'فلس التعليم': رهان المستقبل لدعم جامعاتنا الحكومية

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 23:33
مدار الساعة - كتب: الاستاذ الدكتور عدنان محمد الصمادي - في زمن ترتفع فيه كلفة التعليم وتزدحم قاعات الجامعات الحكومية بالآلاف من الطلبة الطامحين، تقف خزينة الدولة وموازنات الجامعات الحكومية في مواجهة فاتورة ضخمة. مختبرات تحتاج تحديثاً، وأبحاث تنتظر تمويلاً، وبنية تحتية تتهالك ببطء. والسؤال الذي يتكرر كل عام: كيف نحافظ على جودة التعليم الجامعي الحكومي دون أن نكسر ظهر الطالب برسوم جديدة؟

هنا يظهر على السطح مقترح بسيط في اسمه، عميق في أثره: صندوق " فلس التعليم".

الفكرة لا تحتاج إلى عبقرية اقتصادية. فلس واحد. نعم، فلس واحد فقط يُقتطع بشفافية من فاتورة هاتفك، أو من لتر البنزين، أو من رسوم خدمة حكومية. مبلغ لا يشعر به المواطن، لكنه إذا تجمع من الملايين يتحول إلى نهر دائم يصب مباشرة في شرايين الجامعات الحكومية.

الهدف ليس شفقة. الهدف استثمار. فالجامعة الحكومية في الأردن ليست مباني فقط، بل هي مصنع للعقول فهي التي تخرج الطبيب الذي يعالجك، والمهندس الذي يبني مدينتك، والباحث الذي قد يجد يوماً حلاً لمشكلة الماء والطاقة. وعندما تضعف الجامعة، يضعف الوطن كله.

ما يميز هذا الصندوق أنه لن يكون "صندوقاً مغلقاً". المقترح أن يُدار ضمن وزارة التربية والتعليم العالي، تحت مظلة مجلس إدارة يضم خبراء وجامعيين وممثلين عن المجتمع. مهمته وضع ضوابط صارمة: أين تذهب الأموال؟ وكيف توزع؟ هل تذهب لجامعات الأطراف المحتاجة لمختبر، أم لجامعة المركز التي تريد تطوير بحث علمي رصين ؟ التقارير المالية ستكون منشورة، لأن الثقة هي وقود هذا الصندوق.

البعض سيقارنه بـ "فلس الريف" الذي أثبت أن الأردنيين مستعدون لدفع فلس إضافي إذا علموا أنه سيبني مدرسة في قريتهم أو يحفر بئراً. "فلس التعليم" هو النسخة المستقبلية من نفس الفكرة. فلس الريف يعالج حاجة اليوم، وفلس التعليم يبني إنسان الغد.

تخيل معي عزيزي الأردني وعزيزتي الأردنية الغيارى على وطنهم وجامعاتهم: بدل أن ننتظر الموازنة العامة كل عام ونطالب بزيادة أو أن نفكر برفع الرسوم الدراسية، أن يصبح للجامعات مصدر دخل مستقر ودائم. تستطيع كل جامعة حكومية أن تخطط لخمس سنوات قادمة. كما تستطيع أن تستقطب باحثاً عالمياً، وأن ترسل طالباً في منحة، أو تشتري جهازاً لم يكن بالحسبان. كما يمكن من خلال هذا الصندوق العظيم امكانية دراسة تمويل " مكرمة أبناء الجسيم" ، وتقديم منح ودعم مباشر للطالب الفقير المتفوق حتى لا يحرم من مقعده الجامعي بسبب الظروف المادية.

الأردن لا يملك نفطاً ولا غازاً، لكنه يملك أغلى ثروة: عقل أبنائه. ودعم هذا العقل لا يجب أن يكون خاضعاً لتقلبات الظروف. "فلس التعليم" هو إعلان صريح بأننا كمجتمع قررنا أن نستثمر في أنفسنا، فلساً فلساً، حتى تصبح جامعاتنا الحكومية قادرة على المنافسة، وعلى تخريج جيل لا يبحث عن وظيفة، بل يصنعها.

ربما نبدأ اليوم بفلس... وغداً نجني وطناً، وجيلاً، وعقولاً نفخر بها في أصقاع المعمورة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 23:33