كيف تصالحت مع نفسي القديمة؟

تغريد جميل قرقودة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/03 الساعة 11:03
كلنا لدينا نسخة قديمة من أنفسنا...

نسخة أخطأت، وقالت كلاما ندمت عليه، وثقت بأشخاص لم يكونوا يستحقون، وخافت من أشياء كان عليها أن تواجهها، وهربت أحيانا، واستسلمت أحيانا أخرى، واتخذت قرارات تجعلها اليوم تسأل نفسها: كيف استطعت أن أفعل ذلك؟

لكنني مع الوقت فهمت أن المشكلة لم تكن في النسخة القديمة مني...

المشكلة كانت أنني ما زلت أعاقبها حتى اليوم.

كنت أعود إلى مواقف قديمة، وأتذكرها بكل تفاصيلها، وأقول لنفسي: كيف كنت غبية إلى هذه الدرجة؟ كيف لم أنتبه؟ كيف سمحت لنفسي أن أصل إلى هنا؟

وكأن المطلوب مني أن أظل طوال عمري أدفع ثمن أشياء حدثت وانتهت.

إلى أن جاء يوم سألت فيه نفسي سؤالا بسيطا:

لو أن صديقتي خاضت التجارب نفسها التي خضتها، واتخذت القرارات نفسها التي اتخذتها، فهل كنت سأحدثها بالقسوة نفسها التي أحدث بها نفسي؟

بالتأكيد لا.

كنت سأحتضنها، وأستمع إليها، وأقول لها: لا بأس... كلنا نخطئ، وكلنا نتعلم، وكلنا نتجاوز.

حينها فهمت أنني كنت أمنح الآخرين الرحمة التي كنت أحرم نفسي منها.

ومن هنا بدأت أول خطوة في التصالح...

أوقفت الحرب معها.

توقفت عن التعامل مع نفسي القديمة وكأنها عدوتي، وبدأت أراها كإنسانة كانت تحتاج مني في ذلك الوقت إلى حضن، لا إلى محاكمة.

بعدها حاولت أن أفهمها بدلا من أن ألومها.

لماذا كانت هكذا؟

لماذا خافت؟

لماذا هربت؟

لماذا اتخذت ذلك القرار؟

لماذا صمتت؟

وحين حاولت أن أرى حياتها من المكان الذي كانت تقف فيه آنذاك، اكتشفت أنها لم تكن ضعيفة كما كنت أظن.

كانت خائفة.

وكانت لا تزال تجهل كثيرا من الأشياء التي أعرفها اليوم.

كانت تحاول النجاة بأقل الخسائر، بما لديها من معلومات وخبرة ووعي في ذلك الوقت.

وهنا فهمت شيئا مهما جدا:

لا يجوز لي أن أحاكم إنسانة الأمس بعقل امرأة اليوم.

هي لم تكن تعرف النهاية، وأنا أعرفها.

لم تكن تعرف كيف تخطط، وأنا تعلمت.

لم تكن تعرف أي طريق سيؤلمها، وأنا عشت الألم.

فكيف أطلب منها أن تتصرف بحكمة لم أمتلكها إلا بعد التجربة؟

هي التي أوصلتني إلى هنا.

هي التي علمتني، حتى لو كان التعليم قاسيا.

هي التي دفعت الثمن حتى أتعلم أنا.

لو لم أقع، لما تعلمت كيف أقف.

ولو لم أتجاوز الأخطاء، لما تعلمت كيف أختار الصواب.

ولو لم أنكسر، لما عرفت كم أنا قادرة على أن ألملم نفسي وأعود للوقوف.

ولو لم أخسر بعض الأشياء، فربما لم أكن لأعرف قيمة الأشياء التي بقيت معي.

أحيانا لا يأتي الدرس إلينا على هيئة نصيحة... بل يأتي على هيئة وجع.

وبعد كل هذا، شعرت أنني مدينة لنفسي القديمة بكلمة.

شكرا.

شكرا لأنك صبرت.

شكرا لأنك حاولت، حتى وأنت لا تعرفين إن كانت المحاولة ستوصلك إلى شيء.

شكرا لأنك واصلت، حتى في الأيام التي كنت تظنين فيها أنك لم تعودي قادرة على الاستمرار.

شكرا لأنك تحملت كل الأشياء التي كنت تظنين وقتها أنك لن تستطيعي تجاوزها.

كتبت لها رسالة، وقلت:

"أنا آسفة.

آسفة لأنني قسوت عليك أكثر مما قسا عليك العالم.

آسفة لأنني كلما تذكرت خطأ لك، عدت فعاقبتك عليه من جديد.

أنا اليوم أفهمك أكثر، وفخورة بك.

ربما لم تكوني مثالية، وربما أخطأت كثيرا، لكنك كنت تحاولين، ومهمتك انتهت.

أنت فعلت ما استطعت في وقتك، وأنا سأكمل من هنا.

فكوني مطمئنة... لم يعد عليك أن تحملي معي كل شيء."

ومنذ ذلك اليوم، تغيرت علاقتي بنفسي.

توقفت عن مقارنة نفسي بالمرأة التي كنتها في الماضي، وتوقفت عن محاولة إثبات أنني أصبحت أفضل منها.

أصبحت أعرف أن كل نسخة مني كانت مرحلة، وأن لكل مرحلة سببا.

وصارت لدي قاعدة بسيطة:

أنا لست مطالبة بأن أكون أفضل من غيري... أنا مطالبة بأن أكون أفضل من نسختي بالأمس.

التصالح مع النفس لا يعني أن أنسى.

ولا يعني أن أبرر أخطائي.

ولا يعني أن أقول إن كل ما فعلته كان صحيحا.

التصالح يعني أن أفهم، وأسـامح، وآخذ الدرس، وأمضي.

لأنني إذا ظللت واقفة عند كل مرحلة قديمة، فسأضيع عمري وأنا أعتذر عن امرأة لم تعد موجودة.

اليوم، عندما أتذكر نفسي القديمة، لم أعد أراها عدوة.

أراها إنسانة كانت تمضي بطريقتها، وتتعلم بطريقتها، وتحاول بطريقتها.

وأعرف أنها، بكل أخطائها وخوفها وضعفها، كانت جزءا من الطريق الذي أوصلني إلى المرأة التي أنا عليها اليوم.

نفسي القديمة ليست عدوتي...

هي المعلمة التي دفعت ثمن دروسها، حتى أتعلم أنا.

ولهذا...

أقل ما يمكنني أن أفعله اليوم هو أن أحترمها.

وإذا كان مطلوبا مني أن أكتب لها جملة واحدة فقط، فربما أقول:

"سامحتك... لأنني فهمتك، وفهمتك لأنني عشتك، ولولاك ما كنت وصلت إلى نفسي التي أنا عليها اليوم، ولا إلى كل ما أنا فيه الآن."

والحمد لله على كل شيء أنا فيه اليوم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/03 الساعة 11:03