قراءة في ملف الإعلام الاردني

بلال حسن التل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/31 الساعة 22:27
مازال الإعلام منذ عقود, نلفا ساخنا أمام الدولة الأردنية, بعد أن كان أحد أهم أدواتها وأسلحتها, سواء في معركة البناء, عبر ترجمة مضامين خطط التنمية, وقبل ذلك في مجال بناء الرأي العام وتحشيده, حول مواقف الدولة, وشرح سياساتها, والدفاع عن ذلك كله أمام حملات التشكيك, فقد شكل الإعلام الأردني في مراحل سابقة سلاحاً من أسلحة الدولة ومكوناً من مكونات قوتها الناعمة, وكانت أجهزة الإعلام الاردني كتيبة أردنية متقدمة, تجسد بمقالاتها وتحليلاتها وأغانيها وبرامجها وتعليقاتها, الشخصية الوطنية الأردنية, وتحفظ الهوية الوطنية الأردنية, فلماذا تحول الإعلام إلى مشكلة للدولة الأردنية, نتحدث عنها منذ عقود طويلة, ولا نستطيع حلها؟ وهل مشكلة الإعلام واستعصانها على الحل, هو جزء من مؤامرة لإغراق الدولة الأردنية في أزمات ومراكمة هذه الازمات, ومن ثم تجريد الدولة من أسلحتها وأدواتها؟ بعد ان تعزز دور الإعلام كواحد من أهم مكونات قوة الدول في العصر الحديث كما أن الإعلام جزء أساسي من التاريخ الوطني, ومصدر هام من مصادر توثيق هذا التاريخ.

قد يقول القائل أن من أسباب أزمة الإعلام الأردني, تراجع دور الإعلام التقليدي لحساب الإعلام الحديث, وهذا فهم سطحي للمشكلة, فالثورة في وسائل الإتصال, أدخلت تطوراً في الأدوات, فدخل الفيسبوك والتوتير واليوتيوب في منافسة الراديو والتلفزيون, لكن مشكلة الإعلام الأردني الرئيسية ليست في الأدوات, لكنها في السياسات والمضامين والرسائل, التي يجب أن ينقلها, وهذا التسطيح لمشكلة الإعلام, يقوم على خلط بين إعلام الدولة, وما يحتاج إليه من مؤسسية ومهنية وثقافة, وقدرة على التحليل, وإحساس بالمسؤولية, وبين مواقع التواصل في معظم الاحيان وما تحمله من خفة وجهل وتسرع, لذلك كان من جوانب التحدي الذي تواجهه الحكومة هو ضبط أدوات التواصل الاجتماعي, من خلال تشريعات حازمة لحماية المجتمع من الجهل. وكرامات المواطنين والمؤسسات من الإساءة والاغتيال المعنوي للشخصيات.

كما إن التذرع بأدوات التواصل الاجتماعي, كسبب من أسباب تراجع الإعلام الأردني, يقودنا إلى أحد أسباب هذا التراجع, وهي الخلط بالمفاهيم, وأول تجليات هذا الخلط تحول الإعلام إلى مجرد مشروع تجاري, وصار الكثيرون من العاملين فيه لا يفرقون بين العمل الإعلامي المهني وبين العلاقات العامة والتسويق, حيث تزايد عدد الصحف والمواقع الالكترونية والفضائيات. والإذاعات العاملة في الأردن, دون أن تحمل الهوية الأردنية, بل لقد صارت معظم هذه الوسائل تعمل على تشويه صورة الأردن, من خلال إبراز السلبيات وتضخيمها, كما صارت هذه الوسائل توظف لاغتيال الشخصية الوطنية الاردنية من خلال الاغتيال المعنوي لرموزها من الرجال والمؤسسات.

ان تحول الإعلام إلى مفهوم تجاري إن جاز في الإعلام الخاص, فلا يحوز في الإعلام الرسمي, فدور الإعلام كسلاح من أسلحة الدولة, يجب أن يحميه من النظرة التجارية وحسابات الربح والخسارة ومفهوم الإرتزاق.



مشكلة أخرى يعاني منها الإعلام الأردني, هي التعامل مع مؤسسات الإعلام كمؤسسات للتوظيف, ينطبق عليها ما ينطبق من شروط التوظيف في سائر دوائر ومؤسسات الدولة, وهذا خلل لابد من علاجه, لإن الإعلامي يجب أن يتصف بصفات متميزة من حيث سعة الثقافة والقدرة على بناء الخبر ونقله, ومن حيث التحليل.

لم يتوقف الخلط بالمفاهيم عند النظر إلى الإعلام كمشروع تجاري, وأنه مجرد وظيفة, بل أمتد إلى معظم مضامينه وأخطرها الخلط بين حرية الرأي والنقد وبين التشهير والابتزاز, وبين حق الحصول على المعلومات وبين تسريب أسرار الدولة ووثائقها, وبين حقوق الإنسان والتطاول على الدولة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/31 الساعة 22:27