الذكاء الاصطناعي في الدراسات الاقتصادية.. من قراءة الأرقام إلى صناعة القرار

محمد حاتم الروسان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 14:14
لم تعد الدراسات الاقتصادية في عالم اليوم تعتمد فقط على الجداول الإحصائية والتقارير التقليدية وانتظار النتائج بعد أشهر من جمع البيانات وتحليلها؛ فالعالم دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على التعامل مع كميات هائلة من البيانات، واكتشاف الأنماط والعلاقات بينها، وبناء نماذج تساعد الباحث وصانع القرار على فهم الواقع الاقتصادي بصورة أسرع وأكثر دقة.

وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من أدوات إعداد الدراسات الاقتصادية في الأردن؟ ، الفكرة لا تعني استبدال الباحث الاقتصادي أو الخبير المالي، وإنما تطوير أدواته. فالباحث الذي كان يحتاج إلى وقت طويل لجمع البيانات وتنظيفها وتصنيفها وتحليلها، أصبح بإمكانه الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز جزء كبير من هذه المهام، والتفرغ أكثر للتفسير والتحليل وبناء السيناريوهات وصياغة التوصيات.

من البيانات إلى المعلومة

تمتلك المؤسسات الحكومية والخاصة كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالنمو الاقتصادي، والبطالة، والتضخم، والأسعار، والاستثمار، والصادرات والواردات، والإنفاق العام، والدخل، والاستهلاك وغيرها.،كن امتلاك البيانات لا يعني بالضرورة الاستفادة منها.

وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً مهماً في تحويل البيانات الخام إلى معلومات قابلة للتحليل، من خلال اكتشاف الاتجاهات والتغيرات غير الواضحة للعين البشرية، وربط المؤشرات الاقتصادية ببعضها، واستخراج نتائج تساعد الباحث على فهم الصورة الكاملة،فعلى سبيل المثال، بدلاً من دراسة معدل البطالة باعتباره رقماً مستقلاً، يمكن استخدام أدوات تحليل متقدمة لدراسة علاقته بالتخصصات الجامعية، والفئات العمرية، والمناطق الجغرافية، ومستويات الأجور، ونوع الوظائف، وحجم الاستثمار، ونوعية المشاريع الاقتصادية،عندها لا تصبح الدراسة مجرد وصف للمشكلة، وإنما محاولة لفهم أسبابها ومساراتها المستقبلية.

التنبؤ بالمؤشرات الاقتصادية

من أهم الاستخدامات الممكنة للذكاء الاصطناعي في الدراسات الاقتصادية قدرته على بناء نماذج للتنبؤ ، فالنماذج الحديثة تستطيع تحليل بيانات تاريخية ومؤشرات متعددة بهدف تقدير الاتجاهات المستقبلية، مع إمكانية بناء أكثر من سيناريو، ففي دراسة حول البطالة، على سبيل المثال، يمكن بناء سيناريو متفائل وآخر متوسط وثالث متشائم، ودراسة كيفية تغير معدلات البطالة وفقاً لمستويات الاستثمار والنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل ،وفي مجال الأسعار، يمكن تحليل بيانات التضخم والأسواق والاستهلاك والعوامل الخارجية بهدف مساعدة الباحث على فهم الاتجاهات المحتملة ، وبذلك تنتقل الدراسة الاقتصادية من سؤال: ماذا حدث؟ إلى أسئلة أكثر أهمية: لماذا حدث؟ وماذا يمكن أن يحدث؟ وماذا يجب أن نفعل؟

دعم صناعة القرار الحكومي

تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي عندما تنتقل مخرجات الدراسات الاقتصادية من صفحات التقارير إلى طاولة صنع القرار ،فصانع القرار لا يحتاج دائماً إلى عشرات الصفحات من الجداول، بقدر حاجته إلى إجابات واضحة تساعده على اتخاذ القرار ، ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تلخيص كميات كبيرة من البيانات والتقارير، ومقارنة البدائل، واختبار السيناريوهات، وإظهار الآثار المحتملة لبعض السياسات الاقتصادية ، فعند دراسة مشروع قانون أو سياسة اقتصادية جديدة، يمكن استخدام النماذج التحليلية لدراسة التأثير المحتمل على المواطنين، والمنشآت، والإيرادات العامة، والنفقات، والاستثمار، وسوق العمل ، وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مساندة لصانع القرار وليس بديلاً عنه.

الأردن أمام فرصة حقيقية

في الحالة الأردنية، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الدراسات المرتبطة بقضايا تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، مثل البطالة، والفقر، وكلفة المعيشة، والاستثمار، والعجز المالي، والدين العام، والطاقة، والنقل، والإسكان، والمشاريع التنموية ، كما يمكن أن يساعد في تقييم أثر البرامج والمشاريع الحكومية قبل تنفيذها وبعد تنفيذها ، فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الإنفاق على مشروع معين، يمكن أن يصبح السؤال: ما الأثر الاقتصادي والاجتماعي المتوقع لهذا الإنفاق؟ وهل توجد بدائل تحقق نتائج أفضل بتكلفة أقل؟ وهذا النوع من الأسئلة يمثل جوهر الإدارة الاقتصادية الحديثة.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الخبير

رغم الإمكانات الكبيرة لهذه الأدوات، فإن استخدامها في الدراسات الاقتصادية يجب ألا يكون عشوائياً ، فالذكاء الاصطناعي قد يحلل البيانات بسرعة، لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن أن البيانات صحيحة أو أن النتائج مناسبة للسياق الاقتصادي والاجتماعي ، كما أن جودة المخرجات تعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات والمنهجية المستخدمة في التحليل ، لذلك يجب أن تبقى هناك رقابة بشرية من الباحث والخبراء المختصين، خصوصاً في الدراسات التي ترتبط بالسياسات العامة والمال العام وقرارات تمس حياة المواطنين.

المعادلة الصحيحة ليست:الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟ بل: الإنسان والذكاء الاصطناعي معاً

نحو “الدراسة الاقتصادية الذكية”

ربما نحتاج اليوم إلى التفكير في نموذج جديد للدراسات الاقتصادية يمكن تسميته “الدراسة الاقتصادية الذكية”. وهي دراسة تجمع بين البيانات الرسمية، والتحليل الاقتصادي، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والنمذجة والتنبؤ، والخبرة البشرية ، وتبدأ هذه الدراسة بتحديد المشكلة، ثم جمع البيانات، وتنظيفها وتحليلها، واكتشاف العلاقات والأنماط، وبناء السيناريوهات، وقياس الآثار المحتملة، وصولاً إلى تقديم توصيات قابلة للتطبيق ، والأهم أن تكون نتائجها قابلة للتحديث بصورة مستمرة، بحيث لا تبقى الدراسة وثيقة جامدة تنتهي صلاحيتها بعد نشرها، وإنما تتحول إلى نموذج تحليلي يمكن تحديثه كلما ظهرت بيانات جديدة.

التحدي الأكبر: البيانات لكن قبل الحديث عن الذكاء الاصطناعي، علينا أن نتحدث عن البيانات ، فلا يمكن بناء تحليل اقتصادي قوي على بيانات ناقصة أو غير دقيقة أو غير محدثة ، ومن هنا فإن التحول الحقيقي لا يبدأ بشراء أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما ببناء بنية بيانات حكومية متكاملة وآمنة وقابلة للتحليل ، كلما أصبحت البيانات الحكومية أكثر جودة وتنظيماً وتكاملاً، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على تقديم نتائج مفيدة ، وهذا يعني أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يجب أن يسيرا بالتوازي مع تطوير منظومة البيانات الحكومية ، من وصف الواقع إلى استشراف المستقبل

لقد اعتدنا في كثير من الدراسات الاقتصادية على وصف الواقع بعد حدوثه، وهذا مهم، لكنه لم يعد كافياً. الاقتصاد الحديث يحتاج إلى دراسات تستشرف المستقبل وتختبر السيناريوهات قبل اتخاذ القرار ، فإذا كان بإمكاننا استخدام البيانات والنماذج الحديثة للتنبؤ بالتحديات الاقتصادية المحتملة، فلماذا ننتظر حتى تتحول المشكلة إلى أزمة؟ وإذا كان بإمكاننا محاكاة آثار بعض القرارات قبل تطبيقها، فلماذا لا نستخدم هذه الإمكانات لتقليل المخاطر وتحسين كفاءة السياسات العامة؟ هذه هي النقلة التي يمكن أن يصنعها الذكاء الاصطناعي في الدراسات الاقتصادية.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة تدخل عالم الاقتصاد، بل يمكن أن يمثل تحولاً في طريقة التفكير الاقتصادي نفسها ، فالدراسة الاقتصادية في المستقبل لن تكون مجرد أرقام وجداول ورسوم بيانية، وإنما منظومة ذكية قادرة على تحليل الماضي، وفهم الحاضر، واستشراف المستقبل، ومساعدة صانع القرار على اختيار البديل الأفضل ، والأردن، بما يمتلكه من كوادر وخبرات وقواعد بيانات ومؤسسات اقتصادية، يمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من هذه الأدوات في تطوير الدراسات الاقتصادية وصناعة السياسات العامة ، ويبقى التحدي الحقيقي ليس في امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما في حسن توظيفها ، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخبرنا بما تقوله البيانات، لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر ما الذي ينبغي أن نفعله بها.

وهنا يبقى دور الإنسان والباحث وصانع القرار هو الأهم: تحويل المعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى إجراء، والإجراء إلى نتائج يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 14:14