حين يسكت أصحاب الشعارات… يتكلم الأردن

فؤاد سعيد الشوابكة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 10:15
في الأزمات الكبرى تسقط الأقنعة سريعًا، وتتراجع الشعارات إلى الخلف، ويبقى السؤال الحقيقي حاضرًا أمام الجميع: من يعمل من أجل الوطن، ومن يعمل من أجل صورته أمام الوطن؟

ما شهدته سماء الأردن من رشقة صاروخية خطيرة، وما رافقها من تعامل القوات المسلحة الأردنية والأجهزة المختصة معها، يضعنا أمام حقيقة لا تحتمل المزايدة؛ أمن الأردن ليس ساحة للشعبوية، ولا مادة للاستهلاك السياسي، ولا فرصة للحصول على التصفيق.

هنا، لا بد أن نسأل بصراحة، ولكن دون تجريح:

أين الذين يطلون علينا في كل أزمة بخطابات مرتفعة النبرة؟

أين الذين يحولون كل قضية إلى منصة للشعبية؟

أين الذين يجدون في معاناة الناس فرصة لزيادة رصيدهم السياسي؟

في مثل هذه اللحظات، لا يحتاج الأردني إلى من يرفع صوته أكثر، بل إلى من يملك عقل الدولة، وهدوء المسؤول، وشجاعة الموقف.

الأردن ليس دولة تُدار بردود الأفعال، ولا وطنًا ينتظر من أحد أن يمنحه شهادة في الوطنية.

هناك مؤسسات وطنية تحمل مسؤولياتها في أصعب الظروف، وهناك رجال يقفون في مواقعهم عندما ينام كثيرون، ويتعاملون مع الخطر بعيدًا عن الأضواء والكاميرات.

وهؤلاء هم الذين يستحقون أن نرفع لهم القبعة.

القوات المسلحة الأردنية ـ الجيش العربي لا تحتاج إلى خطابات شعبوية كي تثبت وطنيتها؛ تاريخها ومواقفها كفيلة بذلك.

والأجهزة الأمنية لا تحتاج إلى من يزاود عليها في الوطنية؛ يكفيها أنها تعمل بصمت، وأن نتائج عملها هي التي يتحدث عنها الناس.

أما بعض أصحاب الخطاب الشعبوي، من نواب وغيرهم، فهذه لحظة مناسبة لمراجعة الذات.

السياسة ليست أن تقول للناس ما يحبون سماعه فقط.

السياسة مسؤولية.

والنيابة ليست منصة دائمة للشهرة، بل أمانة وثقة وموقف.

ومن يريد أن يمثل الأردنيين تحت قبة البرلمان، فعليه أن يدرك أن الأردني لا يحتاج دائمًا إلى صوت مرتفع، بل يحتاج إلى عقل حاضر، وموقف مسؤول، ورؤية تحمي الدولة ولا تضعفها.

نحن لا نقول إن الصمت مطلوب دائمًا، ولا إن النقد ممنوع، ولا إن المسؤولين فوق المساءلة.

على العكس؛ النقد الوطني ضرورة، والمساءلة حق، والكلمة الحرة قيمة.

لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد الذي يبني، والشعبوية التي تستثمر في الخوف.

هناك فارق بين أن تسأل لأنك تريد حماية الوطن، وأن تتحدث لأنك تريد أن يسمعك الناس.

وهناك فارق أكبر بين رجل دولة يعرف متى يتكلم، ورجل يبحث عن كل أزمة ليصنع منها حضورًا.

اليوم، الأردن بحاجة إلى الاصطفاف حول الدولة ومؤسساتها، لا إلى اصطفاف خلف الأشخاص.

وبحاجة إلى أن نفهم أن قوة الدولة لا تظهر فقط عندما تتحدث، بل تظهر أيضًا عندما تتحرك بهدوء، وتتصرف بمسؤولية، وتحمي شعبها دون ضجيج.

فالأوطان لا تُحمى بالمنشورات، ولا بالهتافات، ولا بالمزايدات.

الأوطان تُحمى بالمؤسسات، والوعي، والانضباط، والرجال الذين يعرفون معنى المسؤولية.

ولذلك، فإن الرسالة اليوم ليست موجهة إلى شخص بعينه، وإنما إلى كل من يتصدر المشهد العام:

خففوا من الشعبوية عندما يتعلق الأمر بأمن الأردن.

اتركوا للمؤسسات أن تقوم بدورها، ولأهل الاختصاص أن يتحدثوا، وللقوات المسلحة والأجهزة الأمنية أن تؤدي واجبها.

ففي لحظة الخطر، لا نحتاج إلى من يبحث عن شعبية.

نحتاج إلى من يبحث عن الأردن.

وهنا يظهر الفرق بين من يريد أن يكون مشهورًا في وطنه، ومن يريد أن يكون نافعًا لوطنه.

والتاريخ، في النهاية، لا يتذكر من كان صوته الأعلى.

بل يتذكر من كان موقفه الأصدق عندما كان الوطن بحاجة إليه.

فؤاد سعيد الشوابكة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 10:15