من باريس إلى عمّان: مسار الاتفاق الأمني السوري- الإسرائيلي بين التفاهم والتعطيل

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 14:53
مدار الساعة - مريم البطوش (معهد السياسة والمجتمع) - أعاد الاجتماع السوري-الإسرائيلي الذي عُقد في عمّان في 23 آب/أغسطس 2026، باستضافة أردنية ووساطة أميركية، ملف الاتفاق الأمني بين الطرفين إلى الواجهة، وذلك على خلفية الاستهداف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور، وفي سياق تفاهمات سابقة أُعلن عنها في باريس مطلع العام من دون نفاذها إلى اتفاق أمني أو حتى لخطوات عملية قادرة على ضبط السلوك الإسرائيلي -بالحدّ الأدنى-؛ ومن هُنا أتى اجتماع عمّان في سياق التهدئة بين الأطراف، وإدارة التصعيد ولإعادة تشغيل المسار التفاوضي المُتعثِر.

وبذلك تنطلق هذه الورقة من أن قيمة الاجتماع الفعلية مرتبطة بمدى قدرته على تقييد الفعل الإسرائيلي الميداني وربط أي ترتيب أمني بسيادة الدولة السورية، وهو المعيار الذي تتناوله الورقة عبر قراءة المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا، ومعادلة القوة والضعف التي يقوم عليها أيّ اتفاق أمني محتمل، وحدود الرِهان السوري على شبكة المصالح الإقليمية الناشئة حول استقرار سوريا واستعادة الدولة لوظائفها، وأثر التنافس الإسرائيلي-التركي، قبل أن تتوقف عند الجنوب والسويداء بوصفهما الاختبار العملي الأقرب لأي تفاهم مُحتَمل.

اجتماع عمّان: هل تُنشئ غرفة العمليات ما عجزت عنه خلية باريس؟

بحسب ما تسرّب من تفاصيل عن اجتماع عمّان، عقد وفد سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني، وعضوية رئيسَي الاستخبارات العامة والعسكرية، لقاءً مع وفد إسرائيلي رفيع لم يكشف الجانب السوري عن أعضائه[1]، فيما عرّفته تقارير إعلامية برئاسة رئيس الموساد رومان غوفمان.[2] جاء اللقاء على خلفية التصعيد الإسرائيلي المتمثل بقصف مطار أبي الظهور[3] شمال غربي سوريا، وهو قصف تباينت قراءات دوافعه بين اعتباره رسالة إلى تركيا[4]، بالنظر إلى تواجد وفد عسكري تركي في الموقع، وبين كونه رسالة إلى الدولة السورية وذلك لتأطير مجالها الحيوي، وتقييد قدراتها الدفاعية وإعادة بنائها، وتحالفاتها العسكرية وشراكاتها الاستراتيجية. وكذلك، على مستوى الداخل الإسرائيلي، فيُحتمل أن يُوظَّف هذا التصعيد كورقة انتخابية تعبوية تعزّز سردية المَنع الاستراتيجي، وتصوير تركيا كتهديدٍ ناشئ، والقدرة الإسرائيلية على فرض الردع، خصوصاً في ظل المعركة الانتخابية الصعبة التي يخوضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، نتيجة التحالفات التي تشير حتى اللحظة إلى عدم قدرته على تشكيل حكومة في حال فوزه، من دون أن يكون ذلك بالضرورة الدافع الوحيد للعملية.

ناقش الطرفان، بحسب التسريبات، إمكان إنشاء غرفة عمليات خاصة في عمّان بإشراف أميركي لمنع الاحتكاك أو المواجهة داخل سوريا، بما في ذلك التوتر الإسرائيلي-التركي[5]. ويثير هذا الطرح تساؤلاً حول علاقته بخلية الاتصال التي أُعلن عن إنشائها في باريس مطلع كانون الثاني/يناير[6] لتبادل المعلومات وخفض التصعيد ومعالجة الخلافات، والتي أُفيد بأن إسرائيل رفضت تفعيل مركز التنسيق المقترح لها في عمّان.[7] ولا يمكن الجزم بأن غرفة العمليات المطروحة تمثل آلية جديدة أو امتداداً مباشراً لخلية باريس؛ غير أنها تكشف، في الحالتين، أن التفاهمات السابقة لم تتحول إلى إطار عملي قادر على ضبط الميدان.

وعليه، يبدو اجتماع عمّان محاولة سورية-أميركية لإعادة تفعيل أو إنقاذ ترتيب سبق التوافق عليه نظرياً وتعطّل عملياً بفعل الرفض الإسرائيلي، ليسَ كمسارٍ تفاوضي جديد. ومع ذلك، يَكتسب هذا الاجتماع أهمية خاصّة بالنسبة للأردن، إذ أن اطلاع الأردن على مسار التفاوضي، يَحول من النهج الانعزالي الذي من الممكن أن يُنتج تسويات مؤقتة وهشة قد تتم بمعزل عن الرؤية الأردنية، لذلك ترتفع أهمية الاشتباك السياسي والدبلوماسي مع المشهد الحالي في الجنوب السوري وحماية أمنه القومي، وهو ما قد تعول عليه الحكومة الجديدة في سوريا في هذه المرحلة الحاسمة.

المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا ما بعد التحرير

قد يكون المفتاح الأهم في قراءة مسار أيّ اتفاق أمني مُحتَمل، أو نتيجة المسار التفاوضي بين إسرائيل وسوريا، ورفض إسرائيل لإنفاذ التفاهمات السابقة، هو فَهم السلوك والمقاربة الإسرائيلية تجاه الإقليم ما بعد السابع من أكتوبر بشكل عامّ، وتجاه سوريا ما بعد التحرير بشكلٍ خاص. إذ إنّ الواقع العسكري الجديد الذي فرضته إسرائيل في سوريا، من تجاوزٍ لمنطقة فضّ الاشتباك لعام 1974 واستهداف وتدمير للبُنى والمُقدرَات الدفاعية، وما تبعه من توغلاتٍ واعتقالاتٍ وانتهاكات إسرائيلية يومية منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأوّل 2024[8]، يمكن قراءته باعتباره يؤدّي وظيفتين مُتلازمتين: الأولى، تحقيق مكاسب استراتيجية تُتيح لإسرائيل الانتقال من إدارة التهديدات إلى إعادة تشكيل المجال الأمني السوري؛ بما يشمل توسيع حرية الحركة، وتعزيز الردع الاستراتيجي، ونزع السلاح من الجنوب، والإبقاء على ورقة السويداء كورقة ضاغطة. أما الثانية، وهي الأهم في سياق التفاوض، فتتمثل في تحويل هذا التفوق العسكري نقطة انطلاق للمفاوضات، بما يرفع سقف الشروط الإسرائيلية فيها.

وهذا الترابط بين الغايتين هو ما يفسّر لماذا تعجز إسرائيل، رغم كل هذه المكاسب، عن تحويلها إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة ومستدامة، لأنّ فأي اتفاق يعني عملياً تجميد المكاسب ضمن ترتيبات مُلزِمة قد يقيّد سلوكها، وهو ما تتجنبه إسرائيل لأنها لا تزال تقرأ نفسها بمنطق المُهيمن و”فائض القوة” ما بعد السابع أكتوبر، بينما تراهن على إبقاء المكاسب مفتوحة على التوسع، رغم أن مصلحتها الاستراتيجية الفعلية كانت تقتضي عقد اتفاق مع طرف مركزي يحمي حدودها الشمالية ويؤمّنها، بدلاً من الاستنزاف الميداني المستمر.

وتظهر خطورة هذه المُقاربة بصورة أوضح في الجنوب السوري؛ إ أنَّ تكريسها سيُفقد الجنوب السوري وظيفته الجيوسياسية وتحويله عملياً لخاصرة أمنية رخوة يضعف قدرة دمشق على ضبط حدودها الجنوبية، ويفتح المجال أمام ترتيبات محلية وأمنية متداخلة، ويحدّ من قدرة الأردن على بناء مقاربة أمنية مستقرة مع الدولة السورية، وهو ما لا يقتصر أثره على سوريا ما يَعني كارثة للأردن وللإقليم ككل. وللمفارقة، أن المقاربة الإسرائيلية في سوريا بدأت تحل محل المقاربة الإيرانية السابقة في صور متفاوتة؛ رغمَ الفوارق بينَ كِلا المشروعين من حيث الأدوات والأهداف. ولكنها بمعنى أنها تتحول، بدورها، إلى عبء على الإقليم وتصطدم وتتعارض مع بمصالح دوله المختلفة.

الاتفاق الأمني: موازين القوة والضعف، معادلة اللاتكافؤ

تقوم معادلة الاتفاق الأمني على عدم التكافؤ في مصادر القوة والضعف بين الطرفين. فإسرائيل تمتلك تقدماً عسكرياً وميدانياً يتيح لها فرض الوقائع ورفع سقف شروطها التفاوضية. إلّا أن نقطة ضعفها تتمثل في محدودية قدرتها على تحويل هذه المكاسب إلى ترتيبات أمنية وسياسية مستقرة ومستدامة ومقبولة إقليمياً. فضلاً عن أن محاولة تكريس أيّ واقع أمني إسرائيلي أحادي في الجنوب لا ينتج استقراراً، بل ينقل إلى إسرائيل كلفاً سياسية واقتصادية واجتماعية وديموغرافية وأمنية متراكمة، ويحوّل الجنوب من ورقة ضغط مرحلية لصالح إسرائيل إلى عبء طويل الأمد قابل للانفجار في أيّ لحظة.

في المقابل، لا تملك دمشق هامشاً عسكرياً مماثلاً، كما لا تمتلك الحكومة الحالية الشرعية الكافية لاتخاذ قرارات سيادية بهذا الحجم، خصوصاً في المرحلة الانتقالية؛ إذ إن أي تنازل استراتيجي قد يُفضي إلى ردود فعل داخلية تنعكس سلباً على شرعية المرحلة الانتقالية وحكومتها ككل. غير أن هذا القيد عامل قوة لسوريا في ذات الوقت، فتجنّب توقيع اتفاقيات أو اتخاذ قرارات ملزِمة على المستوى الاستراتيجي يجنّب دمشق الارتدادات الداخلية المُحتَمَلة من جهة، لكنه يتيح لها في الوقت ذاته هامشاً للمناورة الدبلوماسية من جهة أخرى قابل للتوظيف تحديداً في ظل التغيرات المستمرة على مسار بناء الجيش السوري وتوسّع شبكة التحالفات، وربما أيضاً في ظل احتمال- وإن كان مستبعداً في المدى المنظور- أن تفرز الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تحوّلاً في السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا. إلاّ أن هذا الهامش يُتيح بمُجمَلِه، يسمح لدمشق بالإبقاء على صيغة تنسيق وتواصل مرنة مع إسرائيل، هدفها تجنّب التصادم المباشر لا حسم الملف نهائياً أو تقديم تنازلات. وإسرائيل، من جهتها، تدرك هذه المعادلة جيداً، وتدرك أن غياب الشرعية الكافية لدى دمشق يحدّ من قدرتها على تقديم تنازلات استراتيجية بقدر ما يحدّ من قدرتها هي على انتزاعها.

ومع ذلك، ترتبط قوة دمشق التفاوضية الفعلية بقدرتها على بناء جيش منضبط، ذي هوية عسكرية واضحة وتسلسل هرمي منظم، ومن ثمّ امتلاك مجالها السياسي والمدني الداخلي عبر التوازن بين السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، بما يُرسخ الاستقرار ويعزّز شرعيتها الداخلية وتنظيم شراكاتها من موقع سيادي. ومن ثمّ، لا تتحدد قيمة الاتفاق الأمني في تثبيت تفوق إسرائيل أو إدارة التوتر القائم، بل فيما إذا كان يفتح مساراً يعيد ضبط المجال الأمني السوري ويمنع تحوّل الجنوب إلى عبء مستدام على جميع الأطراف.

وينعكس هذا اللاتكافؤ بطبيعة الحال على وظيفة الاتفاق كما يفهمها كلّ طرف؛ فواشنطن تنظر له كأداة لخفض التصعيد وتهدئة التوتر، بينما تسعى إسرائيل إلى تحصيل مكاسب استراتيجية تتجاوز اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، فيما تنظر إليه دمشق بوصفه مدخلاً للعودة إلى مرجعية ذلك الاتفاق، وهو في أصله ترتيب أمني. وهذا التباين في تعريف الاتفاق ووظيفته يفسر أن المخرجات الأقرب في المرحلة الحالية هي تفاهمات أمنية جزئية وهشة لإدارة التوتر، لا اتفاق شامل قادر على إعادة ضبط المجال الأمني السوري.

سوريا واتفاق مكّة: بينَ المكاسب التفاوضية والكُلَف الاستراتيجية

كانت أولى زيارات وزير الخارجية السوري، بعدَ الإعلان عن اجتماع عمّان، إلى باكستان[9] حيث أعلن أثناء الزيارة أن دمشق تدرس الانضمام إلى اتفاق مكّة[10]، وتفتح هذه الخطوة احتمال تحسين موقع سوريا في مواجهة المقاربة الإسرائيلية وفي أي مسار تفاوضي مقبل. فاتفاق مكّة بحسب ما أُعلِنَ عنه، ليسَ تحالفاً موّجهاً ضدّ إسرائيل رغمَ سعيها لتصويره خِلافَ ذلك كـ”محورٍ/ناتو سُنيّ” آخِذٍ في التشكُّل، أو حتى ضد إيران، إنّما إطار تنسيقي لإعادة تشكيل القواعد الأمنية، والعلاقات الإقليمية في المنطقة.

ولا تتوقف أهمية الاتفاق على انضمام سوريا إليهِ رسمياً من عدمه، فهي جزءٌ ضمني وإن لم تكن فيه بشكل رسمي أو مُعلَن وذلك لكون سوريا حليف وشريك استراتيجي لكلّ من تركيا والسعودية من جهة، وبأن سوريا اليوم محدد أساسي في الأمن القومي لكل منهما خصوصاً السعودية التي أعادت تعريف أمنها القومي لتصبح سوريا جزءاً أساسياً فيه. ومن ثمّ واستقرار سوريا بات عقدة مركزية في استقرار المشرق، وفي حماية المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية لدول الجوار.

وتكمن فائدته المحتملة لدمشق تحديداً في ثلاثة أبعاد: تحسين موقعها التفاوضي مع إسرائيل، وتوسيع شبكة علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية وانفتاحها خصوصاً في حال اتساعه وانضمام دول أخرى إليه كمصر التي لم تقبل بعد بالحكم الجديد في دمشق، و”تثبيت” ربط استقرار سوريا نفسها بمصالح دول إقليمية متعدّدة.

وتتمثل آلية التأثير الأهم: فأوراق قوة دمشق في هذا المسار ليست عسكرية أصلاً، بل في قدرتها على تحويل شبكة المصالح الإقليمية والدولية الناشئة حول استقرار سوريا واستعادة الدولة لوظائفها إلى قيود استراتيجية فعلية على المقاربة الإسرائيلية[11]. كما حصل في مسألة التهجير من غزّة إلى مصر والأردنّ، ولا يحدث هذا التقييد عن طريق مواجهة عسكرية مباشرة -وهو خيار غير متاح لدمشق أصلاً – إنما عبر رفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأيّ طرف بما فيه إسرائيل، يسعى لتعطيل استقرار سوريا أو تكريس فراغها الأمني.

ومما يزيد من أهمية هذا الرهان وإمكان استثماره لصالح سوريا، التباين المتصاعد بين واشنطن وتل أبيب حول الملف السوري. فهذا التباين لا يعني، بأي حال، نهاية التحالف الاستراتيجي بينهما، لكنه يكشف عدم تطابق مصالحهما وأولوياتهما في سوريا. وبدا ذلك واضحاً في 3 مسائل: رفع العقوبات عن سوريا، الوجود الروسي في سوريا الجديدة، وفي مسألة تعدّد الفاعلين ومناطق النفوذ بما يحول دون مركزية القرار في دمشق.

ويفتح هذا التباين هامشاً أمام سوريا ودول الإقليم للتأثير في كيفية تعريف واشنطن لمصلحتها في سوريا، عبر إبراز تقاطع مصالح حلفائها الإقليميين مع المصلحة الأميركية العليا في استقرار سوريا واستعادة الدولة لوظائفها. ولا يعني ذلك أن واشنطن ستتجه تلقائياً إلى الضغط على إسرائيل، لكن كلما اتسع هذا التقاطع، ارتفعت كلفة استجابة الولايات المتحدة للمطالب الإسرائيلية بمعزل عن مصالح حلفائها، وأمكن تحويل هذا التحالف المصلحي إلى قيود استراتيجية تحدّ من المقاربة الإسرائيلية.

لا يخلو هذا الانضمام -إن تم- من كُلَف بطبيعة الحال؛ في مُقدمتِها احتمال التصعيد الإسرائيلي لمنعه أو تعطيله، خصوصاً أن السلوك الإسرائيلي ما بعد السابع من أكتوبر من خرق وتجاوزٍ قواعد الاشتباك وللأعراف الدبلوماسية، وسياستها الانتهازية القائمة على التوّسع في الحروب. إلّا وأنه من باب الواقعية السياسية، وحدود حِسابات المُمكِن في المرحلة الحالية. لكن الانضمام يمكن، في المقابل، أن يحسّن موقع سوريا التفاوضي مع إسرائيل، وأن يفتح مجالاً لتحسين علاقاتها مع الدول، ولا سيما إذا انضمت سوريا ثم لحقتها دول أخرى إلى الاتفاق. ومن ثمَّ لا تقتصر مفاعيل هذا التحالف، إذا تطور، على الجانبَين الأمني والسياسي؛ إذ يمكن أن تمتد إلى تفاهمات أوسع تشمل “تسريع” مشاريع الربط الإقليمي والتي يشكّل كلّ من سوريا والأردن جزءاً منها. وفي هذه الحالة، بما يضيّق هامش الحركة الإسرائيلية ويزيد عزلتها، خصوصاً أن المشاريع الدولية والإقليمية تتسم بديناميكية عالية في تغيير مساراتها إذا لم تجد بيئة المناسبة لوجستياً، سياسياً، أمنياً.

مع ذلك، فإن اتفاق مكة، وإطاره التنسيقي وأدوار حلفاء سوريا، ما تزال جميعها في طور المخاض؛ إذ لم تتشكل بعد قوة ردع فعلية، ولم تظهر مفاعيل ردعية عملية. والتحدي هنا هو تشبيك هذه المصالح من خلال هذا الإطار بما يجعل كلفة التراجع عنه أو تقويضه أكبر بكثير من كلفة أيّ تغيير، ولا سيما في ظل احتمال التحول في السياسات الأميركية تجاه سوريا في مرحلة ما بعد ترامب.، بما يصنع تحولاً استراتيجياً يصعب التراجع عنه على المدى البعيد. من واقع مؤقت لاستراتيجي يصعب التأثر فيه

غير أن ذلك يضع دمشق أيضاً أمام استحقاقات تحالفية؛ فهي تراهن على قدرتها على دمج هذه المصالح ولعب دور المنسق بينها، لكن التحالفات قد تفرض، في لحظة ما، خيارات لا تعود فيها الخيارات التحالفية رفاهية. وفي المُحصِّلة، يبقى الرهان على توسع هذه الاتفاقات لاحقاً، سواء عبر اتفاق مكة أو عبر دخول دول أخرى إليه وانعكاسه على سوريا. أما في وضعه الحالي، فلا يملك الاتفاق مفاعيل ردعية مكتملة، لكنه يُمثل خطوة ومحاولة لأخذ زمام المبادرة وملء الفراغ، وعدم ترك الإقليم للفراغ الإسرائيلي.

السويداء: العقدة الصعبة القادمة

قد يكونَ أولى ارتدادات هذا الاجتماع في الجنوب السوري إذ أعقبَهُ زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس للجنوب السوري خصوصاً جبل الشيخ وتصريحاته الاستفزازية بعدم التراجع عن المناطق التي احتلّتها إسرائيل[12]، وعلى مستوى السياسي كانت تصريحات الهجري التي وصّفت العلاقة بين الطائفة الدرزية وإسرائيل بالعلاقة العضوية والامتداد التاريخي بينهما [13]، وتُقرأ هذه التصريحات ذات السقف المُرتَفع في العلاقة مع إسرائيل، كمحاولة لرفع/تثبيت موقع السويداء التفاوضي في لحظة يُحتمل فيها بحث تفاهمات سورية-إسرائيلية حول الجنوب. فهي تستبق إمكان إبرام صفقة تُعامل فيها السويداء بوصفها بنداً أمنياً ضمن تفاهم أوسع بين دمشق وتل أبيب، لا طرفاً يُؤخذ موقفه وحساباته في الاعتبار.

وتزداد خصوصية السويداء، رغم التقدم في ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية والإعلان عن حلّ «قسد» والإدارة الذاتية، لأن مقاربتها لا يمكن أن تُستنسخ من نموذج قسد. فهي لم تعد مسألة داخلية سورية فحسب، بل باتت مرتبطة بالتفاهمات الإقليمية والدولية، وبمدى قدرة الحكومة السورية على الوصول إلى تفاهم مع إسرائيل يمنع تحويل الملف الدرزي إلى مدخل لترتيب أمني إسرائيلي في الجنوب. وقد تشكّل خارطة الطريق التي طُرحت في عمّان في العام السابق مرجعية أولية لمسار الحل، مع إمكان إدخال تعديلات على بنودها؛ غير أن نجاحها يظل مرهوناً بقدرة دمشق على إنتاج تسوية داخلية، وبحدود الغطاء الإقليمي المتاح لأي خرق إسرائيلي ميداني جديد.

وبالتالي يبقى المسار السلمي القائم على تسوية تدريجية داخلية واستعادة الدولة دورها في السويداء هو السيناريو الذي يَحول دون تثبيت المقاربة الإسرائيلية في الجنوب، وبما يُعيد محافظة السويداء للسيادة السورية. أما تعثره، فيبقي احتمال الاقتتال الدرزي-الدرزي قائماً، في ظل تنامي الغضب الداخلي وتعدّد القوى المحلية في المحافظة. ولذلك تمثل السويداء الاختبار الميداني الأهم للاتفاق الأمني: فإما أن يفتح الباب أمام استعادة الدولة السورية لمجالها الجنوبي، أو يبقي الجنوب ساحةً لتفاهمات جزئية وهشة، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإسرائيلية والإقليمية.

من حماة إلى أبو الظهور: العلاقات السورية-التركية في مَرمْى الاستهداف الإسرائيلي.

يكشف الاستهداف الإسرائيلي لمطار حماة[14] ثم مطار أبو الظهور، متذرِعةً بذات الأسباب، عن نمط إسرائيلي متكرر، إذ تستهدف إسرائيل دمشق وأنقرة في آن واحد عبر الساحة السورية. فهي تضغط على سوريا لمنع إعادة بناء قدراتها العسكرية وتقييد شراكاتها التحالفية والدفاعية، وفي الوقت نفسه ترسل إلى تركيا رسائل تحدّ من حضورها العسكري وهامش حركتها داخل سوريا. ويعني تكرار هذا النمط أن إسرائيل لا ترى، حتى الآن، كلفة أو قيداً فعلياً يمنعها من إعادة إنتاجه كلما رأت أن التعاون السوري-التركي يتجاوز السقف الذي تقبله.

ويندرج هذا التحوّل ضمن تحوّل أوسع طرأ على المقاربة الإسرائيلية عقب الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران؛ إذ تصاعدت موجة من التصعيد الكلامي والخطابي تجاه تركيا، وهو ما أدّى إلى “انزلاق الجغرافيا” السورية لتضمحل وتصبح ساحة المواجهة الجديدة بين الطرفين. وربما لتمتد إلى مواجهة إقليمية أوسع لا تكون دمشق بالضرورة طرفاً مباشراً فيها.

وتكمن دلالة ذلك في أن اجتماع عمّان لا يختبر فقط إمكان خفض التصعيد القائم، بل قدرته على منع تكرار هذا المسار مستقبلاً. فما لم تتحول التفاهمات إلى ترتيبات تحدّ من حرية إسرائيل في استهداف الشراكات والقدرات السورية، ستبقى العلاقة السورية- التركية عُرضَة لإعادة التنظيم تحت الضغط الإسرائيلي، من حيث مواقع التعاون العسكري وطبيعة القدرات ومستوى الإعلان عنها. وبذلك، تتجاوز المسألة العلاقة الثنائية بين دمشق وأنقرة لتصبح اختباراً لقدرة الدولة السورية على بناء جيشها وتحديد شراكاتها ضمن شروطها السيادية.

استنتاجات وتوصيات

أولاً، اجتماع عمّان ليسَ خرقاً تفاوضياً جديداً، إنما محاولة لإعادة تشغيل تفاهمات سابقة (خلية باريس، ومركز التنسيق المقترح في عمّان)، وهي تفاهمات تعطّلت في مرحلة التنفيذ نتيجة التعنّت والرفض الإسرائيلي؛ فالإشكال ليسَ في غياب الآلية، بل غياب الاستعداد الإسرائيلي للانخراط الجدي فيها. وتكمن ميزة الاجتماع في كونه استجابةً للتصعيد، وفي إضافة تركيا، بما يكشف أن التوتر الإسرائيلي- التركي أصبح جزءاً من المسار الأمني السوري، وأن منع انتقاله إلى الساحة السورية بات أحد مهام هذا المسار.

ثانياً، لا يُقاس نجاح هذا المسار بعقد اجتماع جديد أو الإعلان عن غرفة عمليات، بل بمعيار أدق وأصعب: توقف الضربات والتوغلات والاعتقالات فعلياً على الأرض، وعدم تحوّل أي آلية تنسيق مقبلة إلى غطاء دبلوماسي لإدارة التفوق الإسرائيلي القائم بدل تقييده. فما دامت إسرائيل تقرأ نفسها بمنطق المنتصر و”فائض القوة ما بعد السابع من أكتوبر”، تبقى كل آلية تنسيق عرضة لأن تتحول من أداة لضبط الميدان إلى أداة لتبريره.

ثالثاً، يكشف اختلاف وظيفة الاتفاق عند الأطراف حدوده البنيوية؛ فالولايات المتحدة تنظر إليه بوصفه أداة لخفض التصعيد، بينما تسعى إسرائيل من خلاله إلى تحصيل مكاسب تتجاوز اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، فيما تنظر إليه دمشق مدخلاً للعودة إلى مرجعية ذلك الاتفاق. ولذلك، فإن المخرج الأقرب في المرحلة الحالية ليس اتفاقاً شاملاً، بل تفاهمات أمنية جزئية وهشّة لإدارة التوتر، ما لم يتغير السلوك الإسرائيلي على الأرض.

رابعاً، لم يتحول الرهان الإقليمي بعد إلى قوة ردع فعلية؛ فاتفاق مكة والشراكات الإقليمية الناشئة حوله يمكن أن تحسّن موقع دمشق التفاوضي وتفتح أمامها هامش مناورة حقيقياً، لكنها تبقى، في وضعها الراهن، في طور التشكّل لا التفعيل، وتحتاج إلى تحويل التقاطع المصلحي النظري إلى ترتيبات عملية ملموسة – من ربط أمني إلى ربط اقتصادي وطاقي فعلي- قبل أن تتحول فعلاً إلى قيد استراتيجي على المقاربة الإسرائيلية.

خامساً، تبقى السويداء والشراكة السورية-التركية الاختبارين الأقرب زمنياً والأكثر دلالة: فاستمرار استهداف الجنوب من جهة، وتكرار نمط الضربات المزدوجة على القدرات السورية والحضور التركي من جهة أخرى (حماة، أبو الظهور)، يعني عملياً أن إسرائيل ما تزال في طور توسيع شروطها وترسيخ واقعها الميداني، لا في طور التوجه نحو اتفاق يقيّد حرية حركتها.

خاتمة

يكشف اجتماع عمّان، في نهاية المطاف، أن إسرائيل لا تتعامل مع سوريا بوصفها دولة يمكن التوصل معها إلى تسوية أو صيغة تفاهم، بل بوصفها مجالاً أمنياً مفتوحاً تُدار مخاطره باستمرار دون أن تُغلق ملفاته عمداً. وما دام هذا المنطق قائماً، ستبقى كل آلية تنسيق مقبلة -مهما تعدَّد اسمها وموقعها، من باريس إلى عمّان – عُرضةً للمصير ذاته: تفاهم يُعلَن عنه، ثم يُترك ليتآكل في مرحلة التنفيذ. أما بالنسبة للأردن، فلا يكمن الرهان في انتظار أن تُراجع إسرائيل هذا المنطق من تلقاء نفسها، خصوصاً في ظل حكومة يمينية متطرفة وانزياح إسرائيلي عام نحو اليمين المتطرف، وهو ما يجعل التعويل على تغيّر ذلك عبر الاستحقاقات الانتخابية المقبلة رهاناً مؤقتاً في أفضل الأحوال.

وإنما يكمن الرهان في أن تقوم دول الطوق المحيطة بسوريا – في مقدمتها الأردن، ثم الدول الخليجية التي أعادت تعريف مفهوم أمنها الإقليمي لتصبح سوريا جزءاً منه ومحدِّداً فيه- بدور الوساطة البنّاءة لنزع فتيل الأزمة، عبر شبكة المصالح الإقليمية والدولية الناشئة حول استقرار سوريا وسيادتها ووحدة أراضيها. إذ إن نجاح هذه الاستراتيجية يتجاوز حماية الدولة السورية وحدها، ليسهم في إعادة رسم قواعد الاستقرار الإقليمي، ويحدّ من فرص الاستفراد الإسرائيلي بسوريا – استفراد من شأنه، إن تُرك دون كبح، أن يُضعف قدرة دول الإقليم على الترابط المباشر مع سوريا الجديدة والاستفادة من الفرص الاقتصادية والسياسية والأمنية معها، وأن يُعزز في الوقت ذاته الوجود الإسرائيلي على الحدود الشمالية للأردن تحديداً، وزيادة الضغوط الجيوسياسية المباشرة عليه. وفي المقابل، فإن نجاح هذا الدور الإقليمي يُمكّن الدولة السورية الجديدة من إتمام مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وبالتالي إنجاح المسار الانتقالي واستقرار سوريا ومن ثمّ الإقليم.

[1] “بوساطة أمريكية. سوريا تكشف تفاصيل اجتماع وفدها مع مسؤولين إسرائيليين بالأردن”، الجزيرة نت، 23 آب/أغسطس 2026. https://bitly.cx/COAff

[2] Barak Ravid, “Scoop: Syria and Israel Move to Defuse Tensions after Airbase Bombing,” Axios, August 23, 2026, https://bitly.cx/RTSy1

[3] استهداف مطار أبو الظهور.. سوريا تتهم إسرائيل والمبعوث الأميركي يعرب عن قلقه»، الجزيرة نت، 18 آب/أغسطس 2026. https://bitly.cx/otqN7

[4] رسائل بالنار لأنقرة.. أين تتجه المغامرة الإسرائيلية في سوريا؟»، الجزيرة نت، 20 آب/أغسطس 2026، https://bitly.cx/UY8En

[5] Agence France-Presse, “Syria FM Met Mossad Chief in Jordan on Sunday: Sources to AFP,” Ahram Online, August 23, 2026. https://bitly.cx/FcmUZ

[6] وزارة الخارجية الأميركية، «بيان مشترك بشأن الاجتماع الثلاثي بين حكومات الولايات المتحدة الأميركية ودولة إسرائيل والجمهورية العربية السورية»، 6 كانون الثاني/يناير 2026. https://bitly.cx/wYlE8

[7] مصدر أردني مُطَلّع- حديث سابق فبراير/شباط 2026.

[8] مركز سجل، «تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في أغسطس»، 1 أيلول/سبتمبر 2026، https://bitly.cx/c2L3f

[9] “الأولى منذ 19 عاماً. وزير الخارجية السوري يصل إلى باكستان”، الجزيرة نت، 20 آب/أغسطس 2026، https://bitly.cx/fhkUE.

[10] وزير الخارجية السوري: ندرس الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، تلفزيون سوريا، 21 آب/أغسطس 2026. https://bitly.cx/Xd2ES

[11] ساشا العلو. “حدود المقاربة الإسرائيلية في سورية: شبكة المصالح الإقليمية والدولية كقيد استراتيجي.” مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. 14 أغسطس 2026. https://bitly.cx/oG4r

[12] Clara Nabaa ويورونيوز، «من سوريا. كاتس يؤكد بقاء قواته في جبل الشيخ والمنطقة الأمنية ويبعث برسالة إلى الشرع»، يورونيوز، 25 آب/أغسطس 2026، https://bitly.cx/Xd2ES .

[13] ركان الخضر، «الهجري يتمسك بإسرائيل.. رسائل سياسية تعقّد ملف السويداء»، عنب بلدي، 30 آب/أغسطس 2026. https://bitly.cx/x1Vn

[14] غارات إسرائيلية تستهدف دمشق وحماة وريف حمص»، الجزيرة نت، 2 نيسان/أبريل 2025. https://bitly.cx/pWHwI
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 14:53