التاريخ الشفوي في الجنوب 'حكي القرايا' لرمضان الرواشدة نموذجا
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 12:53
مدار الساعة - كتب: الدكتور عودة الجعافرة -تظل العلاقة بين "التاريخ المكتوب" و"التاريخ المروي" واحدة من أكثر الإشكاليات إثارة في الأدب العربي المعاصر. وفي روايته الثامنة "حكي القرايا" (الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يخوض الروائي والإعلامي الأردني رمضان الرواشدة مغامرة سردية استثنائية؛ يعيد من خلالها صياغة الهوية الجمعية لجنوب الأردن عبر استنطاق الذاكرة الشفوية وتحويلها إلى سردية درامية متكاملة تحسم الجدل القديم بين صرامة الوثيقة التاريخية وحرية التخييل الأدبي.
دلالة العنوان: من قاع القرى إلى أروقة السرايا
يستعير الكاتب عنوان روايته من المثل الشعبي الأردني الشهير "حكي القرايا مش مثل حكي السرايا". ومنذ العتبة الأولى، يضع الرواشدة قارئه أمام مفارقة سياسية واجتماعية؛ فـ"السرايا" هي مراكز الحكم العثماني، والدواوين الرسمية التي تصنع القرار الفوقي، بينما "القرايا" (القرى والأرياف) هي المساحة التي يعيش فيها الناس العاديون، ويعانون من قرارات السلطة القهرية. الرواية هنا تختار بوعي الانحياز إلى "حكي القرايا"، أي إلى التاريخ كما رآه وعاشه وتناقله البسطاء، بعيداً عن الروايات الرسمية الجافة.
جغرافيا ممتدة وصراع على مدى أربعة أجيال
تتحرك الرواية في جغرافيا الجنوب الأردني، وتحديداً في منطقة الشوبك وقلعتها التاريخية المنيعة. وتبدأ الشرارة الأولى للأحداث عام 1834، مع وصول حملة إبراهيم باشا المصري إلى المنطقة بهدف إخضاع عشائر القلعة، وفرض الضرائب، وتجنيد الشباب قسرياً.
وعلى مدار قرن ونصف القرن، يتابع النص حياة أربعة أجيال متعاقبة من أبناء عشائر القلعة. ويسير السرد في خطين دراميين متوازيين:
خط خارجي: يتمثل في مواجهة القوى المتسلطة والغاشمة (عثمانية ومصرية). ويتجلى ذلك في أحداث مفصلية مثل "ثورة الشوبك"، التي اندلعت عندما حاول الجنود العثمانيون تسخير نساء البلدة لنقل المياه.
خط داخلي: يرصد واقع الحياة العشائرية الصعبة، وما تخللها من غزوات متبادلة، وقطاع طرق، وصراعات داخلية على الكلأ والماء، وكيف شكلت "قيم الصلح العشائري" والكرم والفروسية صمام الأمان لحفظ النسيج المجتمعي.
البنية الفنية: التكثيف واللوحات الروائية
رغم أن الرواية تشمل زمناً طويلاً وممتداً، إلا أن الرواشدة اعتمد أسلوب التكثيف والإيجاز (فيما يشبه "النوفيلا" القصيرة التي لا تتجاوز 90 صفحة). لم ينسق الكاتب وراء السرد التاريخي التقليدي الممل، بل استعاض عنه بـاللوحات الروائية المتتابعة وتقنيات الاستذكار والارتداد الزمني (الفلاش باك) والتداعي الحر.
يتنقل النص بين الواقع الملموس وبين الأسطورة والأحلام الخلبية؛ كما ظهر في مقطع "ذهب القلعة"، أو مشهد "مذبحة المغارة" حيث الانتقام من قطاع الطرق وتأسيس ما عُرف بـ"حلف القرايا" لحماية المنطقة.
من الورق إلى الشاشة: تدشين السردية الوطنية
تكتسب رواية "حكي القرايا" أهمية مضاعفة، كونها أصبحت حجر الأساس لمشروع درامي ضخم يتبناه التلفزيون الأردني. هذا التحول من النص المكتوب إلى المسلسل التلفزيوني يسعى إلى نقل السردية الوطنية ونشوء الدولة الأردنية إلى الشاشة الصغيرة، لتوثيق الجذور التاريخية للهوية الوطنية وترسيخها لدى الأجيال الجديدة.
إن "حكي القرايا" لرمضان الرواشدة ليست مجرد تقليب في دفاتر الماضي، بل هي إعادة اعتبار للذاكرة الشعبية الشفوية. لقد استطاع الكاتب بذكائه السردي أن يثبت أن حكايات الأجداد، وأمثالهم، وقصص كفاحهم اليومي من أجل الكرامة والبقاء، هي التاريخ الحقيقي الذي يستحق أن يُروى ويُخلّد.
دلالة العنوان: من قاع القرى إلى أروقة السرايا
يستعير الكاتب عنوان روايته من المثل الشعبي الأردني الشهير "حكي القرايا مش مثل حكي السرايا". ومنذ العتبة الأولى، يضع الرواشدة قارئه أمام مفارقة سياسية واجتماعية؛ فـ"السرايا" هي مراكز الحكم العثماني، والدواوين الرسمية التي تصنع القرار الفوقي، بينما "القرايا" (القرى والأرياف) هي المساحة التي يعيش فيها الناس العاديون، ويعانون من قرارات السلطة القهرية. الرواية هنا تختار بوعي الانحياز إلى "حكي القرايا"، أي إلى التاريخ كما رآه وعاشه وتناقله البسطاء، بعيداً عن الروايات الرسمية الجافة.
جغرافيا ممتدة وصراع على مدى أربعة أجيال
تتحرك الرواية في جغرافيا الجنوب الأردني، وتحديداً في منطقة الشوبك وقلعتها التاريخية المنيعة. وتبدأ الشرارة الأولى للأحداث عام 1834، مع وصول حملة إبراهيم باشا المصري إلى المنطقة بهدف إخضاع عشائر القلعة، وفرض الضرائب، وتجنيد الشباب قسرياً.
وعلى مدار قرن ونصف القرن، يتابع النص حياة أربعة أجيال متعاقبة من أبناء عشائر القلعة. ويسير السرد في خطين دراميين متوازيين:
خط خارجي: يتمثل في مواجهة القوى المتسلطة والغاشمة (عثمانية ومصرية). ويتجلى ذلك في أحداث مفصلية مثل "ثورة الشوبك"، التي اندلعت عندما حاول الجنود العثمانيون تسخير نساء البلدة لنقل المياه.
خط داخلي: يرصد واقع الحياة العشائرية الصعبة، وما تخللها من غزوات متبادلة، وقطاع طرق، وصراعات داخلية على الكلأ والماء، وكيف شكلت "قيم الصلح العشائري" والكرم والفروسية صمام الأمان لحفظ النسيج المجتمعي.
البنية الفنية: التكثيف واللوحات الروائية
رغم أن الرواية تشمل زمناً طويلاً وممتداً، إلا أن الرواشدة اعتمد أسلوب التكثيف والإيجاز (فيما يشبه "النوفيلا" القصيرة التي لا تتجاوز 90 صفحة). لم ينسق الكاتب وراء السرد التاريخي التقليدي الممل، بل استعاض عنه بـاللوحات الروائية المتتابعة وتقنيات الاستذكار والارتداد الزمني (الفلاش باك) والتداعي الحر.
يتنقل النص بين الواقع الملموس وبين الأسطورة والأحلام الخلبية؛ كما ظهر في مقطع "ذهب القلعة"، أو مشهد "مذبحة المغارة" حيث الانتقام من قطاع الطرق وتأسيس ما عُرف بـ"حلف القرايا" لحماية المنطقة.
من الورق إلى الشاشة: تدشين السردية الوطنية
تكتسب رواية "حكي القرايا" أهمية مضاعفة، كونها أصبحت حجر الأساس لمشروع درامي ضخم يتبناه التلفزيون الأردني. هذا التحول من النص المكتوب إلى المسلسل التلفزيوني يسعى إلى نقل السردية الوطنية ونشوء الدولة الأردنية إلى الشاشة الصغيرة، لتوثيق الجذور التاريخية للهوية الوطنية وترسيخها لدى الأجيال الجديدة.
إن "حكي القرايا" لرمضان الرواشدة ليست مجرد تقليب في دفاتر الماضي، بل هي إعادة اعتبار للذاكرة الشعبية الشفوية. لقد استطاع الكاتب بذكائه السردي أن يثبت أن حكايات الأجداد، وأمثالهم، وقصص كفاحهم اليومي من أجل الكرامة والبقاء، هي التاريخ الحقيقي الذي يستحق أن يُروى ويُخلّد.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 12:53