إستراتيجية وطنية لتدويل التعليم الجامعي

أ.د. حسن الدعجة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:13
لم يعد من الممكن تقييم نجاح الجامعات بعدد الطلبة الذين تقبلهم أو الشهادات التي تمنحها سنويا، بل بقدرتها على تخريج كفاءات تستطيع المنافسة والحصول على فرص عمل داخل الدولة وخارجها. وفي ظل تشبّع السوق الأردني في عدد كبير من التخصصات، وارتفاع أعداد الخريجين مقارنة بالفرص المتاحة، أصبح من الضروري الانتقال من مفهوم «تخريج طالب للسوق المحلي» إلى إستراتيجية أكثر طموحا تقوم على «تخريج طالب لسوق العمل الدولي».

وقد سبق أن طرحتُ على رئيس جامعة الحسين بن طلال السابق الأستاذ الدكتور نجيب ابوكركي فكرة البدء بتدريس مجموعة من التخصصات الاجتماعية والإنسانية باللغة الإنجليزية، ودار نقاش معمق حول الإمكانات المتاحة والصعوبات المتوقعة. وشمل التصور تخصصات القانون، والعلاقات الدولية، وإدارة الأعمال، والاقتصاد، والمحاسبة، باعتبارها من أكثر المجالات ارتباطًا بالشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية والأسواق العابرة للحدود. ولم تكن الفكرة مجرد تغيير لغة التدريس، بل مدخلا لإعادة بناء البرامج الجامعية على أساس المعايير الدولية ومتطلبات التوظيف العالمي.

اللغة الإنجليزية بوصفها أداة للتمكين المهني: تُدرّس التخصصات الهندسية والعلوم البحتة والعلوم الطبية في الجامعات الأردنية باللغة الإنجليزية بدرجات متفاوتة، بينما ما تزال أغلبية تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية تُدرّس باللغة العربية. وعلى الرغم من أهمية العربية بوصفها لغة وطنية وعلمية، فإن الاقتصار عليها في بعض البرامج قد يحد من قدرة الخريج على التعامل مع التشريعات الدولية، والأبحاث الأجنبية، وقواعد البيانات العالمية، وبيئات الأعمال متعددة الثقافات.

إن تدريس القانون باللغة الإنجليزية، على سبيل المثال، يمكن أن يفتح أمام الخريجين مجالات التحكيم التجاري الدولي، والقانون الدولي، والامتثال المؤسسي، والعقود العابرة للحدود، وحقوق الملكية الفكرية. كما يمنح تدريس العلاقات الدولية باللغة الإنجليزية الطلبة قدرة أكبر على الالتحاق بالمنظمات الدولية، والمؤسسات الدبلوماسية، ومراكز الأبحاث، والمنظمات غير الحكومية الدولية.

أما تخصصات إدارة الأعمال والاقتصاد والمحاسبة، فإن تدويلها يرفع فرص الخريجين في العمل لدى الشركات متعددة الجنسيات، والبنوك، وشركات التدقيق والاستشارات، والمؤسسات المالية الدولية، ومراكز الخدمات المشتركة. وبالتالي، فإن اللغة الإنجليزية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى المعرفة العالمية وإتقان المصطلحات المهنية والعمل في بيئات دولية.

ولا يعني هذا التحول إضعاف العربية أو إقصاءها، بل يمكن بناء نموذج ثنائي اللغة يحافظ على قدرة الطالب على التعبير المهني بالعربية، ويمنحه في الوقت نفسه الكفاءة اللازمة للعمل والبحث والتواصل باللغة الإنجليزية. فخريج القانون، مثلا، يحتاج إلى فهم التشريع الأردني بالعربية، لكنه يحتاج أيضا إلى صياغة العقود والمراسلات القانونية والتعامل مع المراجع الدولية باللغة الإنجليزية.

البداية التدريجية بدل التحول المفاجئ: يتطلب نجاح المشروع اعتماد نهج تدريجي ومدروس. ويمكن البدء بإطلاق مسارات دولية داخل بعض البرامج القائمة، بحيث يختار الطالب بين المسار العربي والمسار الذي تُدرّس نسبة كبيرة من مواده باللغة الإنجليزية. وبعد تقييم التجربة، يمكن التوسع تدريجيا وصولا إلى برامج أكاديمية دولية متكاملة.

وفي المرحلة الأولى، يمكن اختيار عدد محدود من المواد ذات الطبيعة العالمية، مثل القانون الدولي، والتحكيم التجاري، والعلاقات الدولية، والاقتصاد الدولي، وإدارة الأعمال الدولية، والتسويق العالمي، والمحاسبة الدولية. ويساعد هذا التدرج على اختبار استعداد الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، وتحديد الاحتياجات التدريبية والفنية قبل الانتقال إلى نطاق أوسع.

كما ينبغي ألا يُقبل الطالب في المسار الدولي اعتمادًا على معدل الثانوية العامة وحده، بل من خلال اختبار حقيقي للكفاءة اللغوية، مع توفير سنة تحضيرية أو مساقات مكثفة للطلبة الذين يحتاجون إلى تطوير مستواهم. ومن الضروري أن تشمل هذه المساقات اللغة الأكاديمية، والكتابة المهنية، والعروض التقديمية، والتفاوض، وكتابة التقارير والسيرة الذاتية وإجراء مقابلات العمل.

معالجة نقص الكفاءات التدريسية: يمثل نقص أعضاء هيئة التدريس المؤهلين للتدريس باللغة الإنجليزية أحد أبرز التحديات، لكنه ليس عقبة يستحيل تجاوزها. ويمكن التعامل معه من خلال مسارين متكاملين: الأول تطوير الكفاءات الموجودة التي لها مسار دراسي باللغة الإنجليزية اثناء الحصول على المؤهلات قبل واثناء الحصول على الدكتوراه في التخصص المعني، والثاني استقطاب كفاءات جديدة.

يتطلب المسار الأول تنفيذ برامج تدريبية مكثفة لأعضاء هيئة التدريس في التعليم باللغة الإنجليزية، وتصميم المساقات الدولية، وأساليب التقويم الحديثة، والتعليم الرقمي. كما يمكن توفير حوافز مالية وأكاديمية للأساتذة الذين يطورون مقررات باللغة الإنجليزية أو يحصلون على شهادات مهنية دولية أو يشاركون في تدريس البرامج المشتركة.

أما المسار الثاني، فيقوم على إدراج الكفاءة الفعلية في التدريس باللغة الإنجليزية ضمن شروط التعيين الجديدة، مع إعطاء الأولوية لخريجي الجامعات التي تعتمد الإنجليزية لغة للتدريس، ولمن يمتلكون خبرة أكاديمية أو مهنية دولية. ويمكن أيضا الاستفادة من الأساتذة الأردنيين العاملين في الخارج، عبر عقود مرنة تسمح لهم بتقديم بعض المساقات عن بُعد أو خلال فترات أكاديمية مكثفة.

إنشاء شبكة وطنية للكفاءات الأكاديمية: لا تمتلك كل جامعة أردنية بمفردها العدد الكافي من الأساتذة المتخصصين في جميع المجالات الدقيقة، لكن الجامعات الأردنية مجتمعة تمتلك رصيدًا بشريًا وعلميًا كبيرًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء شبكة وطنية للكفاءات التدريسية، تتضمن قاعدة بيانات دقيقة لأعضاء هيئة التدريس القادرين على تقديم مقررات باللغة الإنجليزية، وتخصصاتهم وخبراتهم وشهاداتهم المهنية.

ومن خلال هذه الشبكة يمكن توزيع المواد وفقا للكفاءة، بحيث يدرّس الأستاذ المساق المناسب لطلبة أكثر من جامعة. فإذا كان الأستاذ موجودًا في جامعة بعيدة، يستطيع تقديم المحاضرات عبر أنظمة الاتصال المرئي، مع تخصيص مشرف أكاديمي داخل الجامعة المستفيدة لمتابعة الطلبة وتنظيم الامتحانات والأنشطة التطبيقية.

ويمكن تطوير هذا النموذج إلى « القاعة الدراسية الوطنية الجامعية المشتركة»، بحيث يلتحق طلبة من جامعات متعددة بمساق واحد يقدمه أفضل أستاذ متاح في المجال. ويحقق ذلك تكاملًا حقيقيًا بين الجامعات، ويخفض الكلفة، ويرفع جودة التدريس، ويمنع تكرار البرامج المتشابهة دون توافر كفاءات كافية.

توطين التخصصات والبرامج المتميزة: من المقترحات الاستراتيجية كذلك توطين البرامج الدولية المتميزة في جامعات محددة بدل توزيعها بصورة عشوائية. ويمكن اختيار الجامعة الأنسب وفق موقعها وإمكاناتها وكفاءاتها وعلاقاتها الدولية، لتصبح مركزا وطنيا لبرنامج أو مسار معين. فقد تتخصص جامعة في العلاقات الدولية والدبلوماسية، وأخرى في التحكيم والقانون التجاري الدولي، وثالثة في الاقتصاد الرقمي، ورابعة في المحاسبة والمعايير المالية الدولية.

ولا يعني ذلك احتكار الجامعة للتخصص، بل قيادتها لشبكة وطنية تشارك فيها الجامعات الأخرى بالتدريس والإشراف والبحث والتدريب. ويمكن للطالب دراسة بعض المساقات حضوريا في جامعته، وبعضها إلكترونيا من الجامعة التي تحتضن البرنامج، مع الاعتراف المتبادل بالساعات المعتمدة.

ويمنح هذا النموذج جامعة الحسين بن طلال فرصة مهمة لقيادة برامج دولية ترتبط بموقعها ورسالتها التنموية، خاصة في مجالات العلاقات الدولية، والدراسات الإستراتيجية، والإدارة السياحية الدولية، واقتصاديات التنمية، وإدارة التراث، والأعمال العابرة للحدود.

ربط البرامج بالشهادات المهنية والتدريب الدولي: لن يكون التدريس باللغة الإنجليزية كافيًا إذا بقيت المناهج تقليدية ومنفصلة عن متطلبات الوظائف. لذلك يجب تحديث الخطط الدراسية بالتعاون مع أصحاب العمل، والغرف التجارية، والبنوك، وشركات التدقيق والاستشارات، والمنظمات الدولية، والخريجين العاملين في الخارج.

وينبغي دمج الشهادات المهنية الدولية في البرامج الجامعية، خصوصا في المحاسبة، وإدارة المشروعات، وإدارة المخاطر، والتحليل المالي، والامتثال، وإدارة الموارد البشرية، وتحليل البيانات. كما يجب أن ينجز الطالب تدريبا عمليا حقيقيا، ومشروع تخرج يعالج مشكلة لدى مؤسسة أو شركة، وأن يبني قبل التخرج ملفا مهنيا إلكترونيا يضم أعماله وأبحاثه وشهاداته ومهاراته.

ويمكن للجامعات إنشاء مكاتب متخصصة للتشغيل الدولي تتولى البحث عن فرص التدريب والعمل خارج الأردن، وإقامة شراكات مع الشركات متعددة الجنسيات، ومساعدة الطلبة في إعداد السير الذاتية واجتياز المقابلات وفهم ثقافات العمل المختلفة.

ضمان الجودة والعدالة في الوصول: ينبغي ألا تتحول البرامج الدولية إلى مسارات نخبوية لا يستطيع الالتحاق بها إلا القادرون ماليًا. ولذلك من المهم توفير منح ودعم لغوي للطلبة المتفوقين من مختلف المحافظات، وتأسيس مراكز لغات قوية داخل الجامعات، وإتاحة المواد الرقمية والمختبرات اللغوية بأسعار معقولة.

كما يجب إخضاع البرامج لتقييم دوري يعتمد على مؤشرات واضحة، منها مستوى اللغة لدى الخريجين، ونسبة الحاصلين على شهادات مهنية، وعدد المشاركين في تدريب دولي، ونسبة التوظيف داخل الأردن وخارجه، ومدى رضا أصحاب العمل. فالنجاح لا يُقاس بعدد البرامج التي تحمل كلمة «دولي»، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في فرص الخريجين.

إن التحول من تخريج طالب للسوق المحلي إلى تخريج طالب لسوق العمل الدولي لم يعد خيارا ترفيا، بل ضرورة وطنية لمعالجة البطالة واستثمار رأس المال البشري الأردني. ويتطلب ذلك إرادة مؤسسية، وتعاونا بين الجامعات، وتطويرا لأعضاء هيئة التدريس، وبرامج ثنائية اللغة، وشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

يمتلك الأردن كفاءات بشرية متميزة وسمعة تعليمية جيدة، لكنه يحتاج إلى مشروع وطني يحول هذه المزايا إلى قدرة تنافسية عالمية. وعندما يصبح الطالب قادرا على العمل باللغتين، ويمتلك المعرفة التخصصية والمهارات الرقمية والخبرة التطبيقية والشهادة المهنية، لن يبقى أسيرا لسوق محلي محدود، بل سيتحول إلى كفاءة أردنية قادرة على المنافسة والإنتاج في أي مكان في العالم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:13