احضروها لتعينهم فعادت تبحث عمن يعينها.. الصدأ يفسد هيبة 'أبراهام لينكولن'

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 15:04
مدار الساعة -عندما رست حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" في ميناء باتايا التايلاندي، يوم الأربعاء الماضي، لم يكن المشهد الذي التقطته عدسات الكاميرات هو الصورة الزاهية التي اعتادت البحرية الأمريكية على تقديمها لسفنها العملاقة.

فبدلاً من اللمعان الفولاذي الذي يوحي بالقوة والجاهزية، ظهرت السفينة مغطاة بطبقات من الصدأ والطحالب البحرية، في منظر أثار موجة من التساؤلات على منصات التواصل الاجتماعي، بحسب مجلة ناشيونال إنترست.

غير أن المختصين في الشؤون البحرية، وعلى رأسهم القبطان السابق كارل شوستر الذي خدم ثلاث فترات على متن حاملات من فئة نيميتز نفسها، يقدمون تفسيراً موضوعياً يبدد كثيراً من الانطباعات السطحية.

فالحاملة كانت قد أمضت 285 يوماً في مهمة بحرية متواصلة، لم تتوقف خلالها سوى يومين فقط في الميناء، وهو ما يعني تعرّض هيكلها لعوامل التآكل البحرية بشكل شبه دائم.

ويوضح شوستر أن ظهور الصدأ على طول خط الماء ليس ظاهرة استثنائية، بل أمر متوقع لأي سفينة تقضي أكثر من ستين يوماً في عمليات بحرية متصلة.

معركة ترامب الخاسرة مع الصدأ

والمفارقة هنا أن الرئيس ترامب، الذي كان قد أصدر في ربيع عام 2025 توجيهاً مباشراً إلى وزير البحرية آنذاك جون فيلان "لإصلاح الصدأ اللعين" الذي يغطي العديد من سفن الأسطول، يجد نفسه اليوم أمام حقيقة علمية بسيطة وهي أن الصدأ ليس عيباً يمكن "إصلاحه" كما تُصلح ثقب في جدار، بل هو تفاعل كيميائي طبيعي لا مفر منه في بيئة المياه المالحة.

وهذا التبسيط المفرط للمشكلة يكشف عن فجوة بين الخطاب السياسي الشعبوي وطبيعة التحديات الهندسية التي تواجه أعتى بحاريات العالم.

كيف تُعالج البحرية الأمريكية التآكل؟

عملية معالجة الصدأ، كما يشرح الخبراء، تخضع لبروتوكولات دقيقة تعتمد على موقع التآكل ودرجة انتشاره. خلال فترة الصيانة الدورية المخططة، تتولى فرق من المقاولين وعمال أحواض بناء السفن ترميم عشرات الآلاف من الأقدام المربعة من هياكل السفن وحظائر الطائرات وممرات سطح الطيران، وذلك بإزالة الصدأ السطحي وتطبيق طلاءات بحرية عالية الجودة.

بيد أن التحدي الأكبر يكمن في أن الصدأ الناتج عن ملامسة مياه البحر أسفل خط الماء لا يمكن معالجته إلا أثناء تواجد السفينة في الحوض الجاف، حيث يتم كشط الهيكل بالكامل وصقله وإعادة طلائه بالكامل.

تنظيف عاجل في ميناء تايلاند

ومع ذلك، فقد قام عمال تايلانديون خلال الأيام السبعة التي أمضتها "لينكولن" في الميناء بأعمال تنظيف سريعة استهدفت المناطق الأكثر تضرراً، ولا سيما مقدمة السفينة وأجزاء الهيكل الأمامية التي تتعرض لأقسى عوامل التآكل أثناء الإبحار. ووفقا لتقديرات القبطان شوستر أن القضاء التام على الصدأ سيستغرق حوالى ثلاثين يوماً من العمل المتواصل، تشمل إزالة الصدأ، ووضع طبقتين من الطلاء التمهيدي المقاوم للتآكل، تليهما طبقتان من الطلاء الرمادي البحري.

ويبدو أن بعضاً من هذه الإجراءات نفّذت بالفعل قبل مغادرة السفينة الميناء صباح الأحد، حيث ظهرت في حالة تحسّنت بشكل ملحوظ.

الواقع، أن مشكلة الصدأ ليست مقتصرة على "يو إس إس أبراهام لينكولن"، بل هي معاناة عالمية تطال معظم السفن الحربية التي تقضي فترات طويلة في البحر. وقد تفاقمت هذه الظاهرة أثناء جائحة كوفيد-19 عندما اضطرت السفن إلى تجنّب الرسو في الموانئ حفاظاً على سلامة طواقمها.

بل إن خطورة التآكل دفعت الجمعية الأمريكية لمهندسي البحرية إلى عقد مؤتمر "ميغا رست" في سان دييغو مطلع العام الجاري، لمناقشة أحدث استراتيجيات مكافحة التآكل، باعتباره عاملاً رئيسياً في تحديد جاهزية السفن الحربية وتكلفة تشغيلها الإجمالية.

لكن ما يجعل حالة "لينكولن" محطّ أنظار العالم، هو مزيج من عوامل عدة، من بينها طول فترة انتشارها القياسية التي جعلتها عنواناً للأخبار طوال فصل الصيف، وتنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي في رصد مثل هذه اللحظات – وهو دور كان غائباً في السابق بسبب الرقابة التي كانت تفرضها البحرية على صور الوصول إلى الموانئ.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 15:04