الحرب الامريكية الايرانية.. عندما تدفع دول الجوار الثمن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/03 الساعة 21:00
لم تعد الحرب الأمريكية الإيرانية سؤالًا عن موعد النهاية بقدر ما أصبحت سؤالًا عن شكل الحياة في ظل حرب لا تنتهي. ففي طهران، لم يعد السؤال: متى تنتهي الحرب؟، بل: أي يوم من أيامها نعيش اليوم؟. ضربة تتبعها ضربة، وهدنة هشة تنهار، وردّ محسوب يعقبه تصعيد جديد. ومنذ فبراير 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة، عنوانها "الحرب المفتوحة"؛ حرب بلا حدود زمنية واضحة، تتأرجح بين التصعيد والتهدئة، من دون أن تتجه إلى حسم نهائي. ولذلك أصبح سؤال: ماذا بعد؟ أكثر إلحاحًا من سؤال: متى تنتهي؟.
المشكلة ليست في معرفة من سينتصر، بل في معرفة ما إذا كان أي طرف يريد أصلًا الوصول إلى نهاية حاسمة. فالحروب الحديثة لا تنتهي دائمًا بمعاهدة أو استسلام؛ بعضها يتحول إلى وسيلة لإدارة الخصوم واستنزافهم، فتغدو الحرب نفسها حالة مستقرة، ويصبح غياب الحسم جزءًا من الاستراتيجية.
وهذا النمط ليس استثناءً في القرن الحادي والعشرين. فسوريا تعيش نزاعًا منذ 2011، واليمن يتأرجح منذ 2014 بين الهدنات والقتال، والحرب الروسية الأوكرانية، التي بدأت بضم القرم عام 2014 وتحولت إلى غزو واسع عام 2022، ما تزال بلا حسم واضح، فيما يستمر النزاع في الصومال منذ مطلع التسعينيات، وتتجدد الحروب في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ عقود. والقاسم المشترك أن الحرب، حين تتحول من أداة للحسم إلى أداة لإدارة التوازنات، تتوقف عن كونها "حدثًا" وتصبح "حالة" تعيشها الشعوب وتدفع ثمنها عامًا بعد عام.
وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية المثال الأوضح على هذه المعادلة. فالحرب لا تنتهي بالضرورة عندما يتوقف إطلاق النار، وإنما عندما يصبح استمرارها أكثر كلفة من التنازل. لذلك يمكن تصور نهايتها من اتجاهين متعاكسين: إما أن يصل الاستنزاف إلى أوروبا والدول الداعمة لأوكرانيا، فتتراجع قدرتها أو إرادتها على مواصلة الدعم، بما يدفع كييف إلى تسوية تعيدها، بصورة أو بأخرى، إلى دائرة النفوذ الروسي؛ أو أن ينجح الطرف الأوكراني والغربي في استنزاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا إلى درجة يصبح معها استمرار الحرب عبئًا يفوق قدرة موسكو على تحمله. وفي السيناريو الأقصى، قد يتحول الاستنزاف إلى أزمة داخلية تهدد تماسك الدولة الروسية نفسها، وهي دولة تمتد على نحو سُدس مساحة اليابسة في العالم.
ولهذا فإن السؤال في الحروب الطويلة ليس دائمًا: من يربح المعركة؟ بل: من يستطيع تحمل كلفتها مدة أطول؟ وهذه القاعدة تنطبق أيضًا على الحرب الأمريكية الإيرانية. فواشنطن تبدو وكأنها تدير حرب استنزاف أكثر من خوض حرب شاملة: ضربات محددة، وردود محسوبة، وضغط عسكري مستمر، من دون الانزلاق إلى احتلال أو تغيير نظام مباشر. لكن القدرة الأمريكية نفسها ليست بلا حدود، خصوصًا مع ما تشير إليه تقارير أمريكية عن تراجع جاهزية بعض القدرات ومخزونات الذخيرة. لذلك قد تجد واشنطن نفسها بين خيار ضربة حاسمة تختصر الحرب، أو حرب أطول بوتيرة أخف لتجنب استنزاف قدراتها. ومن المرجح، إذا استمرت المواجهة، أن يتحول شكلها تدريجيًا من حرب شاملة إلى صراع منخفض الحدة ومتقطع؛ أي "هندسة استنزاف" أكثر من كونها معركة حسم. ولذلك قد لا يكون السؤال: هل ستستمر الضربات؟ بل: بأي مستوى من القوة ستستمر؟
لكن التحول الأخطر لا يتعلق بواشنطن وحدها، وإنما بقرار طهران توسيع دائرة المواجهة. فإيران لم تعد تحصر ردها في إسرائيل والقوات الأمريكية، بل امتدت ضرباتها إلى الأردن ودول الخليج والسعودية، من دون مبرر سياسي مقنع. صحيح أن طهران تنظر إلى القواعد الأمريكية والمصالح الاقتصادية في الخليج باعتبارها جزءًا من شبكة الضغط عليها، ولذلك تحاول نقل جزء من تكلفة الحرب إلى حلفاء واشنطن وشركائها الإقليميين، لكن هذا الحساب يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.
وتدخل هنا استراتيجية "الإغراق التشبعي"، عبر إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات والصواريخ الأقل كلفة لإجبار الخصم على استخدام منظومات دفاعية باهظة التكلفة. وهي معادلة تستهدف استنزاف الخصم اقتصاديًا وعسكريًا، وتصبح أكثر فاعلية ضد دول محدودة العمق الجغرافي. وفي حال استمرت الحرب، فمن المرجّح أن تبقى بعض دول المنطقة ساحة تنفيس يستخدمها الحرس الثوري كورقة ضغط. لكن استمرارها قد يدفع دول المنطقة من الحياد الحذر إلى الاصطفاف الصريح ضد طهران، وهو ما لا تريده إيران، لأن تصدير أزمتها الداخلية قد ينتهي بإحاطتها ببيئة إقليمية أكثر عداءً. ومن هنا يمكن فهم أهمية المفاوضات التي تقودها باكستان لاحتواء هذا المسار.
وهنا يظهر الأردن بوصفه النموذج الأوضح للثمن الذي يدفعه الجيران دون ذنب. فالمملكة، بقيادة الملك عبدالله الثاني، اختارت سياسة تقوم على التوازن ودعم الاستقرار، والدفع نحو الحلول السياسية وتجنب وتجنب استفزاز أي طرف او الانخراط في محاور الصراع. ومع ذلك وجدت نفسها هدفًا لهجمات إيرانية، لا بسبب مشاركتها في الحرب، وإنما بسبب موقعها الجغرافي وعدم سماحها باستخدام مجالها الجوي لأي طرف.
وهذا الاستهداف غير مقبول على الإطلاق؛ لأنه يتناقض مع الدور الأردني الثابت في الحفاظ على أمن المنطقة، ويهدد بصورة مباشرة مسيرة التنمية والازدهار التي يحرص الأردن على ترسيخها، باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع للتعاون الإقليمي الإيجابي. فعندما تدفع دولة ثمن حرب لم تخترها ولم تكن طرفًا فيها، فإن كلفة الصراع تكون قد تجاوزت أطرافه المباشرة لتثقل كاهل كل من يسعى إلى الاستقرار في جوار مشتعل.
والأمر هنا لا يبدو مجرد خطأ تكتيكي، بل خطأ استراتيجي أيضًا. فالأردن لا يمثل تهديدًا مباشرًا لإيران، ولا يشكل طرفًا أصيلًا في المواجهة الأمريكية الإيرانية. بل إن مصلحة طهران كانت تقتضي إبقاء عمان في موقعها المتوازن والاستفادة من مكانتها في أي مسار للتهدئة. فالملك عبدالله الثاني يمتلك مكانة دينية وتاريخية، وله الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، ويتمتع بحضور واحترام دوليين، وكان يمكن لهذا الرصيد أن يكون قناة سياسية تخدم التهدئة، ووسيط موثوق، بدل أن يصبح الأردن هدفًا للضربات.
وفي هذا السياق، يصعب تجاهل التشابه مع الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين باحتلال الكويت عام 1990. ففي الحالتين يتسع نطاق العداء ليشمل جيرانًا لا علاقة لهم بالصراع الأصلي، اعتقادًا بأن ذلك يعزز الموقف التفاوضي أو يصدر الأزمة إلى الخارج. وكما تحول غزو الكويت إلى زلزال جيوستراتيجي أعاد رسم موازين القوى في المنطقة، فإن استمرار إيران في استهداف دول لم تكن طرفًا في الحرب، يحمل مخاطرة مماثلة. فاستهداف الجيران قد يحقق مكسبًا تكتيكيًا قصير الأجل، لكنه قد يصنع خسارة استراتيجية طويلة الأجل؛ إذ بدل تفكيك التحالفات المحيطة بإيران قد يوحدها، وبدل تصدير أزمتها قد يعيد إنتاجها في بيئة أكثر عداءً لها. ومن هنا تبدو مفاوضات باكستان محاولة لاحتواء مسار قد يتحول من ورقة ضغط إيرانية إلى مأزق استراتيجي.
أما قدرة إيران على الصمود، فهي أكثر تعقيدًا من سيناريو الانهيار السريع أو الانتصار. فمن عناصر قوتها خبرتها الطويلة في العقوبات وما تسميه "اقتصاد المقاومة"، إضافة إلى مخزون نفطي يقدر بنحو 150 مليون برميل جاهز للتصدير قبل قبل بدء الحصار، واحتياطي غاز يقدر بنحو 1200 تريليون قدم مكعب، وهو ثاني أكبر احتياطي عالمي، فضلًا عن إمكانية الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي واستخدام روسيا كممر بديل.
لكن هذه الموارد لا تعني قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل حصار طويل بلا حدود. فاعتماده على الخليج وصادرات الطاقة يجعل الحصار البحري الحقيقي شديد القسوة. كما تشير التقديرات المعلنة إلى أن الضربات عطلت نحو نصف القدرة الصاروخية الإيرانية وألحقت أضرارًا بمرافق إنتاج الوقود الصلب، فيما لا يتجاوز متوسط مخزون الشركات الإيرانية المدرجة في بورصة طهران نحو 96 يومًا في المتوسط. ولذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس انهيار إيران المفاجئ، وإنما تآكل تدريجي لقدرتها على المناورة اقتصاديًا وعسكريًا. إنها تخوض معركة تحمّل أكثر من خوضها معركة انتصار، وكل شهر إضافي من الحرب يستنزف قدرتها على المناورة.
وفي المقابل، تستفيد موسكو وبكين من انشغال الولايات المتحدة واستنزافها في الشرق الأوسط، لأنه يخفف الضغط عنهما في ملفات أخرى، مثل أوكرانيا وتايوان. لكنهما لا تريدان تحويل هذه الفائدة إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن قد تكلفهما أكثر مما تكلف الطرف الأمريكي. ولذلك تبدوان مستعدتين لمساعدة إيران على الصمود، لا لخوض حرب من أجلها.
ومن هنا تأتي فرضية "الصفقة الكبرى" المحتملة بين واشنطن وموسكو، عبر احتمال تراجع روسيا عن بعض دعمها الاستخباراتي لإيران مقابل تنازلات أمريكية في أوكرانيا أو تخفيف العقوبات. لكن ذلك يبقى سيناريو تحليليًا لا حقيقة مؤكدة، وإن حدث فمن المرجح أن يكون عبر تفاهمات محدودة وغير معلنة، لا صفقة شاملة، خصوصًا أن موسكو ما تزال ترى في استمرار الحرب الأوكرانية ورقة تفاوضية مهمة.
وعند جمع هذه العناصر، تبدو أمام المنطقة ثلاثة مسارات رئيسية. الأول، وهو الأقرب حاليًا، استمرار استنزاف طويل بلا حسم، تتخلله ضربات متقطعة وتوسع أحيانًا في الاستهداف الإيراني لدول الجوار، من دون انهيار كامل أو انتصار حاسم؛ أي حرب لا تُخسر بالكامل لكنها لا تُربح أيضًا. والثاني، تصعيد حاد يفرض تفاوضًا مبكرًا إذا أدى استنزاف الترسانة الأمريكية أو الضغط الداخلي إلى تسريع المفاوضات التي تقودها باكستان، بما قد يفضي إلى هدنة أكثر استقرارًا، لكنها ستظل هشة ما لم تُحل خلافات مضيق هرمز والملف النووي. أما الثالث، والأخطر، فهو انزلاق إقليمي أوسع إذا واصلت إيران استهداف دول المنطقة، بما يدفع بعضها إلى تجاوز الحياد والانخراط بصورة أوضح في التحالف المعادي لطهران، فتحول الصراع من مواجهة أمريكية إيرانية إلى حرب إقليمية أشمل.
لكن خلف هذه السيناريوهات كلها يبرز سؤال أكثر عمقًا: ماذا لو لم تكن هذه الحرب مصممة أصلًا لكي تُحسم؟ ماذا لو كانت "الاستدامة" نفسها هي الهدف، لا "النصر"؟ واشنطن تستنزف خصمًا تاريخيًا من دون كلفة احتلال، وطهران تحول الحصار إلى سردية بقاء تبرر بها أزماتها الداخلية، بينما تستفيد موسكو وبكين من انشغال الولايات المتحدة واستنزافها في رمال الشرق الأوسط.
في هذه المعادلة، يربح كل طرف شيئًا صغيرًا كل يوم، وهذا بالضبط ما يجعل الحرب تستمر: لا أحد يخسر بما يكفي ليتوقف، ولا أحد يربح بما يكفي لينهيها. وحدها شعوب المنطقة تدفع الفاتورة الحقيقية لحرب لم تعد بينهما، بل أصبحت عليها جميعًا. وكلما اتسعت الحرب، اتسعت معها دائرة الذين يدفعون ثمنها من دون أن يملكوا قرارها.
وربما يكون السؤال الأخطر في نهاية المطاف ليس: متى تنتهي الحرب؟، بل: هل ما زال أحد من المستفيدين من استمرارها يريد لها أن تنتهي أصلًا؟
المشكلة ليست في معرفة من سينتصر، بل في معرفة ما إذا كان أي طرف يريد أصلًا الوصول إلى نهاية حاسمة. فالحروب الحديثة لا تنتهي دائمًا بمعاهدة أو استسلام؛ بعضها يتحول إلى وسيلة لإدارة الخصوم واستنزافهم، فتغدو الحرب نفسها حالة مستقرة، ويصبح غياب الحسم جزءًا من الاستراتيجية.
وهذا النمط ليس استثناءً في القرن الحادي والعشرين. فسوريا تعيش نزاعًا منذ 2011، واليمن يتأرجح منذ 2014 بين الهدنات والقتال، والحرب الروسية الأوكرانية، التي بدأت بضم القرم عام 2014 وتحولت إلى غزو واسع عام 2022، ما تزال بلا حسم واضح، فيما يستمر النزاع في الصومال منذ مطلع التسعينيات، وتتجدد الحروب في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ عقود. والقاسم المشترك أن الحرب، حين تتحول من أداة للحسم إلى أداة لإدارة التوازنات، تتوقف عن كونها "حدثًا" وتصبح "حالة" تعيشها الشعوب وتدفع ثمنها عامًا بعد عام.
وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية المثال الأوضح على هذه المعادلة. فالحرب لا تنتهي بالضرورة عندما يتوقف إطلاق النار، وإنما عندما يصبح استمرارها أكثر كلفة من التنازل. لذلك يمكن تصور نهايتها من اتجاهين متعاكسين: إما أن يصل الاستنزاف إلى أوروبا والدول الداعمة لأوكرانيا، فتتراجع قدرتها أو إرادتها على مواصلة الدعم، بما يدفع كييف إلى تسوية تعيدها، بصورة أو بأخرى، إلى دائرة النفوذ الروسي؛ أو أن ينجح الطرف الأوكراني والغربي في استنزاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا إلى درجة يصبح معها استمرار الحرب عبئًا يفوق قدرة موسكو على تحمله. وفي السيناريو الأقصى، قد يتحول الاستنزاف إلى أزمة داخلية تهدد تماسك الدولة الروسية نفسها، وهي دولة تمتد على نحو سُدس مساحة اليابسة في العالم.
ولهذا فإن السؤال في الحروب الطويلة ليس دائمًا: من يربح المعركة؟ بل: من يستطيع تحمل كلفتها مدة أطول؟ وهذه القاعدة تنطبق أيضًا على الحرب الأمريكية الإيرانية. فواشنطن تبدو وكأنها تدير حرب استنزاف أكثر من خوض حرب شاملة: ضربات محددة، وردود محسوبة، وضغط عسكري مستمر، من دون الانزلاق إلى احتلال أو تغيير نظام مباشر. لكن القدرة الأمريكية نفسها ليست بلا حدود، خصوصًا مع ما تشير إليه تقارير أمريكية عن تراجع جاهزية بعض القدرات ومخزونات الذخيرة. لذلك قد تجد واشنطن نفسها بين خيار ضربة حاسمة تختصر الحرب، أو حرب أطول بوتيرة أخف لتجنب استنزاف قدراتها. ومن المرجح، إذا استمرت المواجهة، أن يتحول شكلها تدريجيًا من حرب شاملة إلى صراع منخفض الحدة ومتقطع؛ أي "هندسة استنزاف" أكثر من كونها معركة حسم. ولذلك قد لا يكون السؤال: هل ستستمر الضربات؟ بل: بأي مستوى من القوة ستستمر؟
لكن التحول الأخطر لا يتعلق بواشنطن وحدها، وإنما بقرار طهران توسيع دائرة المواجهة. فإيران لم تعد تحصر ردها في إسرائيل والقوات الأمريكية، بل امتدت ضرباتها إلى الأردن ودول الخليج والسعودية، من دون مبرر سياسي مقنع. صحيح أن طهران تنظر إلى القواعد الأمريكية والمصالح الاقتصادية في الخليج باعتبارها جزءًا من شبكة الضغط عليها، ولذلك تحاول نقل جزء من تكلفة الحرب إلى حلفاء واشنطن وشركائها الإقليميين، لكن هذا الحساب يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.
وتدخل هنا استراتيجية "الإغراق التشبعي"، عبر إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات والصواريخ الأقل كلفة لإجبار الخصم على استخدام منظومات دفاعية باهظة التكلفة. وهي معادلة تستهدف استنزاف الخصم اقتصاديًا وعسكريًا، وتصبح أكثر فاعلية ضد دول محدودة العمق الجغرافي. وفي حال استمرت الحرب، فمن المرجّح أن تبقى بعض دول المنطقة ساحة تنفيس يستخدمها الحرس الثوري كورقة ضغط. لكن استمرارها قد يدفع دول المنطقة من الحياد الحذر إلى الاصطفاف الصريح ضد طهران، وهو ما لا تريده إيران، لأن تصدير أزمتها الداخلية قد ينتهي بإحاطتها ببيئة إقليمية أكثر عداءً. ومن هنا يمكن فهم أهمية المفاوضات التي تقودها باكستان لاحتواء هذا المسار.
وهنا يظهر الأردن بوصفه النموذج الأوضح للثمن الذي يدفعه الجيران دون ذنب. فالمملكة، بقيادة الملك عبدالله الثاني، اختارت سياسة تقوم على التوازن ودعم الاستقرار، والدفع نحو الحلول السياسية وتجنب وتجنب استفزاز أي طرف او الانخراط في محاور الصراع. ومع ذلك وجدت نفسها هدفًا لهجمات إيرانية، لا بسبب مشاركتها في الحرب، وإنما بسبب موقعها الجغرافي وعدم سماحها باستخدام مجالها الجوي لأي طرف.
وهذا الاستهداف غير مقبول على الإطلاق؛ لأنه يتناقض مع الدور الأردني الثابت في الحفاظ على أمن المنطقة، ويهدد بصورة مباشرة مسيرة التنمية والازدهار التي يحرص الأردن على ترسيخها، باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع للتعاون الإقليمي الإيجابي. فعندما تدفع دولة ثمن حرب لم تخترها ولم تكن طرفًا فيها، فإن كلفة الصراع تكون قد تجاوزت أطرافه المباشرة لتثقل كاهل كل من يسعى إلى الاستقرار في جوار مشتعل.
والأمر هنا لا يبدو مجرد خطأ تكتيكي، بل خطأ استراتيجي أيضًا. فالأردن لا يمثل تهديدًا مباشرًا لإيران، ولا يشكل طرفًا أصيلًا في المواجهة الأمريكية الإيرانية. بل إن مصلحة طهران كانت تقتضي إبقاء عمان في موقعها المتوازن والاستفادة من مكانتها في أي مسار للتهدئة. فالملك عبدالله الثاني يمتلك مكانة دينية وتاريخية، وله الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، ويتمتع بحضور واحترام دوليين، وكان يمكن لهذا الرصيد أن يكون قناة سياسية تخدم التهدئة، ووسيط موثوق، بدل أن يصبح الأردن هدفًا للضربات.
وفي هذا السياق، يصعب تجاهل التشابه مع الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين باحتلال الكويت عام 1990. ففي الحالتين يتسع نطاق العداء ليشمل جيرانًا لا علاقة لهم بالصراع الأصلي، اعتقادًا بأن ذلك يعزز الموقف التفاوضي أو يصدر الأزمة إلى الخارج. وكما تحول غزو الكويت إلى زلزال جيوستراتيجي أعاد رسم موازين القوى في المنطقة، فإن استمرار إيران في استهداف دول لم تكن طرفًا في الحرب، يحمل مخاطرة مماثلة. فاستهداف الجيران قد يحقق مكسبًا تكتيكيًا قصير الأجل، لكنه قد يصنع خسارة استراتيجية طويلة الأجل؛ إذ بدل تفكيك التحالفات المحيطة بإيران قد يوحدها، وبدل تصدير أزمتها قد يعيد إنتاجها في بيئة أكثر عداءً لها. ومن هنا تبدو مفاوضات باكستان محاولة لاحتواء مسار قد يتحول من ورقة ضغط إيرانية إلى مأزق استراتيجي.
أما قدرة إيران على الصمود، فهي أكثر تعقيدًا من سيناريو الانهيار السريع أو الانتصار. فمن عناصر قوتها خبرتها الطويلة في العقوبات وما تسميه "اقتصاد المقاومة"، إضافة إلى مخزون نفطي يقدر بنحو 150 مليون برميل جاهز للتصدير قبل قبل بدء الحصار، واحتياطي غاز يقدر بنحو 1200 تريليون قدم مكعب، وهو ثاني أكبر احتياطي عالمي، فضلًا عن إمكانية الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي واستخدام روسيا كممر بديل.
لكن هذه الموارد لا تعني قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل حصار طويل بلا حدود. فاعتماده على الخليج وصادرات الطاقة يجعل الحصار البحري الحقيقي شديد القسوة. كما تشير التقديرات المعلنة إلى أن الضربات عطلت نحو نصف القدرة الصاروخية الإيرانية وألحقت أضرارًا بمرافق إنتاج الوقود الصلب، فيما لا يتجاوز متوسط مخزون الشركات الإيرانية المدرجة في بورصة طهران نحو 96 يومًا في المتوسط. ولذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس انهيار إيران المفاجئ، وإنما تآكل تدريجي لقدرتها على المناورة اقتصاديًا وعسكريًا. إنها تخوض معركة تحمّل أكثر من خوضها معركة انتصار، وكل شهر إضافي من الحرب يستنزف قدرتها على المناورة.
وفي المقابل، تستفيد موسكو وبكين من انشغال الولايات المتحدة واستنزافها في الشرق الأوسط، لأنه يخفف الضغط عنهما في ملفات أخرى، مثل أوكرانيا وتايوان. لكنهما لا تريدان تحويل هذه الفائدة إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن قد تكلفهما أكثر مما تكلف الطرف الأمريكي. ولذلك تبدوان مستعدتين لمساعدة إيران على الصمود، لا لخوض حرب من أجلها.
ومن هنا تأتي فرضية "الصفقة الكبرى" المحتملة بين واشنطن وموسكو، عبر احتمال تراجع روسيا عن بعض دعمها الاستخباراتي لإيران مقابل تنازلات أمريكية في أوكرانيا أو تخفيف العقوبات. لكن ذلك يبقى سيناريو تحليليًا لا حقيقة مؤكدة، وإن حدث فمن المرجح أن يكون عبر تفاهمات محدودة وغير معلنة، لا صفقة شاملة، خصوصًا أن موسكو ما تزال ترى في استمرار الحرب الأوكرانية ورقة تفاوضية مهمة.
وعند جمع هذه العناصر، تبدو أمام المنطقة ثلاثة مسارات رئيسية. الأول، وهو الأقرب حاليًا، استمرار استنزاف طويل بلا حسم، تتخلله ضربات متقطعة وتوسع أحيانًا في الاستهداف الإيراني لدول الجوار، من دون انهيار كامل أو انتصار حاسم؛ أي حرب لا تُخسر بالكامل لكنها لا تُربح أيضًا. والثاني، تصعيد حاد يفرض تفاوضًا مبكرًا إذا أدى استنزاف الترسانة الأمريكية أو الضغط الداخلي إلى تسريع المفاوضات التي تقودها باكستان، بما قد يفضي إلى هدنة أكثر استقرارًا، لكنها ستظل هشة ما لم تُحل خلافات مضيق هرمز والملف النووي. أما الثالث، والأخطر، فهو انزلاق إقليمي أوسع إذا واصلت إيران استهداف دول المنطقة، بما يدفع بعضها إلى تجاوز الحياد والانخراط بصورة أوضح في التحالف المعادي لطهران، فتحول الصراع من مواجهة أمريكية إيرانية إلى حرب إقليمية أشمل.
لكن خلف هذه السيناريوهات كلها يبرز سؤال أكثر عمقًا: ماذا لو لم تكن هذه الحرب مصممة أصلًا لكي تُحسم؟ ماذا لو كانت "الاستدامة" نفسها هي الهدف، لا "النصر"؟ واشنطن تستنزف خصمًا تاريخيًا من دون كلفة احتلال، وطهران تحول الحصار إلى سردية بقاء تبرر بها أزماتها الداخلية، بينما تستفيد موسكو وبكين من انشغال الولايات المتحدة واستنزافها في رمال الشرق الأوسط.
في هذه المعادلة، يربح كل طرف شيئًا صغيرًا كل يوم، وهذا بالضبط ما يجعل الحرب تستمر: لا أحد يخسر بما يكفي ليتوقف، ولا أحد يربح بما يكفي لينهيها. وحدها شعوب المنطقة تدفع الفاتورة الحقيقية لحرب لم تعد بينهما، بل أصبحت عليها جميعًا. وكلما اتسعت الحرب، اتسعت معها دائرة الذين يدفعون ثمنها من دون أن يملكوا قرارها.
وربما يكون السؤال الأخطر في نهاية المطاف ليس: متى تنتهي الحرب؟، بل: هل ما زال أحد من المستفيدين من استمرارها يريد لها أن تنتهي أصلًا؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/03 الساعة 21:00