صاحب 'الأب الغني والأب الفقير' غارق في ديون بمليار و200 مليون دولار

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/02 الساعة 19:52
مدار الساعة -حين يُطرح اسم روبرت كيوساكي، تتبادر إلى الذهن مباشرة صور كتبه التي غيّرت مفاهيم ملايين البشر حول العالم تجاه المال والعمل والحرية الاقتصادية.

غير أن المفارقة الصادمة التي طفت على السطح مؤخراً تتمثل في أن الرجل الذي أمضى عقوداً يعلّم الناس كيفية التحرر من الديون وبناء الثروات الصلبة، يقف اليوم على رأس إمبراطورية ثقيلة محمّلة بديون عقارية وقروض استثمارية تناهز 1.2 مليار دولار، في مشهد يعكس بوضوح الفجوة المعقدة بين النظريات المكتوبة والممارسة الاستثمارية عالية المخاطر في أرض الواقع.

لم يكن كتاب «الأب الغني والأب الفقير» الذي صدر لأول مرة عام 1997، مجرد إصدار عابر في رفوف المكتبات الاقتصادية، بل تحول إلى ظاهرة ثقافية عالمية غيّرت نظرة أجيال كاملة لمفهوم الوظيفة، والمال، والادخار؛ حيث تجاوزت مبيعات الكتاب وسلسلة مؤلفاته اللاحقة 40 مليون نسخة حول العالم، وجرى ترجمتها إلى أكثر من 50 لغة محتلة قوائم الكتب الأكثر مبيعاً لسنوات طويلة.

ويُركز كيوساكي في مؤلفاته، مثل "الرِبع الثاني من التدفق النقدي" و"دليل الأب الغني للاستثمار"، على تفكيك المفاهيم التقليدية للتعليم والتوظيف، داعياً بوضوح إلى الانتقال من خانة الموظف إلى خانة المستثمر، ومؤكداً أن المدارس تعلمنا كيف نعمل من أجل المال بينما يجب أن نعمل على جعل المال يعمل من أجلنا وفق تعريف صارم يفصل بين الأصول التي تضع النقود في الجيب والخصوم التي تسحبها.

وهنا تكمن ذروة المفارقة المثيرة؛ ففي الوقت الذي يحذر فيه كيوساكي قرّاءه باستمرار من مخاطر الديون الاستهلاكية، أقرّ علناً وبكل تحدٍ عبر منصات التواصل الاجتماعي ولقاءاته الإعلامية المتكررة بأنه مثقل بديون تصل قيمتها إلى 1.2 مليار دولار، متركزة بالأساس في الأصول العقارية والنفطية.

ورغم ضخامة هذا الرقم الذي أثار صدمة بين متابعيه، إلا أن شريكته في تأسيس علامة "الأب الغني" كيم كيوساكي أوضحت في مناسبات عديدة أن هذه الالتزامات المالية ليست ديوناً شخصية مطلقة على عاتقه وحده، بل هي قروض ممولة وموزعة على محفظة عقارية ضخمة تضم نحو 1,500 وحدة سكنية مملوكة بالشراكة مع مستثمرين آخرين عبر شركات ذات مسؤولية محدودة (LLC)، حيث تولد هذه العقارات تدفقات نقدية تغطي أقساط الديون وتدر أرباحاً صافية.

يتضمن تاريخ كيوساكي المالي الشخصي انتكاسات كبيرة ففي عام 2012، أعلنت شركته "ريتش جلوبال" إفلاسها بموجب الفصل السابع من قانون الإفلاس الأمريكي، بعد أن حكمت هيئة محلفين بتعويضات قدرها 24 مليون دولار لشركة "ليرنينج أنيكس"، شريكه التجاري السابق، الذي طالب بعائدات غير مدفوعة تعود إلى عام 2002 ورغم هذا الإفلاس، ظل كيوساكي قادرًا على سداد ديونه واستمر في إدارة أعماله.

وعلى الصعيد المقابل، حذر خبراء اقتصاد ومحللون ماليون من المخاطر الكامنة خلف هذا النمط الاستثماري القائم على الاقتراض المفرط، مشيرين إلى أن الاعتماد على الرافعة المالية العالية يضع أي إمبراطورية تحت رحمة تقلبات أسعار الفائدة وهبوط أسواق العقار.

ويرى المحللون أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد كلياً على استقرار التدفقات النقدية، معتبرين أن أي أزمة سيولة مفاجئة أو تشديد نقدي من قبل البنوك المركزية قد تحول "الديون الجيدة" بسرعة إلى عبء كارثي يهدد بالانهيار، تماماً كما حدث مع العديد من كبار المستثمرين العقاريين تاريخياً، بينما تُقدر التقديرات المالية المستقلة صافي ثروته الشخصية الفعلية بين 100 إلى 250 مليون دولار، مما يوضح أن الجزء الأكبر من المليار و200 مليون دولار يعود لقروض ومحافظ تمويلية مشتركة.

ولا تقتصر إثارة مسيرة كيوساكي على الديون العقارية فحسب، بل تمتد لتشمل فلسفته الراديكالية تجاه انهيار النظام المالي العالمي؛ فهو يصف الدولار الأميركي علناً بأنه "ورق مرحاض"، ويدعو باستمرار للتحوط عبر اقتناء الأصول الحقيقية كالذهب والفضة والعملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثريوم، مؤكداً امتلاكه لأطنان من المعادن الثمينة وآلاف الوحدات الرقمية.

وتتكامل هذه الشخصية المثيرة للجدل مع بدايات حياته التي شهدت خدمته كطيار هليكوبتر في حرب فيتنام، ومروره بتجارب إفلاس قاسية وعيشه بلا مأوى لفترة وجيزة قبل صعوده الكبير، وصولاً إلى تعثره القانوني عام 2012 حين أفلست إحدى شركاته التعليمية إثر نزاع قضائي خسره وأُلزم بدفع تعويضات مليونية.

يبقى روبرت كيوساكي نموذجاً استثنائياً لازدواجية الفكر والتطبيق؛ فهو العقل المدبر الذي منح ملايين القُرّاء حول العالم مفاتيح التحرر المالي، وهو ذاته الشخص الذي اختار أن يخوض غمار التجارة بأعلى مستويات المخاطرة المليارية والتحذيرات الوجودية من انهيار العملات.

سواء نظرنا إليه باعتباره عبقرياً استثمارياً يوظف الديون كأداة ذكية استناداً إلى أرقام محفظته العقارية الهائلة، أو رأينا في مسيرته مغامرة خارج حدود الأمان التقليدي تحذر منها المدارس النقدية الكلاسيكية، يبقى مؤلفه الأيقوني علامة فارقة في تاريخ الأدب المالي العالمي، يقرؤه الملايين بحثاً عن الثروة، بينما يراقب المحللون محفظته المليارية بحثاً عن نهاية القصة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/02 الساعة 19:52