حماية الطفل تبدأ من الرقابة قبل أن تبدأ من العقوبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/05 الساعة 17:03
لا يمكن أن تمر وفاة طفل في الخامسة من عمره داخل حافلة لنقل الطلبة مرور حادث عابر، أو أن تختزل القضية في خطأ ارتكبه شخص بعينه، مهما كانت نتائج التحقيقات والمسؤوليات التي ستحددها الجهات المختصة.
فقدان طفل بهذه الصورة يضعنا جميعًا أمام سؤال أوسع وأكثر إلحاحًا: هل منظومة الرقابة على الخدمات المقدمة للأطفال تعمل بالفاعلية المطلوبة، أم أننا ما زلنا ننتظر وقوع الحوادث حتى نتحرك؟
هذا السؤال لا يأتي من باب توجيه الاتهام إلى جهة محددة، وإنما من باب المسؤولية الوطنية تجاه الأطفال، وضرورة مراجعة المنظومة التي تحكم عمل القطاعات المرتبطة بهم.
فالطفل الذي يذهب صباحًا إلى روضته أو مدرسته، ثم يستقل حافلة لنقله، يفترض أن يكون محاطًا بسلسلة متكاملة من إجراءات الحماية. المؤسسة التي ترعاه يجب أن تكون مرخصة، والعاملون فيها مستوفين للشروط، ووسيلة النقل مرخصة ومؤهلة، والسائق مستوفيًا للاشتراطات، وهناك إجراءات واضحة تضمن تسليم الطفل واستلامه ومتابعته.
لكن المشكلة تظهر عندما تعمل بعض الجهات أو الأفراد خارج هذه المنظومة.
المشكلة لا تتعلق بالنقل وحده
من واقع العمل في قطاع الطفولة المبكرة، فإن الحديث عن الحافلات غير المرخصة يجب ألا يكون منفصلًا عن ظاهرة أوسع تتمثل في وجود خدمات تقدم للأطفال خارج الإطار النظامي.
فما زالت هناك حالات لمؤسسات أو أماكن تقدم خدمات رعاية وتعليم للأطفال دون الحصول على التراخيص اللازمة، كما أن بعض مقدمي الخدمة يلجأون إلى وسائل نقل غير مرخصة أو غير مخصصة لنقل الأطفال.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يستطيع نشاط غير مرخص أن يستمر ويصل إلى الأطفال دون أن ترصده منظومة الرقابة؟
المشكلة ليست في وجود التشريعات والتعليمات فقط، وإنما في قدرتنا على تطبيقها ومتابعة الالتزام بها على أرض الواقع.
فالترخيص ليس ورقة تعلق على الحائط، وإنما مسؤولية والتزام وشروط يجب أن تستمر مراقبتها طوال فترة تقديم الخدمة.
والرقابة لا ينبغي أن تبدأ عندما تقع الكارثة.
حماية الملتزمين أيضًا مسؤولية
من المهم أن ننظر إلى هذه القضية من زاوية أخرى لا تحظى بالاهتمام الكافي.
المؤسسات المرخصة والملتزمة تتحمل كلفًا مالية وإدارية كبيرة حتى تلتزم بالاشتراطات المطلوبة، من حيث المبنى والسلامة والتجهيزات والكوادر والتدريب والنقل وغيرها.
وفي المقابل، عندما يسمح لمن يعمل خارج الإطار القانوني بالاستمرار دون رقابة كافية، فإننا لا نعرض الأطفال للخطر فقط، وإنما نخلق منافسة غير عادلة مع المؤسسات التي اختارت الالتزام بالقانون.
وهذا الأمر يحتاج إلى معالجة جدية، لأن حماية القطاعات المنظمة لا تعني حماية أصحاب الأعمال فقط، بل تعني حماية جودة الخدمة وسلامة المستفيدين منها، وفي مقدمتهم الأطفال.
المطلوب منظومة رقابة لا حملات مؤقتة
أعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا من مفهوم الرقابة الموسمية أو الرقابة التي تأتي كرد فعل على حادثة، إلى منظومة رقابة مستمرة تعتمد على البيانات والتنسيق بين الجهات المعنية.
وهناك مجموعة من الإجراءات التي يمكن البناء عليها:
أولًا، إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تضم المؤسسات المرخصة التي تقدم خدمات الطفولة المبكرة، ووسائل النقل المرخصة لنقل الأطفال، بما يتيح للجهات الرقابية معرفة الواقع الفعلي للقطاع، ويساعد أولياء الأمور في اتخاذ قرارات أكثر أمانًا.
ثانيًا، تنفيذ مسح وطني للمؤسسات والخدمات غير المرخصة.
فلا يكفي أن نفتش المؤسسات الموجودة في السجلات الرسمية؛ المطلوب أيضًا الوصول إلى من يعمل خارج هذه السجلات.
ثالثًا، تشديد الرقابة على نقل الأطفال.
ويشمل ذلك المركبة والسائق والمشرف المرافق، وآلية صعود الأطفال ونزولهم، والتأكد من عدم ترك الطفل داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة.
رابعًا، تحديد المسؤوليات بوضوح.
عند التعاقد مع وسيلة نقل، يجب أن تكون مسؤولية التحقق من الترخيص والاشتراطات واضحة، وألا يتحول التعاقد مع طرف خارجي إلى وسيلة للتنصل من المسؤولية.
خامسًا، تفعيل الرقابة الإلكترونية.
فالتحول الرقمي يمكن أن يوفر أدوات بسيطة وفعالة للتأكد من صلاحية الترخيص والفحص والمعلومات الأساسية المتعلقة بالمركبة والسائق، بدل الاعتماد الكامل على الإجراءات الورقية.
سادسًا، إشراك القطاع في تطوير التشريعات والتعليمات.
فالجهات التي تعمل ميدانيًا مع الأطفال تمتلك خبرة عملية يمكن أن تساعد في تحديد الثغرات واقتراح حلول قابلة للتطبيق.
لا نريد أن تتحول كل فاجعة إلى حملة
المطلوب اليوم ليس البحث عن المخطئ فقط، فهذا دور الجهات المختصة، وإنما البحث عن الثغرة التي سمحت بحدوث الخطأ، والعمل على إغلاقها.
فإذا كان هناك شخص يعمل دون ترخيص، علينا أن نسأل: كيف حصل ذلك؟
وإذا كانت هناك حافلة تنقل الأطفال بطريقة مخالفة، علينا أن نسأل: لماذا لم تُكتشف قبل أن تقع الحادثة؟
وإذا كانت هناك اشتراطات واضحة للسلامة، علينا أن نسأل: هل يتم التحقق من تطبيقها بصورة دورية وفعالة؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن تحديد المسؤولية عن الحادث نفسه.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة “ماذا سنفعل بعد الحادث؟” إلى ثقافة “ماذا فعلنا لمنع الحادث؟”
فالدولة القوية ليست التي تعاقب بعد وقوع الخطأ فقط، وإنما التي تمتلك منظومة قادرة على اكتشاف الخلل قبل أن يدفع ثمنه طفل.
وفي قطاع الطفولة تحديدًا، لا يمكن أن تكون الرقابة خيارًا أو إجراءً شكليًا. نحن نتعامل مع فئة لا تستطيع حماية نفسها أو اختيار المكان الذي تتلقى فيه الرعاية، ولذلك تقع مسؤولية مضاعفة على المؤسسات والجهات الرقابية وأصحاب القرار.
إن حماية الطفل تبدأ من الأسرة، لكنها لا تنتهي عندها.
وتبدأ من الروضة، لكنها لا تنتهي عند بوابتها.
وتشمل السائق والمشرف والمؤسسة والجهة المرخصة والجهة الرقابية.
والأهم من ذلك كله، أن حماية الطفل مسؤولية مشتركة، لكن مسؤولية الدولة تبدأ من ضمان أن يعمل الجميع داخل منظومة واضحة، وأن لا يُترك المجال لمن يتغول على القطاعات المنظمة أو يقدم خدمة للأطفال خارج شروط السلامة والترخيص.
رحم الله الطفل، وألهم أسرته الصبر.
ولنجعل من هذه الحادثة المؤلمة نقطة مراجعة حقيقية، لا مجرد خبر آخر يمر ثم ننساه.
فالطفل لا يملك أن يطالب بحقه في الحماية، ولذلك يجب أن نكون نحن صوته وحاملي مسؤوليته.
فقدان طفل بهذه الصورة يضعنا جميعًا أمام سؤال أوسع وأكثر إلحاحًا: هل منظومة الرقابة على الخدمات المقدمة للأطفال تعمل بالفاعلية المطلوبة، أم أننا ما زلنا ننتظر وقوع الحوادث حتى نتحرك؟
هذا السؤال لا يأتي من باب توجيه الاتهام إلى جهة محددة، وإنما من باب المسؤولية الوطنية تجاه الأطفال، وضرورة مراجعة المنظومة التي تحكم عمل القطاعات المرتبطة بهم.
فالطفل الذي يذهب صباحًا إلى روضته أو مدرسته، ثم يستقل حافلة لنقله، يفترض أن يكون محاطًا بسلسلة متكاملة من إجراءات الحماية. المؤسسة التي ترعاه يجب أن تكون مرخصة، والعاملون فيها مستوفين للشروط، ووسيلة النقل مرخصة ومؤهلة، والسائق مستوفيًا للاشتراطات، وهناك إجراءات واضحة تضمن تسليم الطفل واستلامه ومتابعته.
لكن المشكلة تظهر عندما تعمل بعض الجهات أو الأفراد خارج هذه المنظومة.
المشكلة لا تتعلق بالنقل وحده
من واقع العمل في قطاع الطفولة المبكرة، فإن الحديث عن الحافلات غير المرخصة يجب ألا يكون منفصلًا عن ظاهرة أوسع تتمثل في وجود خدمات تقدم للأطفال خارج الإطار النظامي.
فما زالت هناك حالات لمؤسسات أو أماكن تقدم خدمات رعاية وتعليم للأطفال دون الحصول على التراخيص اللازمة، كما أن بعض مقدمي الخدمة يلجأون إلى وسائل نقل غير مرخصة أو غير مخصصة لنقل الأطفال.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يستطيع نشاط غير مرخص أن يستمر ويصل إلى الأطفال دون أن ترصده منظومة الرقابة؟
المشكلة ليست في وجود التشريعات والتعليمات فقط، وإنما في قدرتنا على تطبيقها ومتابعة الالتزام بها على أرض الواقع.
فالترخيص ليس ورقة تعلق على الحائط، وإنما مسؤولية والتزام وشروط يجب أن تستمر مراقبتها طوال فترة تقديم الخدمة.
والرقابة لا ينبغي أن تبدأ عندما تقع الكارثة.
حماية الملتزمين أيضًا مسؤولية
من المهم أن ننظر إلى هذه القضية من زاوية أخرى لا تحظى بالاهتمام الكافي.
المؤسسات المرخصة والملتزمة تتحمل كلفًا مالية وإدارية كبيرة حتى تلتزم بالاشتراطات المطلوبة، من حيث المبنى والسلامة والتجهيزات والكوادر والتدريب والنقل وغيرها.
وفي المقابل، عندما يسمح لمن يعمل خارج الإطار القانوني بالاستمرار دون رقابة كافية، فإننا لا نعرض الأطفال للخطر فقط، وإنما نخلق منافسة غير عادلة مع المؤسسات التي اختارت الالتزام بالقانون.
وهذا الأمر يحتاج إلى معالجة جدية، لأن حماية القطاعات المنظمة لا تعني حماية أصحاب الأعمال فقط، بل تعني حماية جودة الخدمة وسلامة المستفيدين منها، وفي مقدمتهم الأطفال.
المطلوب منظومة رقابة لا حملات مؤقتة
أعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا من مفهوم الرقابة الموسمية أو الرقابة التي تأتي كرد فعل على حادثة، إلى منظومة رقابة مستمرة تعتمد على البيانات والتنسيق بين الجهات المعنية.
وهناك مجموعة من الإجراءات التي يمكن البناء عليها:
أولًا، إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تضم المؤسسات المرخصة التي تقدم خدمات الطفولة المبكرة، ووسائل النقل المرخصة لنقل الأطفال، بما يتيح للجهات الرقابية معرفة الواقع الفعلي للقطاع، ويساعد أولياء الأمور في اتخاذ قرارات أكثر أمانًا.
ثانيًا، تنفيذ مسح وطني للمؤسسات والخدمات غير المرخصة.
فلا يكفي أن نفتش المؤسسات الموجودة في السجلات الرسمية؛ المطلوب أيضًا الوصول إلى من يعمل خارج هذه السجلات.
ثالثًا، تشديد الرقابة على نقل الأطفال.
ويشمل ذلك المركبة والسائق والمشرف المرافق، وآلية صعود الأطفال ونزولهم، والتأكد من عدم ترك الطفل داخل المركبة بعد انتهاء الرحلة.
رابعًا، تحديد المسؤوليات بوضوح.
عند التعاقد مع وسيلة نقل، يجب أن تكون مسؤولية التحقق من الترخيص والاشتراطات واضحة، وألا يتحول التعاقد مع طرف خارجي إلى وسيلة للتنصل من المسؤولية.
خامسًا، تفعيل الرقابة الإلكترونية.
فالتحول الرقمي يمكن أن يوفر أدوات بسيطة وفعالة للتأكد من صلاحية الترخيص والفحص والمعلومات الأساسية المتعلقة بالمركبة والسائق، بدل الاعتماد الكامل على الإجراءات الورقية.
سادسًا، إشراك القطاع في تطوير التشريعات والتعليمات.
فالجهات التي تعمل ميدانيًا مع الأطفال تمتلك خبرة عملية يمكن أن تساعد في تحديد الثغرات واقتراح حلول قابلة للتطبيق.
لا نريد أن تتحول كل فاجعة إلى حملة
المطلوب اليوم ليس البحث عن المخطئ فقط، فهذا دور الجهات المختصة، وإنما البحث عن الثغرة التي سمحت بحدوث الخطأ، والعمل على إغلاقها.
فإذا كان هناك شخص يعمل دون ترخيص، علينا أن نسأل: كيف حصل ذلك؟
وإذا كانت هناك حافلة تنقل الأطفال بطريقة مخالفة، علينا أن نسأل: لماذا لم تُكتشف قبل أن تقع الحادثة؟
وإذا كانت هناك اشتراطات واضحة للسلامة، علينا أن نسأل: هل يتم التحقق من تطبيقها بصورة دورية وفعالة؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن تحديد المسؤولية عن الحادث نفسه.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة “ماذا سنفعل بعد الحادث؟” إلى ثقافة “ماذا فعلنا لمنع الحادث؟”
فالدولة القوية ليست التي تعاقب بعد وقوع الخطأ فقط، وإنما التي تمتلك منظومة قادرة على اكتشاف الخلل قبل أن يدفع ثمنه طفل.
وفي قطاع الطفولة تحديدًا، لا يمكن أن تكون الرقابة خيارًا أو إجراءً شكليًا. نحن نتعامل مع فئة لا تستطيع حماية نفسها أو اختيار المكان الذي تتلقى فيه الرعاية، ولذلك تقع مسؤولية مضاعفة على المؤسسات والجهات الرقابية وأصحاب القرار.
إن حماية الطفل تبدأ من الأسرة، لكنها لا تنتهي عندها.
وتبدأ من الروضة، لكنها لا تنتهي عند بوابتها.
وتشمل السائق والمشرف والمؤسسة والجهة المرخصة والجهة الرقابية.
والأهم من ذلك كله، أن حماية الطفل مسؤولية مشتركة، لكن مسؤولية الدولة تبدأ من ضمان أن يعمل الجميع داخل منظومة واضحة، وأن لا يُترك المجال لمن يتغول على القطاعات المنظمة أو يقدم خدمة للأطفال خارج شروط السلامة والترخيص.
رحم الله الطفل، وألهم أسرته الصبر.
ولنجعل من هذه الحادثة المؤلمة نقطة مراجعة حقيقية، لا مجرد خبر آخر يمر ثم ننساه.
فالطفل لا يملك أن يطالب بحقه في الحماية، ولذلك يجب أن نكون نحن صوته وحاملي مسؤوليته.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/05 الساعة 17:03