حين تجتمع الرشاقة والمرونة مع الذكاء الاصطناعي في الإدارة

عبد الله خضر الصلاحات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 11:40
يفرض الذكاء الاصطناعي حضورة في مختلف ميادين الحياة...، وهذه أصبحت من المسلّمات، مع أن من غير المسلّم به ولا المتفق عليه هو مَدَيات التأثير وكيفيّته وآليات الوصول إليه، إلى جانب المخاوف من المخاطر، وهي كثيرة كذلك. وفي ميادين الإدارة تحديدًا، أصبح البحث عن مجالات استثمار الذكاء الاصطناعي، القائم الفاعل في العمليات الإدارية المختلفة، أو ما يجري التحضير له لإدخاله في تلك العمليات، من الشواغل المركزية في عمل المنظمات، على اختلاف أنواعها.

ولكن ما دعاني إلى الكتابة، ولو باقتضاب، هو ما خلصت إليه في أثناء إعدادي بحثًا عن إمكانية استثمار المزج بين الإدارة الرشيقة (Lean Management) (إدارة "لِيْن")، والإدارة المرنة (Agile Management) (إدارة "أجايل")، بالتكامل والتآزر مع الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة. وللملاحظة، ويبدو أنها مهمة، وضعت الاسم بالإنجليزية لأن هناك خلطا كبيرا وفوضى في ترجمة هذين المصطلحين، حتى في الدراسات العلمية المحكمة!

ولوصف هذين المنهجين الإداريين، يمكن القول إن الإدارة الرشيقة (إدارة الرشاقة)، التي صاغتها أولا وبادرت إليها وتبنّتها شركة تويوتا اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، تعمل أساسا من أجل الحدّ من الهدر في المواد والعمليات وكل ما يمكن الاستغناء عنه، دون التفريط بالجودة، بل بالمزيد من مراعاتها، توفيرا للوقت والجدد والنفقات. وقد نشأت منهجية إدارة المشروعات الرشيقة وصُقِلت تدريجيا بين عامي 1948 و1975، عندما اعتمد المهندسون اليابانيون العاملون في شركة تويوتا لصناعة السيارات على نظام الإنتاج الأصلي لتويوتا Toyota Production System (TPS) بتعزيز عمليات التصنيع، وتطوير العلاقات مع الموردين والعملاء، وتقليل الهدر عبر مختلف مراحل الإدارة والإنتاج في عمليات العمل المختلفة.

أما الإدارة المرنة-السريعة، فهو نظام تطوير يتّسم بالمرونة والقدرة على مواكبة التغيرات بسرعة وأولا بأول، مع انخراط واعٍ لطواقم العمل، وترافق مع شركات تطوير البرمجيات أولا، ولكنه امتدّ إلى قطاعات كثيرة أخرى ومتزايدة لاحقا.

ولعلّ من الطبيعي أن ينجح المزج بين الرشاقة والحدّ من الهدر، والمرونة المتلازمة مع السرعة، في تقديم نتائج إيجابية كبيرة وعديدة، وهذا ما تدلّ عليه البيانات في نسب الإنجاز وزيادة الفاعلية وغيرها من النتائج الإيجابية. وعلى ذلك، ومع الموجة الهائلة للطفرات التي شهدها الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مختلف ميادين الإدارة، صار أمرا "محتوما" أن يُطرح السؤال خول كيفية استثمار الذكاء الاصطناعي معهما في بيئة عمل واحدة. وبالفعل، هذا ما جرى ويجري في العديد من منظمات الأعمال. فإذا كانت عناصر قوة الإدارتين، الرشيقة والمرنة، قد حقّقت نتائج هامة، فإن الذكاء الاصطناعي يضاعف هذا التكاتف ويقدم نتائج أفضل، إذا تعززت به عناصر التنسيق والمواءمة في مركَّب ثلاثيّ متآزر في بيئة العمل.

وبالفعل، يصبح أمرا بالغ الأهمية للشركات عموما، وللشركات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، النظر في إمكانية استخدام هذا المزيج بكفاءة وفاعلية، خاصة وأن هذا المنهج الثلاثي يمكن أن يكون عمليا وقابلا للتطبيق بتوافر موارد محدودة نسبيا، ومع خبرات يمكنها التكيّف مع واقع حال البيئة الاقتصادية والمعرفية. فبوجود هذه الركائز الثلاث، وبتكلفة وإمكانيات استثمارية وبشرية معقولة ومراعية لمحدودية الإمكانيات، مع وجود مبادرات وطاقات شابة مبادرة وكفاءات فنية جيدة، كما هو الحال في الأردن على سبيل المثال، يمكن لهذا الأنموذج أن يسهم في مساندة الشركات والمؤسسات، العامة والخاصة، على اختلاف حجومها وإمكانياتها، ورواد الأعمال والمؤسسات "الميكروية"-متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة بمسار ملموس لتحسين أدائها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 11:40