الحزب الذي نريده.. مؤسسة تصنع الفرق لا موسمًا انتخابيًا

المحامي حسام حسين الخصاونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/31 الساعة 10:08
لم تعد الحياة الحزبية في الأردن أمام سؤال هل نحتاج إلى الأحزاب؟ فقد حسم مسار التحديث السياسي هذا السؤال وأصبحت الأحزاب جزءًا أساسيًا من مستقبل الحياة السياسية والبرلمانية لكن السؤال الأهم اليوم هو أي أحزاب نريد؟

نريد أحزابًا لا تقيس قوتها بعدد المنتسبين أو المقاعد فقط بل بقدرتها على بناء مؤسسة سياسية حقيقية وإنتاج قيادات جديدة وتقديم برامج قابلة للتطبيق والوجود بين الناس وقضاياهم

فالحزب ليس مقرًا ولا شعارًا ولا مجموعة أشخاص تلتف حول شخصية مهما كان حضورها بل مؤسسة تستمر بتغير الأشخاص وتمتلك رؤية وبرنامجًا وقواعد واضحة لصناعة القرار وتداول المسؤولية

ومن هنا فإن التحدي هو الانتقال من حزب الأشخاص إلى حزب المؤسسة ومن حزب الانتخابات إلى حزب المجتمع ومن الشعارات إلى البرامج والحلول

المواطن اليوم أكثر وعيًا من أن تقنعه الشعارات وحدها فعندما نتحدث عن البطالة والتعليم والاقتصاد والزراعة والخدمات من حقه أن يسأل ماذا تقترحون؟ وما البديل؟

فالحزب الذي يريد أن يكون شريكًا في صناعة الحكومات مستقبلًا عليه أن يبدأ من اليوم بالتصرف باعتباره مشروعًا للبرامج وتحمل المسؤولية لا منصة للاعتراض فقط وأن يعمل في مختلف الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية وأن يبني علاقاته مع المؤسسات والكفاءات والفعاليات المجتمعية

وفي حزب الإصلاح هذا هو النموذج الذي نسعى إلى بنائه

لا نريد أن يكون نجاحنا في زيادة عدد المنتسبين فقط بل نريد أن نسأل أنفسنا كم قيادة جديدة صنعنا؟ كم شابًا وامرأة منحنا فرصة حقيقية؟ كم قضية للمواطن تبنينا؟ وكم حلًا وبرنامجًا قدمنا؟

فالشباب والمرأة ليسوا أرقامًا في سجلات العضوية ولا حضورًا شكليًا في الفعاليات بل شركاء في صناعة القرار وإنتاج جيل جديد من القيادات

وفي الوقت نفسه فإن بناء القيادات الجديدة لا يعني تجاوز أصحاب الخبرة والحكمة بل الاستفادة من تجربتهم ومعرفتهم وإشراكهم في صناعة الرؤية وتوجيه الأجيال الجديدة فالحزب القوي هو الذي يجمع بين حماس الشباب وخبرة الكبار ويصنع من هذا التكامل قوة واستمرارية للمؤسسة

كما أن قوة الحزب لا تقاس بأعضائه وحدهم فالمؤازرون والأصدقاء والمتعاطفون والمؤمنون بفكرته وبرنامجه يمثلون امتدادًا اجتماعيًا وسياسيًا مهمًا وجسرًا بين الحزب والمجتمع والحزب الناجح لا يبني أعضاء فقط بل يبني الثقة والعلاقات والأصدقاء ويوسع دائرة المؤازرين له

والسياسة ليست خصومة دائمة والاختلاف في موقف لا يعني إغلاق أبواب الحوار والتعاون فالحزب القوي يبني الجسور ويتواصل مع مختلف الاتجاهات ويتفق حيث تكون المصلحة الوطنية ويختلف بمسؤولية عندما تختلف المواقف

كما نؤمن بأن القرب من الحكومة لا يعني الصمت عن الخطأ والنقد لا يعني الوقوف ضدها

فالحزب الوطني الحقيقي يدعم القرار عندما يراه في المصلحة الوطنية وينتقد الحكومة عندما يرى خللًا أو تقصيرًا ويقدم البديل عندما يعترض

فالمعارضة ليست غاية والتأييد ليس غاية والمصلحة الوطنية هي المعيار

إن التحديث السياسي وضع الأحزاب أمام فرصة تاريخية وأمام اختبار حقيقي في الوقت ذاته فالتشريعات تستطيع أن تفتح الأبواب أمام الأحزاب لكنها لا تستطيع أن تمنحها ثقة الناس

الثقة لا يمنحها قانون ولا يصنعها قرار بل يبنيها الحزب بعمله ومواقفه وحضوره بين الناس

ولهذا فإن طموحنا في حزب الإصلاح ليس أن يعرف المواطن اسم الحزب فقط بل أن يعرف ماذا فعل وماذا قدم وأين وقف وما الحل الذي طرحه

نريد حزبًا يسمعه المواطن في البرلمان ويراه في المحافظات ويجد شبابه في الجامعات ويستفيد من خبرة وحكمة أصحاب التجربة ويلمس مواقفه في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية

وفي النهاية فإن السؤال الذي يجب أن تسأله الأحزاب لنفسها ليس فقط كم أصبح عددنا؟

بل ما الفرق الذي صنعناه؟

لأن مستقبل الأحزاب في الأردن لن تحدده الشعارات ولا الأرقام بل الثقة التي تبنيها والقيادات التي تصنعها والخبرات التي تستثمر فيها والعلاقات التي تؤسسها والمواقف التي تتخذها والحلول التي تقدمها والأثر الذي تتركه في حياة الناس.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/31 الساعة 10:08