العودة الطوعية للسوريين وإشكالية التعليم

د . زايد حماد غيث
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/30 الساعة 12:09
في استطلاع للرأي أُجري بناءً على طلب إحدى المؤسسات الخليجية الداعمة للأيتام السوريين في الأردن، بهدف التعرف إلى مواقف الأسر المستفيدة من العودة الطوعية إلى سوريا أو الاستمرار في الإقامة في الأردن، شمل الاستطلاع 100 أسرة من الأسر السورية المكفولة لدى المؤسسة.

ورغم أن الاستطلاع لا يمثل بالضرورة جميع اللاجئين السوريين في الأردن ، فإن نتائجه تقدم مؤشرًا جديرًا بالتأمل ، إذ أظهرت أن 98% من الأسر المستطلعة لا ترغب في العودة الطوعية إلى سوريا في الوقت الراهن .

وقد تم توضيح أن الغاية من الاستطلاع هي الدراسة والتخطيط فقط ، وتضمن مجموعة من البيانات الأساسية ، مثل اسم المستجيب ، ورقم الهاتف ، وعمر الأم أو الوصي ، وعدد الأبناء في الأسرة ، ثم طرح السؤال المحوري :

هل لديكم الرغبة في العودة الطوعية إلى سوريا ؟

وفي حال كانت الإجابة بـ« نعم » ، سُئل المشاركون عن الإطار الزمني المتوقع للعودة ، سواء خلال عام 2026 ، أو عام 2027، أو بعد ذلك .

أما من أجابوا بـ« لا » ، فقد طُلب منهم تحديد أبرز أسباب عدم الرغبة في العودة ، ضمن مجموعة من الخيارات شملت: الأسباب الاقتصادية ، والتعليمية ، والاجتماعية ، والأمنية ، أو جميع ما سبق .

أظهرت النتائج أن الأسباب التعليمية جاءت في مقدمة المبررات التي تقف وراء عدم الرغبة في العودة ، تلتها الأسباب الاقتصادية والاجتماعية .

ولفهم هذه النتيجة بصورة أعمق ، عُقد بعد انتهاء الاستطلاع لقاء وجاهي مع عدد من الأسر، للوقوف على المبررات والتحديات التي تقف وراء مواقفها .

وكانت الإشكالية التعليمية الأكثر وضوحًا .

فالكثير من أبناء الأسر المستفيدة التحقوا بالمدارس الأردنية منذ الصفوف الأولى ، وأصبحوا جزءًا من منظومة تعليمية اعتادواعليها ، الأمرالذي يجعل الانتقال المفاجئ إلى نظام تعليمي ومناهج مختلفة تحديًا حقيقيًا أمام الأسر والطلبة .

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا بالنسبة إلى الطلبة الذين وصلوا إلى مراحل دراسية متقدمة ، ولا سيما طلبة الثانوي والتوجيهي ، إذ إن الانتقال في هذه المرحلة قد يفرض عليهم التكيف مع نظام تعليمي مختلف في وقت حساس من مسيرتهم الدراسية .

أما طلبة الجامعات ، فالمسألة تبدو أكثر تعقيدًا ؛ فالكثير منهم التحقوا بالجامعات الأردنية وقطعوا شوطًا من دراستهم ، وبعضهم لم يتبقَّ له سوى سنوات محدودة للتخرج ، مما يجعل العودة في هذه المرحلة مرتبطة بسؤال آخر :

ماذا سيحدث لمسارهم الجامعي ؟ وهل يمكنهم الانتقال بسهولة إلى الجامعات السورية ، وما الذي سيُحتسب لهم من سنوات دراسية ومواد أكاديمية ؟

وهنا يتحول التعليم من مجرد خدمة أساسية إلى عامل رئيسي في اتخاذ قرار العودة أو البقاء.

إذا كان التعليم يمثل إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى الأسر السورية ، فإن العامل الاقتصادي يبقى في النهاية بوابة واسعة يمكن أن تعبر منها معظم الملفات الأخرى .

فقد تحدث عدد من الأسر عن تواصلهم المستمر مع أقاربهم في سوريا ، وما ينقلونه من صعوبات تتعلق بتوفير الموارد المالية وسبل العيش ، إضافة إلى تحدٍ بالغ الأهمية يتمثل في توفير المسكن ، في ظل ما خلفته سنوات الحرب من دمار واسع .

ومن الطبيعي أن تتردد الأسرة في اتخاذ قرار العودة إذا لم تجد أمامها الحد الأدنى من مقومات الاستقرار : مسكن آمن ، ودخل يوفر متطلبات الحياة ، ومدرسة لأبنائها ، وخدمات أساسية تساعدها على بناء حياة مستقرة .

ولهذا فإن تحسين الظروف الاقتصادية لا يعني معالجة مشكلة واحدة فحسب ، بل قد يكون مفتاحًا لمعالجة سلسلة طويلة من الإشكالات المرتبطة بقرار العودة .

أما البعد الاجتماعي، فهو أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في أرقام الاستطلاعات.

فبعض الأسر فقدت الأب أو الأم أو عددًا من الأقارب خلال سنوات الأزمة ، وأصبح قرار العودة مرتبطًا أيضًا بذكريات الفقد وتجارب إنسانية قاسية لا يمكن تجاهلها .

وفي المقابل ، هناك أبناء وُلدوا في الأردن ، ونشؤوا فيه ، وتعلموا في مدارسه ، وبنوا علاقاتهم الاجتماعية داخله .

وهنا تظهر مفارقة إنسانية عميقة :

الوطن الذي ينتمي إليه الأبناء بالهوية والجذور، وموطنٌ آخر ارتبطوا به بالميلاد والذكريات والتعليم والعلاقات .

وبين الوطن الأم وموطن الولادة ، تقف الأسرة أمام قرار لا تحكمه الحسابات السياسية وحدها ، بل تتداخل فيه الذاكرة والانتماء والمستقبل ومصلحة الأبناء .

من المهم أن ندرك أن العودة الطوعية لا تعني مجرد الانتقال من بلد إلى آخر، وإنما هي قرار يتعلق بإعادة بناء حياة كاملة .

وبعيدًا عن نتائج هذا الاستطلاع المحدود ، فإن تجربة اللجوء السوري في الأردن تستحق في تقديري ، دراسة علمية وأكاديمية مستقلة ترصد مختلف جوانبها الإنسانية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية .

فالأردن ، رغم محدودية موارده والإمكانات المتاحة أمامه ، تعامل مع قضية اللجوء السوري باعتبارها قضية إنسانية قبل أن تكون مجرد ملف سياسي أو أمني .

وما قدمه الأردن خلال سنوات اللجوء يمثل تجربة إنسانية جديرة بالتوثيق والدراسة .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/30 الساعة 12:09