ضربة استباقية للغلاء… القرار الحكومي يقطع طريق التضخم إلى جيب المواطن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 19:53
في الظروف الاقتصادية الاستثنائية، لا تُقاس جودة القرار الحكومي بحجمه فقط، وإنما بقدرته على التدخل في المكان الصحيح وفي التوقيت المناسب، وبمدى قدرته على منع انتقال الأزمات الخارجية إلى جيب المواطن والسوق المحلية.
ومن هذه الزاوية، يأتي قرار مجلس الوزراء بتمديد العمل بالإعفاءات المرتبطة بارتفاع أجور الشحن البحري وشمول البضائع الواردة عبر الشحن البحري بالحاويات أو الشاحنات، ليشكل خطوة اقتصادية ومالية مهمة تستحق القراءة بعيدًا عن التقييم السطحي الذي يختزل أي قرار بالسؤال: هل ستنخفض الأسعار غدًا أم لا؟
الاقتصاد الأردني، بحكم اعتماده الكبير على الاستيراد وتأثره بحركة التجارة الدولية، ليس بمنأى عن الاضطرابات التي تصيب سلاسل الإمداد وأسعار النقل البحري، وأي ارتفاع حاد في كلفة الشحن لا يبقى محصورًا عند حدود الميناء، بل ينتقل تدريجيًا إلى كلفة المستورد، ثم إلى تاجر الجملة، ثم إلى تاجر التجزئة، وفي نهاية السلسلة يصل إلى المستهلك،
ومن هنا تظهر القيمة الحقيقية للقرار.
عندما تتدخل الحكومة لتخفيف الأعباء الجمركية والضريبية والبدلات المرتبطة بارتفاع كلف الشحن، فإنها عمليًا تعمل على كسر جزء من سلسلة انتقال الكلفة إلى الأسعار، وهذا النوع من التدخل لا يعني بالضرورة أن يشاهد المواطن انخفاضًا فوريًا وكبيرًا في أسعار جميع السلع، لكنه قد يمنع ارتفاعها أو يحد من نسبة الزيادة التي كانت ستحدث لولا هذا التدخل.
وهذه نقطة اقتصادية بالغة الأهمية، فإذا كانت سلعة ما مهددة بالارتفاع نتيجة زيادة الشحن من عشرة دنانير إلى أحد عشر دينارًا، ثم ساهمت الإجراءات الحكومية في إبقائها عند عشرة دنانير ونصف مثلًا، فإن المواطن استفاد فعليًا، حتى وإن لم يشاهد سعر السلعة ينخفض عن مستواه السابق، وفي علم الاقتصاد، فإن منع التضخم أو تخفيض معدل نمو الأسعار لا يقل أهمية عن خفض الأسعار نفسها.
القرار يحمل أيضًا بعدًا ماليًا متزناً، فالدولة عندما تتنازل عن جزء من الإيرادات الجمركية أو الضريبية المرتبطة بهذه الكلف، فإنها لا تتنازل عنها دون مقابل اقتصادي؛ بل تقوم عملياً بإعادة ضخ هذا الوفر داخل الدورة الاقتصادية، فكل دينار يتم توفيره على كلفة الاستيراد يمكن أن يساهم في تخفيض رأس المال التشغيلي المطلوب، والمحافظة على استمرارية التوريد، وتقليل الضغوط على السيولة لدى القطاع التجاري والصناعي، والحد من الزيادات السعرية، وهنا ننتقل من مفهوم الإعفاء المالي إلى مفهوم أوسع هو التحفيز الاقتصادي الوقائي.
كما أن القرار يكتسب أهميته من شموليته للبضائع الواردة عبر الشحن البحري، لأن الموانئ تمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد الوطني، وأي ارتفاع في كلفة النقل عبرها يمكن أن يمتد أثره إلى قطاعات واسعة، من الغذاء والمواد الأساسية إلى مستلزمات الصناعة والإنشاء والتجارة،ولذلك فإن تخفيف كلف الاستيراد لا يخدم المستورد وحده، كما قد يتصور البعض، بل يمتد أثره إلى المصنع والتاجر والمستهلك وسوق العمل في آن واحد.
ومن منظور اقتصادي كلي، يسهم القرار في تحقيق عدد من الأهداف في الوقت نفسه: المحافظة على استقرار الأسعار، دعم استمرارية سلاسل التوريد، حماية تنافسية السوق، التخفيف من الضغوط التضخمية المستوردة، والمحافظة على قدرة القطاعات الإنتاجية والتجارية على الاستمرار دون تحميل المستهلك كامل الكلفة الناتجة عن اضطرابات لا يملك الاقتصاد الأردني السيطرة عليها.
والأهم أن هذا النوع من القرارات يعكس فهمًا مهمًا لطبيعة الاقتصاد الحديث؛ فالأزمات الاقتصادية اليوم لم تعد تبدأ بالضرورة من الداخل،قد يبدأ ارتفاع الأسعار من ممر بحري بعيد، أو أزمة إقليمية، أو زيادة في التأمين والنقل، ثم يصل أثره خلال أسابيع إلى الأسواق المحلية، ولذلك فإن الإدارة الاقتصادية الناجحة هي التي تتحرك قبل أن تتحول الصدمة الخارجية إلى مشكلة داخلية واسعة.
لكن لكي نضمن نجاح القرار في الوصول إلى غايته الكاملة يتطلب أن ترافق الإعفاءات رقابة ومتابعة للأسواق، لضمان أن ينعكس تخفيض الكلفة، قدر الإمكان، على المستهلك النهائي، وألا يتحول الوفر الحكومي بالكامل إلى زيادة في هوامش الأرباح، فالهدف النهائي لأي سياسة اقتصادية من هذا النوع هو حماية المواطن وتعزيز استقرار السوق، كما أن الإعلان الواضح عن حجم الوفر المتوقع ومتابعة أسعار السلع الأكثر تأثراً بالشحن من شأنه أن يعزز الثقة بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطن، ويجعل أثر القرار قابلًا للقياس والتقييم.
في المحصلة، فإن قرار مجلس الوزراء بتمديد الإعفاءات المرتبطة بارتفاع أجور الشحن البحري يمثل إجراءً اقتصادياً استباقياً ومسؤولاً، يجمع بين السياسة المالية وحماية السوق والأمن الاقتصادي، وهو قرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره امتيازًا للمستوردين، بل باعتباره أداة لخفض الكلفة على سلسلة الاقتصاد بأكملها، وصولًا إلى المواطن.
والحقيقة التي يجب ان ندركها انه في أوقات ارتفاع الكلف العالمية، قد يكون الإنجاز الاقتصادي الحقيقي ليس أن تنخفض الأسعار بصورة حادة، وإنما أن تنجح الدولة في منعها من الارتفاع بالمعدل الذي كان متوقعًا،
وهذا تحديدًا ما يمنح القرار أهميته:
تخفيف الكلفة قبل أن تتحول إلى تضخم، وحماية السوق قبل أن تتحول الأزمة الخارجية إلى عبء داخلي على المواطن.
ومن هذه الزاوية، يأتي قرار مجلس الوزراء بتمديد العمل بالإعفاءات المرتبطة بارتفاع أجور الشحن البحري وشمول البضائع الواردة عبر الشحن البحري بالحاويات أو الشاحنات، ليشكل خطوة اقتصادية ومالية مهمة تستحق القراءة بعيدًا عن التقييم السطحي الذي يختزل أي قرار بالسؤال: هل ستنخفض الأسعار غدًا أم لا؟
الاقتصاد الأردني، بحكم اعتماده الكبير على الاستيراد وتأثره بحركة التجارة الدولية، ليس بمنأى عن الاضطرابات التي تصيب سلاسل الإمداد وأسعار النقل البحري، وأي ارتفاع حاد في كلفة الشحن لا يبقى محصورًا عند حدود الميناء، بل ينتقل تدريجيًا إلى كلفة المستورد، ثم إلى تاجر الجملة، ثم إلى تاجر التجزئة، وفي نهاية السلسلة يصل إلى المستهلك،
ومن هنا تظهر القيمة الحقيقية للقرار.
عندما تتدخل الحكومة لتخفيف الأعباء الجمركية والضريبية والبدلات المرتبطة بارتفاع كلف الشحن، فإنها عمليًا تعمل على كسر جزء من سلسلة انتقال الكلفة إلى الأسعار، وهذا النوع من التدخل لا يعني بالضرورة أن يشاهد المواطن انخفاضًا فوريًا وكبيرًا في أسعار جميع السلع، لكنه قد يمنع ارتفاعها أو يحد من نسبة الزيادة التي كانت ستحدث لولا هذا التدخل.
وهذه نقطة اقتصادية بالغة الأهمية، فإذا كانت سلعة ما مهددة بالارتفاع نتيجة زيادة الشحن من عشرة دنانير إلى أحد عشر دينارًا، ثم ساهمت الإجراءات الحكومية في إبقائها عند عشرة دنانير ونصف مثلًا، فإن المواطن استفاد فعليًا، حتى وإن لم يشاهد سعر السلعة ينخفض عن مستواه السابق، وفي علم الاقتصاد، فإن منع التضخم أو تخفيض معدل نمو الأسعار لا يقل أهمية عن خفض الأسعار نفسها.
القرار يحمل أيضًا بعدًا ماليًا متزناً، فالدولة عندما تتنازل عن جزء من الإيرادات الجمركية أو الضريبية المرتبطة بهذه الكلف، فإنها لا تتنازل عنها دون مقابل اقتصادي؛ بل تقوم عملياً بإعادة ضخ هذا الوفر داخل الدورة الاقتصادية، فكل دينار يتم توفيره على كلفة الاستيراد يمكن أن يساهم في تخفيض رأس المال التشغيلي المطلوب، والمحافظة على استمرارية التوريد، وتقليل الضغوط على السيولة لدى القطاع التجاري والصناعي، والحد من الزيادات السعرية، وهنا ننتقل من مفهوم الإعفاء المالي إلى مفهوم أوسع هو التحفيز الاقتصادي الوقائي.
كما أن القرار يكتسب أهميته من شموليته للبضائع الواردة عبر الشحن البحري، لأن الموانئ تمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد الوطني، وأي ارتفاع في كلفة النقل عبرها يمكن أن يمتد أثره إلى قطاعات واسعة، من الغذاء والمواد الأساسية إلى مستلزمات الصناعة والإنشاء والتجارة،ولذلك فإن تخفيف كلف الاستيراد لا يخدم المستورد وحده، كما قد يتصور البعض، بل يمتد أثره إلى المصنع والتاجر والمستهلك وسوق العمل في آن واحد.
ومن منظور اقتصادي كلي، يسهم القرار في تحقيق عدد من الأهداف في الوقت نفسه: المحافظة على استقرار الأسعار، دعم استمرارية سلاسل التوريد، حماية تنافسية السوق، التخفيف من الضغوط التضخمية المستوردة، والمحافظة على قدرة القطاعات الإنتاجية والتجارية على الاستمرار دون تحميل المستهلك كامل الكلفة الناتجة عن اضطرابات لا يملك الاقتصاد الأردني السيطرة عليها.
والأهم أن هذا النوع من القرارات يعكس فهمًا مهمًا لطبيعة الاقتصاد الحديث؛ فالأزمات الاقتصادية اليوم لم تعد تبدأ بالضرورة من الداخل،قد يبدأ ارتفاع الأسعار من ممر بحري بعيد، أو أزمة إقليمية، أو زيادة في التأمين والنقل، ثم يصل أثره خلال أسابيع إلى الأسواق المحلية، ولذلك فإن الإدارة الاقتصادية الناجحة هي التي تتحرك قبل أن تتحول الصدمة الخارجية إلى مشكلة داخلية واسعة.
لكن لكي نضمن نجاح القرار في الوصول إلى غايته الكاملة يتطلب أن ترافق الإعفاءات رقابة ومتابعة للأسواق، لضمان أن ينعكس تخفيض الكلفة، قدر الإمكان، على المستهلك النهائي، وألا يتحول الوفر الحكومي بالكامل إلى زيادة في هوامش الأرباح، فالهدف النهائي لأي سياسة اقتصادية من هذا النوع هو حماية المواطن وتعزيز استقرار السوق، كما أن الإعلان الواضح عن حجم الوفر المتوقع ومتابعة أسعار السلع الأكثر تأثراً بالشحن من شأنه أن يعزز الثقة بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطن، ويجعل أثر القرار قابلًا للقياس والتقييم.
في المحصلة، فإن قرار مجلس الوزراء بتمديد الإعفاءات المرتبطة بارتفاع أجور الشحن البحري يمثل إجراءً اقتصادياً استباقياً ومسؤولاً، يجمع بين السياسة المالية وحماية السوق والأمن الاقتصادي، وهو قرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره امتيازًا للمستوردين، بل باعتباره أداة لخفض الكلفة على سلسلة الاقتصاد بأكملها، وصولًا إلى المواطن.
والحقيقة التي يجب ان ندركها انه في أوقات ارتفاع الكلف العالمية، قد يكون الإنجاز الاقتصادي الحقيقي ليس أن تنخفض الأسعار بصورة حادة، وإنما أن تنجح الدولة في منعها من الارتفاع بالمعدل الذي كان متوقعًا،
وهذا تحديدًا ما يمنح القرار أهميته:
تخفيف الكلفة قبل أن تتحول إلى تضخم، وحماية السوق قبل أن تتحول الأزمة الخارجية إلى عبء داخلي على المواطن.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 19:53