مسار توحيد سورية: من سقوط الأسد إلى دمج قسد

د. منذر الحوارات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/01 الساعة 00:05
في الثامن من ديسمبر 2024، سقط حكم بشار الأسد، ودانت دمشق وقصر الشعب لساكن جديد هو أبو محمد الجولاني، الرجل الذي خرج من عمق الفراغ ليملأه، مستنداً إلى القوة الأكثر تنظيماً والأقدر على تحويل الانتصار إلى سلطة، لكن سورية لم تكن موحدة حول القائد المنتصر، بل موزعة بين قوى ومناطق نفوذ وولاءات خارجية، ولذلك وجد الشرع نفسه أمام سؤال شاق: كيف يحوّل قوته والزخم الإقليمي والدولي إلى مسار يعيد توحيد البلاد تحت سلطته؟



لم تكن قوة الزعيم الجديد وفصائله عنصر الحسم الوحيد، بل ساعده في ذلك هبوط معنويات جيش الأسد التي كانت في الحضيض، والفساد الذي استشرى بين ضباطه وجنوده، فيما انشغلت روسيا بحرب أوكرانيا، وانكفأ النفوذ الإيراني بعد الضربات الإسرائيلية، وتراجعت قدرة حزب الله، وامتنعت القوى العربية والغربية عن إنقاذ نظام الأسد، الزعيم الجديد لم يصنع اللحظة كاملة، لكنه كان الأكثر استعداداً لاستثمارها بحنكة.

أما أبو محمد الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام، فقد أظهر قدرة لافتة على تغيير مواقفه بما يلائم حاجاته السياسية واللوجستية، فتحول من قائد مرتبط بالجهادية العابرة للحدود إلى زعيم فصيل سوري فك ارتباطه بالقاعدة، ثم إلى رئيس انتقالي يتحدث بلغة الدولة والسيادة والاستثمار والتوازنات الدولية، لقد أصبح الرئيس احمد الشرع، ولم يكن ذلك مجرد تغيير في الاسم والملابس، بل مساراً بدأ في إدلب، حيث راكم خبرة في الإدارة والأمن والتفاوض وضبط الفصائل المختلفة، فوصل إلى دمشق أكثر استعداداً للحكم.

واجه الشرع دولة مؤلفة من دول عدة، لكل منها سلاحها ومواردها وارتباطاتها، ويذكر مساره بفكرة «الليفياثان» عند توماس هوبز، فالدولة تنشأ لإنهاء تعدد السلاح والسيادات، ولا سيادة فعلية مع وجود جيوش موازية ومعابر مستقلة، لذلك جعل دمج الفصائل وضبط الحدود والساحل والسويداء وشرق الفرات أولوية، غير أن احتكار القوة لا يكتسب شرعيته من القوة ذاتها، بل من حماية جميع السكان، فإذا تحول إلى انتقام جماعي أو عقاب طائفي، هدم العقد الذي يزعم تأسيسه.

وخلال أقل من عامين، حل الشرع هيئة تحرير الشام والفصائل رسمياً ودمجها في وزارة الدفاع، واعتمد إعلاناً دستورياً انتقالياً، وشكّل مؤسسات تنفيذية وتشريعية، ونقل سورية من العزلة إلى الاعتراف العربي والدولي، كما رُفع اسمه واسم الهيئة من قوائم الإرهاب، وزار البيت الأبيض، وانضمت سورية إلى التحالف ضد تنظيم الدولة، ثم رُفعت من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستعاد معظم موارد ومعابر شرق الفرات، وصولاً إلى حل قسد ودمج وحداتها وتعيين قائدها مظلوم عبدي مستشاراً رئاسياً.

لم يكن قبول الولايات المتحدة ودول الإقليم بالشرع عبثياً، فتركيا تريد إنهاء أي كيان مسلح مرتبط بحزب العمال الكردستاني، والدول العربية تريد قطع طريق النفوذ الإيراني وتهريب الكبتاغون واستعادة سورية إلى عمقها العربي، بينما تريد واشنطن منع عودة «داعش» وضبط سجون عناصرها، واستعادة سورية حليفاً لأميركا، ويريد الأردن والعراق حدوداً قابلة للضبط ودولة جارة مستقرة، الجميع يحتاج إلى عنوان مركزي يمكن التفاوض معه، بعدما أدرك أن كلفة تفكك سورية أعلى من كلفة التعامل مع الشرع.

لكن المسيرة لم تكن مفروشة بياسمين دمشق، ففي الساحل، حوّلت انتهاكات تشكيلات غير منضبطة عملية ملاحقة شبكات النظام السابق إلى أزمة ثقة طائفية، ورغم احتواء التمرد، لم تتحقق مصالحة سياسية واجتماعية، وقد يكون الهدوء انتقالاً من التمرد المفتوح إلى الاحتقان الصامت، وفي السويداء، أضعفت الانتهاكات رواية دمشق، وأتاحت لإسرائيل تقديم تدخلها بوصفه حماية للدروز، فيما تسعى عملياً إلى إبقاء سورية مقيدة، بجنوب منزوع السلاح ومجال جوي مفتوح ومنطقة عازلة تمنع اقتراب القوات السورية أو تمدد النفوذ التركي.

أما في شرق الفرات، فلم يستخدم الشرع القوة لتحقيق نصر كامل أو فتح حرب عربية كردية، بل لتغيير ميزان التفاوض، وأدرك مظلوم عبدي بدوره أن صفقة مبكرة أفضل من خسارة الأرض والموارد، بعدما تراجعت الضمانة الأميركية، ورفضت تركيا استمرار البنية العسكرية لقسد، وانفضت عنها قوى عربية، فحصل الكرد على اعتراف رسمي وثقافي، وأصبحت الكردية لغة وطنية، واحتفظت ألوية قسد بتماسك نسبي داخل الجيش، فيما دخل عبدي منظومة القرار في دمشق.

ومع ذلك، تبقى مشكلة مؤجلة: فقد دخلت تشكيلات هيئة تحرير الشام والجيش الوطني وقسد مؤسسات الدولة محتفظة بكوادرها وتسلسلها وروابطها المناطقية والخارجية، قد تجمعها الراية والملابس، لكن ولاءها المركزي ما يزال موضع اختبار، فالزي الواحد لا يصنع جيشاً وطنياً، ما لم تصبح المؤسسة أقوى من الفصيل.

لقد نجح الشرع في جمع جزء كبير من الجغرافيا السورية، مرة بالقوة وأخرى بالتسويات، لكن توحيد سوريا فعلياً يتطلب أن يكون القانون أقوى من السلاح، والمؤسسة أقوى من الرئيس، والمواطنة أقوى من الطائفة والولاء الخارجي، لقد بُني مركز قوي منذ سقوط الأسد حتى دمج قسد، لكن الطريق إلى الدولة الوطنية ما يزال طويلاً، وهو الجزء الأصعب من الطريق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/01 الساعة 00:05