التهديدات على الأردن.. ماهيتها وكيفية التعامل معها

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 14:09
لعلّنا لا نتجاوز الحقيقة حين نقول بأنه لا يوجد بلد في العالم لا يواجه تهديدات من نوع ما: خارجيةً أو داخليةً خطيرة أو قليلة الأهمية، ومثله مثل كل بلدان العالم فإنّ الأردن يواجه بعض التهديدات ذات المستويات المتفاوتة الخطورة (عالية الخطورة، متوسطة الخطورة، متدنية الخطورة) التي يجدر بالجميع أن ينتبه لها، وأن يكون واعياً بها، والواقع أنّ هذا الموضوع يجب أن يكون موضوع دراسة علمية جادة ورصينة تقوم بها بعض -إن لم نقل كل- مراكز الدراسات الاستراتيجية والدفاعية الأردنية، أو المثيلة لها لكي تقدم تصورات واقعية مستمدة من الخبرة ومستندة إلى رؤى ونظريات علمية في مجال تحليل السياسات، والصراعات، والمواقف.

وانطلاقاَ من اهتمام كل مواطن منتمٍ ومهتم بهذا الموضوع الحسّاس فإنني سوف أشير إلى بعض التهديدات على الأردن مُقَسّماً اياها إلى تهديدات داخلية وأخرى خارجية قاصداً أن تكون التهديدات الداخلية أولاً على أساس أنّ المجتمع القوي المتماسك داخلياً قادر على مواجهة التهديدات الخارجية مهما عَظُمت.

أولاً: التهديدات الداخلية:

1. بطء عملية التحديث السياسي الذي بدأ في عام 2021 فقد كان مأمولاً مع بدء هذه العملية (تعديل قانون الانتخاب، وقانون الأحزاب والدستور...) أن تتبلور الأحزاب بصورة أوضح من حيث التوجهات، وزخم العمل بين أفراد الجمهور، وكان مأمولاً أن تتميز الكتل الحزبية داخل البرلمان (وبخاصة بعد انتخابات 2024) وأن يبدو واضحاً المسار نحو "حكومة برلمانية" في المستقبل وفقاً للتوجه العام للدولة الأردنية القاضي بزيادة نسبة تمثيل الأحزاب (ليصل إلى 65%). إنّ من المؤسف القول أنّ الأحزاب لا تنمو بالصورة المُتوخاة، كما أنّ الجمهور -فضلاً عن المتابعين والمهتمين- لا يشعر بأنّ عملية التحديث السياسي تسير وفق الخطة الموضوعة من قبل الدولة، ولعلّ الخطورة في هذا الموضوع أنّ فرص المشاركة السياسية (Political Participation) للمواطن الأردني في صناعة القرار لا تبدو واعدة، الأمر الذي يؤدي إلى تنامي الاحتقان، والشعور بالتهميش، وعدم الشعور بالمسؤولية واللامبالاة، وكلها أمور لا تصب في مصلحة الوطن من المنظور الاستراتيجي (Strategic Perspective).

2. تزعزع ثقة المواطن الأردني في مؤسسات الدولة إذْ باستثناء الثقة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية (99% حسب استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية) والقضاء (86%) لا تبدو ثقة المواطن الأردني كبيرة في مؤسسات الدولة، فكثيرون لا يرون أن مجلس النواب يقوم بالدور المأمول وبالذات على صعيد الرقابة على الحكومة (نسبة الثقة 39%)، وكذلك الأحزاب السياسية (نسبة الثقة 29%) وكثيرون يستغربون كيف أن الجهات المسؤولة لا تستطيع ضبط الفاقد في المياه (أكثر من 40%) مع أنّ الأردن هو ثالث أفقر بلد مائياً في العالم، وغير قليلين هم الذين يرون أنّ تكافؤ الفرص غير حقيقي وهم يرون أن الطالب المقتدر مالياً يستطيع أن يدرس ما يريد من خلال (برنامج الموازي)، بينما لا يستطيع المتفوقون نيل التخصصات التي يريدونها بسبب ضيق ذات اليد!

3. مراوحة نسبة النمو الاقتصادي في مكانها (بين 2,50 - 3% في آخر خمس سنوات)، الأمر الذي يعني محدودية توليد فرص العمل، وزيادة البطالة، (20% تقريباً) وتكاثر جيوب الفقر (15% تقريباً) ومن الإنصاف أن نقول بأنّ هذا يعود جزئياً إلى الظروف العامة في المنطقة حيث يعيش الأردن في إقليم مضطرب (الأحداث في فلسطين، في سوريا، في العراق، الحرب الأخيرة مع إيران...) ولكن هذا لا يقلل من خطورة هذا التهديد على الأردن وأمنه، واستقراره، ولا يقلّل من مسؤولية الحكومات المتعاقبة في تعظيم نسبة النمو الاقتصادي، ومحاربة الهدر والفساد، وتوظيف الموارد المادية والبشرية المتاحة في أفضل صورة ممكنة.

4. تزايد عدد سكان البلاد بما يفوق إمكاناتها، فقد وصل عدد سكان الأردن حالياً إلى ما يزيد عن (12,5 مليون) نسمة ثلثهم تقريباً من غير الأردنيين، ومع أن الأردن لم يكن يملك الكثير للسيطرة على هذا الموضوع (كرفض لجوء الأشقاء من البلدان المجاورة)، ورغم أنه أفاد جزئياً من اللجوء بعض غير الأردنيين وإقامتهم في البلاد إلّا أنّ الحقيقة تظل قائمة وهي أنّ عدد سكان الأردن يفوق موارده، وأنّ الحكومات المتعاقبة مسؤولة عن اجتراح الحلول المناسبة للارتقاء باستجابة المؤسسات المعنية للزيادة السكانية الحاصلة. وغني عن القول أن هذه الاستجابة المطلوبة تشمل ميادين الصحة، والتعليم، والنقل، والمياه وغيرها.

5. التمركز السكاني في محافظة العاصمة إذْ تشير الإحصائيات إلى أن عدد سكان محافظة العاصمة الآن وصل إلى (42%) من سكان المملكة، وهذا الاختلال بين سكان العاصمة وسكان المحافظات الأخرى يطرح إشكالية ضرورة تنمية المحافظات الأخرى (غير محافظة العاصمة) بحيث تستبقي سكانها فيها، وبحيث تخفض العبء عن العاصمة وتتيح لها أن تنمو نمواً طبيعياً، والطريف في الأمر أن المحافظات الجنوبية (الكرك، معان، العقبة، الطفيلة) على سبيل المثال تحتوي على أهم موارد الأردن الاقتصادية (الفوسفات، البوتاس، اليورانيوم، ميناء العقبة...)، ولكنها لا تتمتع بالوضعية الاقتصادية التي تتناسب مع مواردها الطبيعية، الأمر الذي يعني أن هناك اختلالات لا بدّ من معالجتها.

6. استمرار النظر إلى الدولة كدولة راعية (Welfare State)، والواقع أن الدولة الأردنية -وبغض النظر عن حكوماتها- لم يعد بإمكانها أن تكون راعية مادياً، وقد فكت الارتباط منذ ما يزيد عن (30) سنة بين الوظيفة والشهادة (بمعنى أن الدولة تستطيع أن تتيح للمواطنين فرص التعليم ولكنها لا تستطيع أن تتيح لهم فرص التوظيف)، ولكن ما زال المواطن الأردني للأسف -وبشكل عام- يعتقد أن الدولة مسؤولة عن توفير الوظائف وفرص العمل له وهو يعلم أنّ الوظائف المُمكنة لدى الدولة لا تزيد عن بضعة آلاف في مجالي: التعليم والصحة.

7. ضعف روح "المواطنة" إذْ أنّ الهويات الفرعية "عزيزة" لدى المواطن الأردني فهو يقدم عشيرته أو منطقته أو بلده الأصلي على مواطنيته الأردنية التي تعني ببساطة أنّ كل من يحمل الرقم الوطني بغض النظر عن الأصول والمنابت هو أردني، وأنّ الأردنيين متساوون أمام القانون. إنّ الأردني لم يصل إلى أن يتقبل حقيقة أنه يستطيع أن يفخر بعشيرته ولكنه لا يستطيع أن يقدم انتماءَه العشائري على مواطنيته الأردنية، وهو يستطيع أن يفخر بأنه " شامي" أو "شركسي"، أو "فلسطيني" الأصل ولكنه لا يستطيع أن يقدم ذلك على مواطنيته الأردنية. وبمعنى آخر فإنه لا بأس من انتماء الأردني إلى أية هوية فرعية له ولكن بشرط واحد ألّا تتقدم على "المواطنة" الأردنية، بذلك فقط سيصبح المواطنون الأردنيون على قدر المساواة تسود بينهم روح العدالة، وتكافؤ الفرص، ويشيع بينهم التسامح (Tolerance)، وتقبل الآخر، ونبذ التعصب والكراهية.

ثانياً: التهديدات الخارجية:

1. الأطماع الإسرائيلية التوسعية فاليمين الإسرائيلي لا يخفى أنه يسعى إلى خلق "إسرائيل الكبرى" ولو على حساب بعض الدول العربية ومنها الأردن، ولعلّ ما يفعله الآن في الضفة الغربية من انتهاكات وتجاوزات، تزيد من خطر تهجير الفلسطينيين من أرضهم التاريخية ودفعهم قسراً إلى الأردن بكل ما ينتج ذلك من مآلات على الفلسطينيين والأردنيين.

2. تراجع الوضع العربي، إذْ أصبح الوضع العربي متردياً إلى درجة كبيرة فكثير من الدول العربية انهارت أو في سبيلها إلى الانهيار (اليمن، ليبيا، السودان...) وأصبح الحد الأدنى من التضامن العربي حلماً صعب المنال. إن تماسك الوضع العربي يعني الأردن وينعكس عليه وبخاصة أنه دولة صغيرة إلى جانب دول عربية كبيرة (السعودية، العراق، سوريا)، الأمر الذي يضطره في كثير من الأحيان إلى تبني سياسات توافقية تأتي على حسابه، وذلك فضلاً عن أنه واجه ظروفاً استثنائية في بعض الدول العربية المجاورة كالعراق وسوريا.

والواقع أنّ تراجع الوضع العربي أخذ بعداً جديداً في السنوات الأخيرة حيث برزت تحالفات جديدة في الإقليم (تركيا، السعودية، باكستان) على حساب البعد القومي العربي ومعاهدات الدفاع العربي المشترك، إنّ هذا المستجد قد لا يشكل تهديداً للأردن ولكنه يربك الأردن وقد يفرض عليه ظروفاً جديدة، ينبغي أن يتكيف معها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 14:09