الرؤية الملكية… من تحديات المناخ إلى فرص التنمية

أ.د. نورس شطناوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 14:40
تبدأ حماية المستقبل من القرارات التي نتخذها اليوم؛ من الطريقة التي ندير بها مواردنا، ونبني بها مدننا، ونحمي بها أرضنا ومصادر إنتاجنا. وفي هذا السياق، تأتي توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال اجتماعه الاثنين بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، لوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي، بالتعاون والتنسيق مع القطاع الخاص، لتضع أمام الأردن مساراً يستحق عملاً مؤسسياً بحجم أهميته.

تحمل هذه التوجيهات رؤية تتجاوز تأمين التمويل إلى تنظيم القدرة الوطنية على توظيفه. فالمياه والطاقة والزراعة والنقل والتخطيط العمراني تتقاطع في مواجهة التحديات المناخية، وأي استثمار في أحدها يمتد أثره إلى القطاعات الأخرى. ولذلك، فإن تكامل الاستراتيجية يعني أن تتحرك المؤسسات ضمن أولويات مترابطة، وأن تتجه الموارد إلى مشروعات تعزز قدرة الأردن على الاستمرار والإنتاج وحماية مكتسباته.

ومن هنا، تكتسب كلمتا (متكاملة وموحدة) دلالة تنفيذية واضحة؛ إذ تستدعيان مرجعية للأولويات، وتنسيقاً بين الجهات، ومعايير لاختيار المشروعات، ومسؤوليات محددة للمتابعة. فنجاح الاستراتيجية يبدأ حين تستطيع كل مؤسسة أن تحدد موقعها فيها، وما تملكه من بيانات وخبرات، وما تحتاج إليه لتحويل فكرتها إلى مشروع قابل للتمويل والتنفيذ.

وقد أكد جلالته أهمية توفير برامج للدعم الفني لتمكين القطاعين العام والخاص من الاستفادة من مصادر التمويل المناخي المتاحة. وهذه نقطة جوهرية؛ فالحصول على التمويل يتطلب إعداداً مهنياً يوضح المشكلة المناخية، وجدوى التدخل، والمستفيدين منه، وكلفته ونتائجه المتوقعة، وكيفية قياسها. وعليه، تصبح تنمية الكفاءات القادرة على إعداد المشروعات وإدارتها استثماراً وطنياً يضاعف فرص الاستفادة من التمويل.

إنَ بناء هذه الاستراتيجية على معرفة مكانية دقيقة سيمنحها قوة إضافية؛ فخرائط الجفاف والسيول والحرارة، حين تُدمج مع بيانات السكان والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية، تساعد على تحديد مواضع الحاجة وترتيب التدخلات. غير أن قيمة الخرائط تكتمل بالتحقق الميداني وتحديث البيانات، ثم ترجمتها إلى قرارات واضحة: أين نحمي شبكة مياه؟ وأين نعزز تصريف الأمطار؟ وأي مناطق زراعية تحتاج إلى دعم قدرتها على التكيف؟

وبالتوازي، ينبغي أن تجمع الاستراتيجية بين خفض الانبعاثات والتكيف مع الآثار المناخية. فكفاءة الطاقة والنقل المستدام تخدم المسار الأول، فيما تخدم حماية الموارد المائية، والزراعة القادرة على تحمل الظروف المتغيرة، والبنية التحتية المقاومة للأخطار المسار الثاني. ولكل مشروع منطقه وأدوات تقييمه، على أن يجمعها هدف وطني يتمثل في تنمية أكثر استدامة وأقل تعرضاً للخسائر.

أما الشراكة مع القطاع الخاص، التي نصت عليها التوجيهات الملكية، فتحتاج إلى فرص استثمارية واضحة، وآليات تمويل تناسب طبيعة المشروعات، وتوزيع مدروس للمخاطر. كما تستدعي إتاحة المجال للشركات الصغيرة والمتوسطة، وربط الجامعات ومراكز البحث باحتياجات التنفيذ؛ بما يحول المعرفة الأردنية إلى حلول وخدمات وفرص عمل. ويقتضي ذلك التمييز بين المشروعات القادرة على توليد عائد تجاري، وتلك التي تحقق منفعة عامة وتحتاج إلى دعم أو تمويل ميسر.

ولترجمة هذا التوجه، أقترح إعداد محفظة وطنية متجددة للمشروعات المناخية، تتضمن لكل مشروع جهة مسؤولة، ودراسة جدوى، ومرحلة جاهزية، وخطة تشغيل وصيانة، ومؤشرات أثر. ثم تُنشر نتائج التنفيذ بصورة دورية تتيح معرفة ما تحقق من وفر في المياه والطاقة، أو خفض للانبعاثات، أو تقليل للتعرض للمخاطر. وهكذا يصبح التمويل بداية لمسؤولية يمكن متابعتها حتى ظهور النتائج.

إن التوجيه الملكي يفتح فرصة لبناء نهج وطني يربط التخطيط بالعلم، والتمويل بالتنفيذ، والشراكة بالمصلحة العامة. وتكتمل الاستجابة له حين نرى مشروعات تحمي موارد الأردن وتزيد قدرته على مواجهة المتغيرات. فالمستقبل الذي نريده يحتاج إلى أن نُحسن الاستعداد له؛ والاستراتيجية المنشودة تستطيع أن تجعل من هذا الاستعداد عملاً منظماً، ومن كل استثمار خطوة في أمان الوطن.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 14:40