عندما تفقد الرتبة العسكرية شرفها
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:02
ما تزال تظهر بين الفينة والأخرى أصوات تتحدث في الشأن الأردني بثقة لا تتناسب، لا من قريب ولا من بعيد، مع مقدار ما تمتلكه من معلومات.
آخر هذه الأصوات اللواء العراقي المتقاعد عبد الكريم خلف، الذي يظهر في وسائل الإعلام بصفة خبير أمني وعسكري، بينما يكشف حديثه الأخير على قناة "الغدير" عن غياب أبسط قواعد التحقق التي يفترض أن تسبق إطلاق ادعاءات عسكرية وأمنية.
ظهر خلف نافشا ريشه، يتحدث بثقة من يمتلك خرائط العمليات وتقارير الاستخبارات أمامه، ليقدم رواية مثيرة تقول بوجود قاعدة أميركية في العقبة نقلت إليها الولايات المتحدة طائرات ومروحيات من منطقة الخليج، قبل أن تقوم إيران، وفق روايته، بمهاجمة القاعدة وتدمير الطائرات وقتل عدد من الجنود الأميركيين.
لو كانت هذه المعلومات صحيحة، فنحن لا نتحدث عن حادث عسكري صغير يمكن إخفاؤه، وإنما عن عملية عسكرية كبيرة تشمل هجوما إيرانيا مباشرا، وتدمير طائرات ومروحيات، وسقوط قتلى، ما سيشكل تطورا إقليميا بالغ الخطورة.
ومع ذلك، يريد خلف من المشاهد أن يصدق أن حدثا بهذا الحجم وقع، ثم اختفى أثره. والأكثر إثارة للسخرية الطريقة التي يحاول بها منح روايته قدرا من المصداقية، حين يقول إن عمليات نقل الطائرات والمروحيات الأميركية جرت بهدوء، وفي ساعات الليل، ما بين الثالثة فجرا وطلوع الفجر، عندما كان الناس نائمين.
هذا الكلام يدعو إلى الضحك، فالخبير العسكري الحقيقي يعرف أن تحريك الطائرات العسكرية لا يصبح سريا لأن الناس نيام، وأن الطائرات لا تختفي من الرادارات فجرا، فالأقمار الصناعية لا تنام، وأنظمة المراقبة والاستطلاع لا تغلق أبوابها عند منتصف الليل، والقواعد الجوية لا تنقل أصولا عسكرية كبيرة كما لو أن شاحنة تنقل طرودا بريدية عبر طريق فرعي.
لكن خلف لا يتوقف عند ذلك، وإنما يضيف إلى حكايته ما هو أخطر، عندما يزعم أن المعلومات الاستخباراتية التي مكنت إيران من تنفيذ العملية جاءت من "مصادر أمنية أردنية". إنه اتهام بالغ الخطورة يمس مؤسسات الدولة، ويعني وجود اختراق إيراني داخل المنظومة الأمنية الأردنية، وهو اتهام ينتمي إلى الدعاية التي تسعى إلى التخريب، لا إلى التحليل.
إيران حاولت طوال عقود بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، ونجحت بدرجات متفاوتة في ساحات عربية عديدة، خصوصا في العراق الذي تهافت فيه الكثيرون للعمل تحت قيادة الملالي وخيانة بلدهم وشعبهم، ومنهم هذا الجنرال، لكنها اصطدمت في الأردن بدولة حافظت على تماسك مؤسساتها وعلى قرارها الأمني والسياسي، وعلى نقاء وانتماء أبنائها، وشكلت حائط صد ضد الهجمة الإيرانية المنظمة على المنطقة برمتها.
إن القول بوجود اختراقي أمني إيراني للأردن هو مجرد أمنيات داعبت خيالات قادة الملالي منذ كبيرهم الخميني، ومرورا بقاسم سليمان، قبل أن يقهرهم الموت فينصرفوا بغيظهم، بينما بقي الأردن صامدا وعصيا على الاختراق.
الرواية التي قدمها خلف يمكن أن تكون نموذجا لما يحدث عندما تتحول الفضائيات إلى منصات يستطيع فيها شخص أن يضع أمام اسمه عبارة "خبير عسكري"، ثم يقول ما يشاء من دون أن يوقفه أحد عن نشر النفايات والاستخفاف بعقول البشر، فالمشكلة أننا أمام منهج كامل مقلوب تكون فيه النتيجة جاهزة، وتكون فيه إيران "البيك" الذي يمتلك مزرعة كاملة من العبيد يستطيع إطلاقهم في أي وقت يشاء ليرددوا بغباء كامل سرديته عن قوته الخارقة وانتصاراته الموهومة، وما على المشاهد إلا التصديق والتصفيق.
الأردن لا يحتاج إلى الدخول في سجال مع كل نباح ونهيق من هذا النوع، فالادعاءات الكبيرة تنهار أحيانا تحت ثقل سخافتها أكثر مما تنهار بالردود الرسمية. لكن من الضروري فضح المنهج الذي يتم من خلاله إنتاج هذه الأكاذيب، فالخطر ليس في عبد الكريم خلف وحده، وإنما في صناعة إعلامية كاملة تستخدم الرتب العسكرية والألقاب الأكاديمية لإلباس الدعاية ثوب المعرفة.
في هذا الزمن الذي تعيش فيه إيران أسوأ أيامها وكوابيسها، يصبح الحديث عن القواعد الأميركية في الأردن أشبه ما يكون بحكايات العفاريت والجان التي اعتادت الجدات سردها على مسامع الأحفاد لكي يأووا إلى فراشهم مرتجفين، لكن محدودي العقل، وممن ضربت عليهم الذلة والعبودية، لا يتورعون عن أن يحملوا هذه الحكايات، ويوزعوها من على منصات الفضائيات، تقربا من أسيادهم.
خلف، الذي استمرأ جبينه الانحناء تحت الحذاء الإيراني، وتوطنت في نفسه العبودية لنظام الملالي، لا يخجل من أن يحمل قصة الجانب الإيراني، ويروج لها. وهو، وإن ادعى الفهم وامتلاك المعلومات والقدرة على التحليل، فإنه لم ينظر حوله جيدا، لأنه لو فعل لوجد بلده غارقا في احتلال إيراني منذ عقدين، ولرأى كيف ولغت إيران في الدم العراقي بمساهمة فاعلة منه ومن هم على شاكلته من العسكريين الفاقدين للشرف العسكري الحقيقي الذين ساعدوا إيران على تنفيذ أجندتها في بلدهم.
كان الأجدر به أن ينشغل بالسؤال عن حجم النفوذ الإيراني داخل بلده، وهو ليس حكاية سرية عن طائرات تتحرك والناس نيام، وإنما واقع سياسي وأمني موثق عاشه العراقيون أنفسهم سنوات طويلة، فقد دفعت الدولة العراقية ثمنا باهظا لصراع النفوذ، ولفوضى السلاح والميليشيات التي أنشأتها ومولتها إيران، ولفيلق القدس الذي يعتبر الآمر الناهي في العراق. لم ينشغل الجنرال بتحول بلده إلى ساحة نفوذ إيرانية وميدان لتصفية حساباتها مع الإقليم، ومنحت الموالين لها المناصب السياسية والرتب العسكرية، بينما بطشت بالمخالفين. كان الأولى بمن يحمل رتبة عسكرية عراقية سابقة أن يكون شديد الحساسية تجاه استقلال القرار الوطني، لا أن يتحول إلى بوق يردد سردية دولة محتلة لبلده، وكأن الدفاع عنها جزء من واجبه المهني والوطني. لكنه الشرف العسكري الضائع، والذي لا يمكن تعويضه مهما علت الرتبة.
آخر هذه الأصوات اللواء العراقي المتقاعد عبد الكريم خلف، الذي يظهر في وسائل الإعلام بصفة خبير أمني وعسكري، بينما يكشف حديثه الأخير على قناة "الغدير" عن غياب أبسط قواعد التحقق التي يفترض أن تسبق إطلاق ادعاءات عسكرية وأمنية.
ظهر خلف نافشا ريشه، يتحدث بثقة من يمتلك خرائط العمليات وتقارير الاستخبارات أمامه، ليقدم رواية مثيرة تقول بوجود قاعدة أميركية في العقبة نقلت إليها الولايات المتحدة طائرات ومروحيات من منطقة الخليج، قبل أن تقوم إيران، وفق روايته، بمهاجمة القاعدة وتدمير الطائرات وقتل عدد من الجنود الأميركيين.
لو كانت هذه المعلومات صحيحة، فنحن لا نتحدث عن حادث عسكري صغير يمكن إخفاؤه، وإنما عن عملية عسكرية كبيرة تشمل هجوما إيرانيا مباشرا، وتدمير طائرات ومروحيات، وسقوط قتلى، ما سيشكل تطورا إقليميا بالغ الخطورة.
ومع ذلك، يريد خلف من المشاهد أن يصدق أن حدثا بهذا الحجم وقع، ثم اختفى أثره. والأكثر إثارة للسخرية الطريقة التي يحاول بها منح روايته قدرا من المصداقية، حين يقول إن عمليات نقل الطائرات والمروحيات الأميركية جرت بهدوء، وفي ساعات الليل، ما بين الثالثة فجرا وطلوع الفجر، عندما كان الناس نائمين.
هذا الكلام يدعو إلى الضحك، فالخبير العسكري الحقيقي يعرف أن تحريك الطائرات العسكرية لا يصبح سريا لأن الناس نيام، وأن الطائرات لا تختفي من الرادارات فجرا، فالأقمار الصناعية لا تنام، وأنظمة المراقبة والاستطلاع لا تغلق أبوابها عند منتصف الليل، والقواعد الجوية لا تنقل أصولا عسكرية كبيرة كما لو أن شاحنة تنقل طرودا بريدية عبر طريق فرعي.
لكن خلف لا يتوقف عند ذلك، وإنما يضيف إلى حكايته ما هو أخطر، عندما يزعم أن المعلومات الاستخباراتية التي مكنت إيران من تنفيذ العملية جاءت من "مصادر أمنية أردنية". إنه اتهام بالغ الخطورة يمس مؤسسات الدولة، ويعني وجود اختراق إيراني داخل المنظومة الأمنية الأردنية، وهو اتهام ينتمي إلى الدعاية التي تسعى إلى التخريب، لا إلى التحليل.
إيران حاولت طوال عقود بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، ونجحت بدرجات متفاوتة في ساحات عربية عديدة، خصوصا في العراق الذي تهافت فيه الكثيرون للعمل تحت قيادة الملالي وخيانة بلدهم وشعبهم، ومنهم هذا الجنرال، لكنها اصطدمت في الأردن بدولة حافظت على تماسك مؤسساتها وعلى قرارها الأمني والسياسي، وعلى نقاء وانتماء أبنائها، وشكلت حائط صد ضد الهجمة الإيرانية المنظمة على المنطقة برمتها.
إن القول بوجود اختراقي أمني إيراني للأردن هو مجرد أمنيات داعبت خيالات قادة الملالي منذ كبيرهم الخميني، ومرورا بقاسم سليمان، قبل أن يقهرهم الموت فينصرفوا بغيظهم، بينما بقي الأردن صامدا وعصيا على الاختراق.
الرواية التي قدمها خلف يمكن أن تكون نموذجا لما يحدث عندما تتحول الفضائيات إلى منصات يستطيع فيها شخص أن يضع أمام اسمه عبارة "خبير عسكري"، ثم يقول ما يشاء من دون أن يوقفه أحد عن نشر النفايات والاستخفاف بعقول البشر، فالمشكلة أننا أمام منهج كامل مقلوب تكون فيه النتيجة جاهزة، وتكون فيه إيران "البيك" الذي يمتلك مزرعة كاملة من العبيد يستطيع إطلاقهم في أي وقت يشاء ليرددوا بغباء كامل سرديته عن قوته الخارقة وانتصاراته الموهومة، وما على المشاهد إلا التصديق والتصفيق.
الأردن لا يحتاج إلى الدخول في سجال مع كل نباح ونهيق من هذا النوع، فالادعاءات الكبيرة تنهار أحيانا تحت ثقل سخافتها أكثر مما تنهار بالردود الرسمية. لكن من الضروري فضح المنهج الذي يتم من خلاله إنتاج هذه الأكاذيب، فالخطر ليس في عبد الكريم خلف وحده، وإنما في صناعة إعلامية كاملة تستخدم الرتب العسكرية والألقاب الأكاديمية لإلباس الدعاية ثوب المعرفة.
في هذا الزمن الذي تعيش فيه إيران أسوأ أيامها وكوابيسها، يصبح الحديث عن القواعد الأميركية في الأردن أشبه ما يكون بحكايات العفاريت والجان التي اعتادت الجدات سردها على مسامع الأحفاد لكي يأووا إلى فراشهم مرتجفين، لكن محدودي العقل، وممن ضربت عليهم الذلة والعبودية، لا يتورعون عن أن يحملوا هذه الحكايات، ويوزعوها من على منصات الفضائيات، تقربا من أسيادهم.
خلف، الذي استمرأ جبينه الانحناء تحت الحذاء الإيراني، وتوطنت في نفسه العبودية لنظام الملالي، لا يخجل من أن يحمل قصة الجانب الإيراني، ويروج لها. وهو، وإن ادعى الفهم وامتلاك المعلومات والقدرة على التحليل، فإنه لم ينظر حوله جيدا، لأنه لو فعل لوجد بلده غارقا في احتلال إيراني منذ عقدين، ولرأى كيف ولغت إيران في الدم العراقي بمساهمة فاعلة منه ومن هم على شاكلته من العسكريين الفاقدين للشرف العسكري الحقيقي الذين ساعدوا إيران على تنفيذ أجندتها في بلدهم.
كان الأجدر به أن ينشغل بالسؤال عن حجم النفوذ الإيراني داخل بلده، وهو ليس حكاية سرية عن طائرات تتحرك والناس نيام، وإنما واقع سياسي وأمني موثق عاشه العراقيون أنفسهم سنوات طويلة، فقد دفعت الدولة العراقية ثمنا باهظا لصراع النفوذ، ولفوضى السلاح والميليشيات التي أنشأتها ومولتها إيران، ولفيلق القدس الذي يعتبر الآمر الناهي في العراق. لم ينشغل الجنرال بتحول بلده إلى ساحة نفوذ إيرانية وميدان لتصفية حساباتها مع الإقليم، ومنحت الموالين لها المناصب السياسية والرتب العسكرية، بينما بطشت بالمخالفين. كان الأولى بمن يحمل رتبة عسكرية عراقية سابقة أن يكون شديد الحساسية تجاه استقلال القرار الوطني، لا أن يتحول إلى بوق يردد سردية دولة محتلة لبلده، وكأن الدفاع عنها جزء من واجبه المهني والوطني. لكنه الشرف العسكري الضائع، والذي لا يمكن تعويضه مهما علت الرتبة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:02