادة إلى الوظيفة، من المسابقة إلى الاستثمار، من الحاضنة إلى السوق، ومن الحديث عن ريادة الأعمال إلى بناء شركات حقيقية.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الشباب. هناك طبقة من الأردنيين لا تظهر عادة في أرقام الفقر. ليست فقيرة بالمعنى التقليدي، وليست غنية، لكنها تعيش تحت ضغط مستمر. موظف، مهندس، معلم، طبيب، صاحب مشروع صغير، موظف قطاع خاص، أسرة لديها أطفال في المدارس والجامعات. راتب يذهب للسكن، وفواتير، ونقل، وغذاء، وعلاج، وأقساط، وأي ظرف طارئ قادر على قلب ميزانية الأسرة بالكامل.
هذه الطبقة ليست تفصيلًا. هذه الطبقة إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي. وعندما تبدأ الطبقة الوسطى بالانكماش، لا يجب أن نسأل فقط: كم تبلغ نسبة الفقر؟ بل يجب أن نسأل: كم عدد الأسر التي أصبحت تخاف من الغد؟
وهنا نصل إلى القضية الأكبر: الأردن لا يغلي… لكنه يُستنزف.
يُستنزف المواطن اقتصاديًا، وتُستنزف الطبقة الوسطى، وتُستنزف أحلام الشباب، ويُستنزف صاحب المشروع، وتُستنزف الأسرة، والأخطر من كل ذلك أن تتحول حالة الاستنزاف الاقتصادي مع الوقت إلى استنزاف للثقة.
لأن المشكلة ليست الفقر وحده. الفقر مؤلم، لكن الشعور بعدم العدالة أكثر خطورة. عندما يرى الشاب أن الطريق إلى الوظيفة قد يكون أسهل لمن يملك واسطة، وعندما يرى صاحب المشروع أن الإجراءات يمكن أن تكون معقدة بلا داعٍ، وعندما يشعر الموظف أن الكفاءة لا تكفي وحدها للصعود، وعندما يشعر المواطن أن بعض الأبواب تفتح بسهولة لبعض الناس بينما تبقى مغلقة أمام آخرين، تبدأ المشكلة بالتحول من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة ثقة.
وهنا يجب أن نكون صريحين. ليس المطلوب اتهام الجميع، ولا إطلاق أحكام عامة. المطلوب أن تكون الدولة قادرة على إثبات شيء بسيط: أن الفرصة العادلة ممكنة.
وهنا أصل إلى سؤال أكبر: من يدير الفرح هل هي فرح ههه ؟
التكنولوجيا وحدها لن تصلح الإدارة. يمكنك أن تضع أجمل واجهة رقمية في العالم، لكن إذا كانت القرارات خلفها ضعيفة، فلن يتغير شيء. وقد تملك أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن إذا كان اختيار المسؤولين لا يقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، فلن تصنع التكنولوجيا المعجزة.
وأنا شخصيًا التقيت خلال الفترة الماضية بمسؤولين، واستمعت إلى طريقة الحوار، وإلى حجم المعرفة والتفاصيل التي يمتلكها بعضهم، ووجدت نفسي أسأل: ما المعايير التي يتم على أساسها اختيار بعض المسؤولين؟ هل هي الخبرة؟ هل هي الكفاءة؟ هل هي القدرة على اتخاذ القرار؟ هل هي الإنجازات؟ هل هي المعرفة بالملف؟ هل هي القدرة على إدارة فريق؟ أم أن هناك معايير أخرى لا نعرفها؟
هذا السؤال ليس اتهامًا لشخص، بل سؤال دولة.
لأن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تبني مستقبلها بعقلية: فلان ابن فلان، أو فلان يعرف فلان. الدولة الحديثة يجب أن تسأل: ماذا يستطيع هذا الشخص أن ينجز؟
وهنا يجب أن نكون أكثر جرأة في السؤال: هل نريد دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لتشرح للمواطن قراراتها؟ أم نريد دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتكتشف لماذا المواطن غاضب؟ هل نريد التحول الرقمي لتقليل الورق؟ أم نريد التحول الرقمي لتقليل البيروقراطية؟ هل نريد ريادة الأعمال كمهرجانات ومؤتمرات؟ أم نريد شركات أردنية تنافس إقليميًا وعالميًا؟ هل نريد الحديث عن تمكين الشباب؟ أم نريد شبابًا قادرًا فعلًا على بناء حياته؟ هل نريد مؤشرات اقتصادية جميلة؟ أم نريد مواطنًا يشعر بالفرق في جيبه وحياته؟
وهنا السؤال الأهم: إلى أين يريد الأردن أن يذهب؟
هذه هي القضية.
ليس المهم فقط أن يكون لدينا «فرح». المهم ماذا بعد «فرح»؟
«فرح» يجب ألا تكون نهاية القصة. يجب أن تكون بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمواطن؛ مرحلة تستخدم فيها الحكومة الذكاء الاصطناعي ليس فقط للحديث، بل للاستماع، وليس فقط لتفسير القرارات، بل لقياس أثرها، وليس فقط لنشر المعلومات، بل لاكتشاف المشكلات، وليس فقط للإجابة عن السؤال، بل لمنع تكرار السؤال.
وهذا يحتاج إلى شيء أكبر من شخصية افتراضية. يحتاج إلى إدارة حكومية تفكر بالبيانات، وتقيس النتائج، وتكافئ الكفاءة، وتحاسب على التقصير.
أنا لا أريد إلغاء «فرح»، بل أريد أن أرفع سقف طموحها. اجعلوا «فرح» تسأل الحكومة قبل أن تجيب المواطن. اجعلوها تقول: هناك آلاف الشباب يسألون عن العمل، وهناك مئات المشاريع تسأل عن التمويل، وهناك شكاوى متكررة من هذا الإجراء، وهناك محافظة تعاني من هذه المشكلة، وهناك قطاع اقتصادي يتراجع، وهناك فئة اجتماعية أصبحت تحت ضغط. ماذا ستفعل الحكومة؟
هنا تصبح «فرح» ذكية فعلًا، ليس لأنها تتحدث مثل الإنسان، بل لأنها تساعد الدولة على التفكير مثل دولة حديثة.
ومن هنا نصل إلى سؤال: من المسؤول عن الفرح؟
لا أريد أن أعرف فقط من صمم «فرح»، ولا من كتب النص، ولا من اختار الصوت، ولا من صمم الشكل. هذه تفاصيل مهمة، نعم. لكن السؤال الأكبر: من المسؤول عن أن يكون المواطن الأردني قادرًا على أن يعيش حياة كريمة ومستقبلًا أفضل؟
من المسؤول عن الشاب الذي لا يجد عملًا؟ من المسؤول عن الأسرة التي تتآكل قدرتها الشرائية؟ من المسؤول عن صاحب المشروع الذي يغلق أبوابه؟ من المسؤول عن المزارع الذي لا يجد الماء؟ من المسؤول عن الخريج الذي أمضى سنوات في الجامعة ثم سنوات أخرى يبحث عن فرصة؟ ومن المسؤول عن الأردني الذي بدأ يفكر: هل مستقبلي هنا؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون على طاولة الدولة.
مرحبًا بـ«فرح». ومرحبًا بالذكاء الاصطناعي. ومرحبًا بكل تقنية جديدة يمكن أن تجعل الأردن أكثر كفاءة وتقدمًا.
لكن لا تجعلوا جمال التكنولوجيا يغطي على قسوة الواقع. لا تجعلوا الصورة الجميلة تغطي السؤال الصعب. ولا تجعلوا الذكاء الاصطناعي وسيلة لشرح الواقع للمواطن بينما الواقع نفسه يحتاج إلى تغيير.
فالناس لا تريد فقط من يشرح لها لماذا تحدث المشكلة. الناس تريد من يعمل على حلها.
والأردني لا يحتاج إلى أن يسمع فقط عن «الفرح». الأردني يريد أن يراه؛ يراه في راتبه، في وظيفته، في مشروعه، في بيته، في مستقبل أبنائه، وفي شعوره بأن هذه الدولة، التي صبر عليها وأحبها ودافع عنها، ما زالت تؤمن بأن له مكانًا حقيقيًا في مستقبلها.
لذلك… قبل أن تسألوا الأردني عن «فرح»… اسألوه عن الفرح.
واسألوه سؤالًا أبسط وأعمق: ماذا تريد من دولتك؟
ثم اسمعوا الإجابة.
وبعدها فقط…
دعوا الذكاء الاصطناعي يبدأ العمل
لكن لدي سؤال واحد فقط: قبل أن نعرّف المواطن الأردني على «فرح»… هل سألنا المواطن أين ذهب الفرح من حياته؟
هذه ليست محاولة للسخرية من «فرح»، وليست اعتراضًا على الذكاء الاصطناعي. بل على العكس تمامًا، أنا من المؤمنين بأن الأردن يجب أن يكون في مقدمة الدول العربية في استخدام الذكاء الاصطناعي. لكن التكنولوجيا ليست هدفًا، التكنولوجيا وسيلة. والسؤال الحقيقي ليس: هل لدينا ذكاء اصطناعي؟ السؤال هو: ماذا سيفعل هذا الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسان الأردني؟
قبل «فرح»، اسألوا عن الفرح. اسألوا الجدة الأردنية: ماذا يعني لكِ أن تسمعي عن «فرح»؟ هل ستشعرين أن حياتك أصبحت أفضل؟ هل ستصبح فاتورة الكهرباء أقل؟ هل ستصبح أسعار الغذاء أسهل على دخل الأسرة؟ هل ستستطيعين مساعدة أبنائك؟ هل ستشعرين أن الدولة تسمعك فعلًا؟
واسألوا الشاب الأردني: ماذا تريد من «فرح»؟ هل تريد أن تشرح لك قرارًا حكوميًا؟ أم تريد أن تقول لك: هذه وظيفة مناسبة لك؟ هل تريد أن تخبرك عن مشروع حكومي جديد؟ أم تريد أن تقول لك: هذه فرصة تمويل حقيقية لمشروعك، وهذا السوق الذي تستطيع الوصول إليه، وهذه الجهة التي ستساعدك على النمو؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
ماذا سأقول لجدتي عن «فرح»؟ سأقول لها: يا جدتي، الحكومة صنعت شخصية بالذكاء الاصطناعي اسمها «فرح». وقد تسألني: طيب… شو بتعمل؟ سأقول: بتحكي مع الناس وبتشرح لهم قرارات الحكومة. ثم قد تسألني السؤال الأصعب: طيب… وين الفرح؟ وهنا لا أعرف ماذا سأجيب.
لأن الفرح ليس شخصية رقمية. الفرح الحقيقي هو أن يعود الابن من عمله دون أن يكون راتبه قد انتهى قبل منتصف الشهر. الفرح أن يستطيع الأب تعليم أبنائه دون أن يغرق في الديون. الفرح أن يستطيع الشاب أن يبدأ مشروعًا صغيرًا دون أن تقتله الإجراءات والرسوم والتعقيدات. الفرح أن يجد الخريج فرصة عمل لا تعتمد على معرفة فلان أو قريب علان. الفرح أن يشعر المواطن أن الكفاءة وحدها تستطيع أن تفتح له الباب. هذا هو الفرح الذي نبحث عنه.
وماذا سأقول للشاب الأردني عن «فرح»؟ سأقول له: هذه «فرح» الجديدة؛ صوت جميل، وجه جميل، تقنية حديثة، وتستطيع أن تشرح لك قرارات الحكومة. لكنه قد يسألني: هل «فرح» تستطيع أن تؤمن لي وظيفة؟ وإذا كانت الإجابة لا، فسيسأل: طيب هل تستطيع أن تساعدني في تأسيس مشروع؟ وإذا كانت الإجابة لا، فسيسأل: هل تستطيع أن توفر لي تمويلًا؟ وإذا كانت الإجابة لا، فسيسأل السؤال الأصعب: طيب شو الفرق بينها وبين ألف معلومة حكومية موجودة أصلًا على الإنترنت؟
وهنا يجب أن نتوقف. ليس لأن «فرح» سيئة، بل لأن طموحنا يجب أن يكون أكبر من مجرد ناطق رقمي جميل.
يا حكومة، الأردن لا يحتاج فقط إلى حكومة تتحدث مع المواطن؛ الأردن يحتاج إلى حكومة تفهم المواطن. وهناك فرق هائل بين الاثنين. أن تقول للمواطن: هذه هي المعلومة، شيء. وأن تفهم لماذا يسأل المواطن أصلًا عن هذه المعلومة، شيء آخر تمامًا.
نحن بحاجة إلى ذكاء اصطناعي لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يساعد الدولة على فهم الأسئلة التي تتكرر. لماذا يسأل آلاف الشباب عن الوظائف؟ لماذا يسأل أصحاب المشاريع عن التمويل؟ لماذا يسأل المواطن عن الأسعار؟ لماذا يسأل المستثمر عن الترخيص؟ لماذا يسأل الناس عن الإجراءات؟ لماذا يغلق بعض أصحاب المشاريع أعمالهم؟ لماذا يهاجر بعض الشباب؟ لماذا يشعر جزء من المجتمع أن الفرص ليست متساوية؟ هذه هي البيانات التي يجب أن تهم الدولة.
تخيلوا «فرح» أخرى. تخيلوا أن الشاب يدخل على «فرح» ويقول: أنا عمري 27 سنة، خريج هندسة، عاطل عن العمل. فتجيبه: هذه فرص العمل المتاحة أمامك، وهذه المهارات التي تنقصك، وهذه الشركات التي تبحث عن تخصصك، وهذه البرامج التي تستطيع الدخول إليها، وهذا التمويل الذي يمكنك التقدم إليه، وهذه المشاريع التي يمكنك تأسيسها، وهذه الأسواق الخارجية التي تستطيع الوصول إليها.
وبعد ستة أشهر تسأله «فرح»: هل وجدت عملًا؟ إذا قال لا، تسأل: لماذا؟ وتنقل البيانات إلى صانع القرار. هنا فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة دولة، وليس مجرد أداة اتصال.
وتخيلوا «فرح» مع صاحب مشروع صغير. رجل يريد زراعة أربعة دونمات زيتون. لا يملك الماء الكافي، ولا يعرف كيف يدير الري، ولا يملك ثمن السماد، ولا يعرف أين يبيع إنتاجه، ولا يعرف كيف يصل إلى سوق أفضل. وفي النهاية، بعد كل التعب، يكتب على فيسبوك: «راح أكبس زيتون هاي السنة». هههه.
المشكلة ليست في الزيتون. المشكلة أننا أحيانًا نتعامل مع الاقتصاد الحقيقي كما لو أنه منشور على فيسبوك. نريد من المواطن أن يكون رياديًا، ونريد منه أن يعمل، ونريد منه أن ينتج، ونريد منه أن يعتمد على نفسه، لكن هل وفرنا له البيئة التي تمكنه من ذلك؟ هنا السؤال.
الشباب الأردني أخذ دورات، وحصل على شهادات، ودخل حاضنات أعمال، وشارك في مسابقات، وكتب خطط أعمال، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: كم مشروعًا بقي بعد انتهاء البرنامج؟ وكم شركة استطاعت الوصول إلى السوق؟ وكم مشروعًا حصل على استثمار؟ وكم واحدًا منها أصبح قادرًا على توظيف عشرة أردنيين؟
نحن لا نعاني من نقص في المؤتمرات، ولا نقص في ورش العمل، ولا نقص في الشعارات، ولا حتى نقص في الأفكار. نحن نعاني من فجوة بين الفكرة والقيمة الاقتصادية. ولهذا يجب أن ننتقل من التدريب إلى التمكين، من الشهادة إلى الوظيفة، من المسابقة إلى الاستثمار، من الحاضنة إلى السوق، ومن الحديث عن ريادة الأعمال إلى بناء شركات حقيقية.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الشباب. هناك طبقة من الأردنيين لا تظهر عادة في أرقام الفقر. ليست فقيرة بالمعنى التقليدي، وليست غنية، لكنها تعيش تحت ضغط مستمر. موظف، مهندس، معلم، طبيب، صاحب مشروع صغير، موظف قطاع خاص، أسرة لديها أطفال في المدارس والجامعات. راتب يذهب للسكن، وفواتير، ونقل، وغذاء، وعلاج، وأقساط، وأي ظرف طارئ قادر على قلب ميزانية الأسرة بالكامل.
هذه الطبقة ليست تفصيلًا. هذه الطبقة إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي. وعندما تبدأ الطبقة الوسطى بالانكماش، لا يجب أن نسأل فقط: كم تبلغ نسبة الفقر؟ بل يجب أن نسأل: كم عدد الأسر التي أصبحت تخاف من الغد؟
وهنا نصل إلى القضية الأكبر: الأردن لا يغلي… لكنه يُستنزف.
يُستنزف المواطن اقتصاديًا، وتُستنزف الطبقة الوسطى، وتُستنزف أحلام الشباب، ويُستنزف صاحب المشروع، وتُستنزف الأسرة، والأخطر من كل ذلك أن تتحول حالة الاستنزاف الاقتصادي مع الوقت إلى استنزاف للثقة.
لأن المشكلة ليست الفقر وحده. الفقر مؤلم، لكن الشعور بعدم العدالة أكثر خطورة. عندما يرى الشاب أن الطريق إلى الوظيفة قد يكون أسهل لمن يملك واسطة، وعندما يرى صاحب المشروع أن الإجراءات يمكن أن تكون معقدة بلا داعٍ، وعندما يشعر الموظف أن الكفاءة لا تكفي وحدها للصعود، وعندما يشعر المواطن أن بعض الأبواب تفتح بسهولة لبعض الناس بينما تبقى مغلقة أمام آخرين، تبدأ المشكلة بالتحول من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة ثقة.
وهنا يجب أن نكون صريحين. ليس المطلوب اتهام الجميع، ولا إطلاق أحكام عامة. المطلوب أن تكون الدولة قادرة على إثبات شيء بسيط: أن الفرصة العادلة ممكنة.
وهنا أصل إلى سؤال أكبر: من يدير الفرح هل هي فرح ههه ؟
التكنولوجيا وحدها لن تصلح الإدارة. يمكنك أن تضع أجمل واجهة رقمية في العالم، لكن إذا كانت القرارات خلفها ضعيفة، فلن يتغير شيء. وقد تملك أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن إذا كان اختيار المسؤولين لا يقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، فلن تصنع التكنولوجيا المعجزة.
وأنا شخصيًا التقيت خلال الفترة الماضية بمسؤولين، واستمعت إلى طريقة الحوار، وإلى حجم المعرفة والتفاصيل التي يمتلكها بعضهم، ووجدت نفسي أسأل: ما المعايير التي يتم على أساسها اختيار بعض المسؤولين؟ هل هي الخبرة؟ هل هي الكفاءة؟ هل هي القدرة على اتخاذ القرار؟ هل هي الإنجازات؟ هل هي المعرفة بالملف؟ هل هي القدرة على إدارة فريق؟ أم أن هناك معايير أخرى لا نعرفها؟
هذا السؤال ليس اتهامًا لشخص، بل سؤال دولة.
لأن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تبني مستقبلها بعقلية: فلان ابن فلان، أو فلان يعرف فلان. الدولة الحديثة يجب أن تسأل: ماذا يستطيع هذا الشخص أن ينجز؟
وهنا يجب أن نكون أكثر جرأة في السؤال: هل نريد دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لتشرح للمواطن قراراتها؟ أم نريد دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتكتشف لماذا المواطن غاضب؟ هل نريد التحول الرقمي لتقليل الورق؟ أم نريد التحول الرقمي لتقليل البيروقراطية؟ هل نريد ريادة الأعمال كمهرجانات ومؤتمرات؟ أم نريد شركات أردنية تنافس إقليميًا وعالميًا؟ هل نريد الحديث عن تمكين الشباب؟ أم نريد شبابًا قادرًا فعلًا على بناء حياته؟ هل نريد مؤشرات اقتصادية جميلة؟ أم نريد مواطنًا يشعر بالفرق في جيبه وحياته؟
وهنا السؤال الأهم: إلى أين يريد الأردن أن يذهب؟
هذه هي القضية.
ليس المهم فقط أن يكون لدينا «فرح». المهم ماذا بعد «فرح»؟
«فرح» يجب ألا تكون نهاية القصة. يجب أن تكون بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمواطن؛ مرحلة تستخدم فيها الحكومة الذكاء الاصطناعي ليس فقط للحديث، بل للاستماع، وليس فقط لتفسير القرارات، بل لقياس أثرها، وليس فقط لنشر المعلومات، بل لاكتشاف المشكلات، وليس فقط للإجابة عن السؤال، بل لمنع تكرار السؤال.
وهذا يحتاج إلى شيء أكبر من شخصية افتراضية. يحتاج إلى إدارة حكومية تفكر بالبيانات، وتقيس النتائج، وتكافئ الكفاءة، وتحاسب على التقصير.
أنا لا أريد إلغاء «فرح»، بل أريد أن أرفع سقف طموحها. اجعلوا «فرح» تسأل الحكومة قبل أن تجيب المواطن. اجعلوها تقول: هناك آلاف الشباب يسألون عن العمل، وهناك مئات المشاريع تسأل عن التمويل، وهناك شكاوى متكررة من هذا الإجراء، وهناك محافظة تعاني من هذه المشكلة، وهناك قطاع اقتصادي يتراجع، وهناك فئة اجتماعية أصبحت تحت ضغط. ماذا ستفعل الحكومة؟
هنا تصبح «فرح» ذكية فعلًا، ليس لأنها تتحدث مثل الإنسان، بل لأنها تساعد الدولة على التفكير مثل دولة حديثة.
ومن هنا نصل إلى سؤال: من المسؤول عن الفرح؟
لا أريد أن أعرف فقط من صمم «فرح»، ولا من كتب النص، ولا من اختار الصوت، ولا من صمم الشكل. هذه تفاصيل مهمة، نعم. لكن السؤال الأكبر: من المسؤول عن أن يكون المواطن الأردني قادرًا على أن يعيش حياة كريمة ومستقبلًا أفضل؟
من المسؤول عن الشاب الذي لا يجد عملًا؟ من المسؤول عن الأسرة التي تتآكل قدرتها الشرائية؟ من المسؤول عن صاحب المشروع الذي يغلق أبوابه؟ من المسؤول عن المزارع الذي لا يجد الماء؟ من المسؤول عن الخريج الذي أمضى سنوات في الجامعة ثم سنوات أخرى يبحث عن فرصة؟ ومن المسؤول عن الأردني الذي بدأ يفكر: هل مستقبلي هنا؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون على طاولة الدولة.
مرحبًا بـ«فرح». ومرحبًا بالذكاء الاصطناعي. ومرحبًا بكل تقنية جديدة يمكن أن تجعل الأردن أكثر كفاءة وتقدمًا.
لكن لا تجعلوا جمال التكنولوجيا يغطي على قسوة الواقع. لا تجعلوا الصورة الجميلة تغطي السؤال الصعب. ولا تجعلوا الذكاء الاصطناعي وسيلة لشرح الواقع للمواطن بينما الواقع نفسه يحتاج إلى تغيير.
فالناس لا تريد فقط من يشرح لها لماذا تحدث المشكلة. الناس تريد من يعمل على حلها.
والأردني لا يحتاج إلى أن يسمع فقط عن «الفرح». الأردني يريد أن يراه؛ يراه في راتبه، في وظيفته، في مشروعه، في بيته، في مستقبل أبنائه، وفي شعوره بأن هذه الدولة، التي صبر عليها وأحبها ودافع عنها، ما زالت تؤمن بأن له مكانًا حقيقيًا في مستقبلها.
لذلك… قبل أن تسألوا الأردني عن «فرح»… اسألوه عن الفرح.
واسألوه سؤالًا أبسط وأعمق: ماذا تريد من دولتك؟
ثم اسمعوا الإجابة.
وبعدها فقط…
دعوا الذكاء الاصطناعي يبدأ العمل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 17:54