عندما يصبح المجتمع شريكًا في معرفة عدد سكانه

د. مريم علي اليماني
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 17:02
إذا كنا نبحث عن طريقة أسرع وأكثر كفاءة لمعرفة أعداد السكان في الأردن، فلماذا لا نُشرك المجتمع المحلي والبلديات في هذه المهمة الوطنية؟

فالدولة تمتلك البيانات الأساسية من خلال الأحوال المدنية والجوازات، ومؤسسات الإحصاء، وسجلات الدخول والخروج، لكن المجتمع المحلي يمتلك شيئًا لا تستطيع أي قاعدة بيانات وحدها أن تمتلكه بالدرجة نفسها: المعرفة المباشرة بالمكان وسكانه.

كل بلدية تعرف مناطقها وأحياءها وتجمعاتها السكانية، وتعرف إلى حد كبير طبيعة التغيرات التي طرأت عليها. وإذا جرى تنظيم هذا الدور ضمن منهجية وطنية موحدة، يمكن أن تتحول البلديات من مجرد جهة خدمية إلى شريك حقيقي في بناء قاعدة سكانية محدثة.

لماذا لا يكون كل مكان مسؤولًا عن سكانه؟

يمكن تقسيم المملكة إلى وحدات محلية واضحة، وتكون كل بلدية أو جهة محلية مسؤولة عن جمع وتحديث البيانات السكانية ضمن نطاقها الجغرافي، بالتعاون مع لجان المجتمع المحلي.

ويُسجَّل، وفق الضوابط القانونية، عدد الأسر والأفراد، مع تحديث البيانات المتعلقة بالانتقال والإقامة وغيرها من المتغيرات السكانية.

ثم تُرفع البيانات إلى جهة مركزية مختصة، مثل دائرة الإحصاءات العامة، لتدقيقها ومقارنتها بالسجلات الرسمية.

بهذه الطريقة لا نبدأ من الصفر في كل مرة نريد فيها معرفة حجم السكان، بل يصبح لدينا تحديث مستمر بدل انتظار سنوات طويلة لإجراء تعداد شامل.

المجتمع المحلي يعرف تفاصيل المكان

هناك أحياء تتغير تركيبتها السكانية بسرعة، ومناطق تشهد توسعًا عمرانيًا، وأخرى ينتقل منها السكان إلى مناطق جديدة.

هذه التغيرات قد تحتاج إلى وقت حتى تظهر بصورة كاملة في بعض السجلات الإدارية، بينما يستطيع المجتمع المحلي والبلديات رصدها على أرض الواقع بصورة أسرع.

لكن مشاركة المجتمع لا تعني أن يقوم كل شخص بتقديم معلومات كيفما شاء؛ بل يجب أن تتم العملية من خلال نماذج موحدة، وتدريب للفرق المحلية، وإشراف رسمي، وآليات تدقيق ومراجعة.

من التعداد التقليدي إلى التعداد المستمر

الفكرة ليست استبدال المؤسسات الرسمية بالمجتمع المحلي، وإنما تكامل الأدوار:

الأحوال المدنية توفر السجل الرسمي.

مراكز الحدود توفر بيانات الحركة عبر المعابر.

البلديات تعرف الجغرافيا والسكان على المستوى المحلي.

المجتمع المحلي يساعد في الوصول إلى الواقع الميداني.

ودائرة الإحصاءات العامة تتولى المنهجية والتدقيق والتحليل.

وعندما تلتقي هذه المصادر في قاعدة بيانات وطنية موحدة، يصبح الوصول إلى صورة سكانية أكثر دقة وأسرع تحديثًا أمرًا ممكنًا.

ولكن هناك شرطًا أساسيًا

أي مشروع من هذا النوع يجب أن يكون محكومًا بقواعد واضحة لحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وألا تتحول المشاركة المجتمعية إلى تداول لمعلومات المواطنين أو كشف تفاصيلهم الخاصة.

المطلوب هو معرفة المؤشرات السكانية اللازمة للتخطيط، وليس كشف خصوصيات الناس.

لماذا لا نبدأ بتجربة محلية؟

يمكن للحكومة أن تبدأ بمشروع تجريبي في عدد محدود من البلديات، ثم تقارن النتائج بالبيانات الرسمية، وتقيس سرعة التحديث ودقة النتائج والتكلفة، قبل تعميم التجربة على باقي المملكة.

فإذا نجحت التجربة، نكون قد انتقلنا من مفهوم «التعداد الذي يحدث مرة كل عدة سنوات» إلى مفهوم أكثر حداثة:

«السكان الذين تُحدَّث بياناتهم باستمرار».

إن إشراك المجتمع المحلي في معرفة سكانه ليس مجرد اختصار للوقت والجهد؛ بل هو أيضًا تعزيز للشراكة بين المواطن والدولة، وتحويل المواطن من متلقٍ للخدمة إلى شريك في إنتاج المعرفة التي تُبنى عليها السياسات العامة.

وفي النهاية، فإن السؤال ليس فقط:

كم عدد سكان كل منطقة؟

بل:

هل نعرف سكان مناطقنا بالقدر الذي يسمح لنا بأن نخطط لخدماتهم بعدالة؟

وربما تكون الإجابة الأقرب للواقع هي أن كل مكان يعرف سكانه، وكل بلدية مسؤولة عن نطاقها، وكل البيانات تُراجع مركزيًا ضمن منظومة وطنية واحدة.

فحين تتعاون الدولة والبلدية والمجتمع، يصبح التعداد أسرع، وأقرب إلى الواقع، وأكثر استمرارية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 17:02