الكويت تُعيد رسم خرائط الأمن الخليجي.. دبلوماسية هادئة تُنوّع الحلفاء وتقرأ المستقبل

أ.د. محمد تركي بني سلامة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 22:54
في السياسة الدولية، لا تُقاس أهمية الاتفاقيات بما تحمله من عناوين فقط، بل بالتوقيت الذي تُوقَّع فيه، والبيئة الاستراتيجية التي تحيط بها، والرسائل التي تحملها إلى الحلفاء والخصوم معاً. ومن هذه الزاوية تحديداً، ينبغي قراءة اتفاقية التعاون الدفاعي والعسكري بين الكويت وباكستان، التي عادت إلى واجهة المشهد الإقليمي في لحظة تشهد فيها منطقة الخليج تحولات أمنية غير مسبوقة.

ومن المهم، ابتداءً، ضبط المصطلحات وعدم تحميل الاتفاقية أكثر مما تحتمل قانونياً. فالاتفاق الكويتي–الباكستاني هو اتفاق للتعاون الدفاعي والعسكري، وليس «معاهدة دفاع مشترك» بالمعنى الذي يجعل الاعتداء على أحد الطرفين اعتداءً تلقائياً على الآخر. وهذا فارق جوهري. لكن هذا التوصيف القانوني لا ينتقص من أهميته السياسية؛ إذ إن توقيته وسياقه يجعلان دلالاته الاستراتيجية أكبر بكثير من مجرد برنامج تقني للتدريب أو تبادل الخبرات. وقد أفادت تقارير حديثة بالفعل بتوقيع الكويت وباكستان اتفاقاً للتعاون العسكري في سياق اتساع الدور الأمني الباكستاني في المنطقة.

دبلوماسية الكويت: الهدوء الذي يعرف أين يضع أقدامه



للكويت مدرسة دبلوماسية تستحق الإشادة؛ فهي دولة صغيرة نسبياً من حيث المساحة والسكان، لكنها استطاعت، على مدى عقود، أن تعوض محدودية القوة المادية بدبلوماسية متوازنة، وقدرة لافتة على تجنب الاستقطاب الحاد، والمحافظة على قنوات مفتوحة مع القوى المتنافسة.

والاتجاه نحو توسيع التعاون الدفاعي مع باكستان يعكس هذا النهج. فالكويت لا تدير ظهرها للولايات المتحدة، ولا تبدو في وارد استبدال شراكتها الأمنية التاريخية مع واشنطن، وإنما تتحرك وفق قاعدة أكثر واقعية: الحليف الواحد لم يعد كافياً في إقليم شديد التقلب.

هذه ليست سياسة فك ارتباط مع الولايات المتحدة، بل سياسة تنويع استراتيجي؛ أي إضافة خيارات جديدة إلى الخيارات القائمة، وتوسيع هامش الحركة الكويتية في عالم يتجه بصورة متسارعة نحو تعددية القوة والتحالفات.

وهنا تظهر براعة الدبلوماسية الكويتية: فلا قطيعة مع واشنطن، ولا خصومة مع طهران، ولا اندفاع إلى محاور مغلقة، وإنما بناء شبكة أوسع من الشراكات بما يحمي الأمن الوطني ويمنح الدولة قدرة أكبر على المناورة.

باكستان... من شريك تقليدي إلى لاعب في معادلة أمن الخليج



الدلالة الثانية تتجاوز الكويت إلى التحول الجاري في موقع باكستان نفسها.

فإسلام آباد لم تعد تقدم نفسها للخليج باعتبارها دولة آسيوية صديقة تمتلك جيشاً كبيراً فحسب، وإنما تتجه تدريجياً نحو ترسيخ موقعها بوصفها شريكاً استراتيجياً في منظومة الأمن الإقليمي.

ففي 17 سبتمبر/أيلول 2025، وقّعت السعودية وباكستان «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل»، التي نصت على اعتبار أي اعتداء على أحد البلدين اعتداءً عليهما معاً.

ثم جاءت النقلة الأكبر في 7 أغسطس/آب 2026 عندما وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص صراحة على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، ويهدف إلى تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي.

ومن هنا، يصبح التقارب الدفاعي الكويتي–الباكستاني جزءاً من صورة إقليمية أوسع، عنوانها انتقال باكستان تدريجياً من شريك عسكري ثنائي لبعض دول الخليج إلى أحد المكونات المهمة في هندسة أمنية إقليمية آخذة في التشكل.

لماذا باكستان؟



الجواب لا يحتاج إلى كثير من التعقيد. فباكستان تمتلك واحدة من أكبر المؤسسات العسكرية في العالم، ولديها خبرات عملياتية وتدريبية متراكمة، فضلاً عن تاريخ طويل من التعاون العسكري مع دول الخليج.

كما أن العلاقة لا تقتصر على التدريب التقليدي، بل يمكن أن تمتد إلى تبادل الخبرات، والتخطيط والتأهيل العسكري، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية ومواجهة التهديدات غير التقليدية.

ويضاف إلى ذلك عامل بالغ الحساسية: باكستان هي القوة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي.

لكن ينبغي هنا الابتعاد عن المبالغات. فلا الاتفاق الكويتي–الباكستاني ولا حتى الترتيبات الدفاعية الإقليمية الأوسع تعني، وفق ما هو معلن، أن الكويت حصلت على «مظلة نووية باكستانية». بل إن اتفاق مكة نفسه قُدّم رسمياً باعتباره اتفاقاً دفاعياً لتعزيز الردع الجماعي، وليس أداة موجهة ضد دولة بعينها.

ومع ذلك، فإن امتلاك باكستان للسلاح النووي يمنح أي شراكة استراتيجية معها وزناً ردعياً وسياسياً لا يمكن تجاهله في حسابات القوى الإقليمية.

إيران حاضرة حتى عندما لا يُذكر اسمها



لا تحتاج الاتفاقيات الاستراتيجية دائماً إلى تسمية التهديدات حتى نفهم البيئة التي ولدت فيها.

الكويت دولة خليجية تقع في منطقة شديدة الحساسية الجيوسياسية، وأي مواجهة واسعة مع إيران أو اضطراب في الخليج ومضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها واقتصادها وصادراتها النفطية.

لكن من الخطأ تفسير التقارب مع باكستان بوصفه اصطفافاً كويتياً ضد إيران.

فالدبلوماسية الكويتية كانت تاريخياً أكثر حرصاً على الحوار والتوازن من سياسة المحاور والمواجهة. ولذلك فإن القراءة الأدق هي أن الكويت تعمل على رفع قدرتها على الردع من دون إغلاق أبواب الحوار.

وهذه معادلة ذكية: أن تكون قوياً بما يكفي لمنع التهديد، ومرناً بما يكفي لمنع الحرب.

بل إن باكستان نفسها تحافظ على اتصالات مباشرة مع إيران وتشارك في جهود دبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي، وهو ما يؤكد أن بناء القدرات الدفاعية لا يعني بالضرورة بناء محور دائم للمواجهة مع طهران.

الأمن والاقتصاد... وجهان لاستراتيجية واحدة



ولا ينبغي عزل البعد العسكري عن المصالح الاقتصادية.

العلاقة بين دول الخليج وباكستان تقوم على شبكة واسعة من المصالح تشمل الطاقة والاستثمارات والتجارة والعمالة والتحويلات المالية، ولذلك فإن توسيع التعاون الأمني يمكن أن يفتح الباب أمام شراكة اقتصادية أعمق.

المعادلة التي تتشكل يمكن تلخيصها ببساطة: الخليج يمتلك رأس المال والطاقة والقدرة الاستثمارية، وباكستان تمتلك ثقلاً سكانياً وعسكرياً وموقعاً جيوسياسياً مهماً.

وعندما تجتمع هذه العناصر ضمن علاقات مؤسسية طويلة الأمد، فإننا لا نكون أمام اتفاق عسكري منفصل، وإنما أمام بناء تدريجي لشبكة مصالح متبادلة.

هل تتغير عقيدة الأمن الخليجي؟



هذا هو السؤال الأكبر.

منذ عقود، ارتكز جانب كبير من أمن الخليج على المظلة الأميركية. لكن التحولات الأخيرة تشير إلى أن دول المنطقة لم تعد راغبة في وضع جميع أوراقها الأمنية في سلة واحدة.

اتفاق الدفاع السعودي–الباكستاني، ثم اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، والآن تعميق الكويت لتعاونها الدفاعي مع إسلام آباد، كلها مؤشرات ينبغي قراءتها مجتمعة لا منفصلة.

إنها لا تعني نهاية الدور الأميركي في الخليج، فالولايات المتحدة ستظل لاعباً عسكرياً وسياسياً أساسياً. لكنها تشير إلى ظهور مفهوم مختلف للأمن يقوم على تنويع الشركاء، وتعظيم الاستقلالية الاستراتيجية، وبناء قدرات ردع إقليمية، وتقليل الاعتماد المطلق على القوة الخارجية.

وقد وصف اتفاق مكة رسمياً الهجوم على إحدى دوله الثلاث بأنه هجوم عليها جميعاً، وهي نقلة مؤسسية مهمة في مستوى الالتزام الدفاعي الإقليمي.

الكويت تقرأ المستقبل قبل أن يصل



ما قامت به الكويت لا ينبغي اختزاله في شراء أسلحة أو تدريبات أو مناورات عسكرية. إنه تعبير عن عقل دولة تدرك أن النظام الإقليمي الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير، وأن ضمانات الأمس قد لا تكون كافية لمواجهة أخطار الغد.

وهنا تستحق الدبلوماسية الكويتية التقدير؛ لأنها تتحرك بلا ضجيج، وتحافظ على تحالفاتها التقليدية، وتفتح في الوقت ذاته نوافذ استراتيجية جديدة، من دون أن تجعل من تنويع الشراكات إعلان خصومة مع أحد.

لقد تعلمت دول الخليج من أزمات السنوات الأخيرة درساً بالغ الأهمية: الدول التي لا تبني خياراتها بنفسها قد تجد نفسها يوماً أمام خيارات يصنعها الآخرون لها.

ومن هنا، فإن الاتفاق الكويتي–الباكستاني قد يبدو محدوداً في نصوصه، لكنه كبير في دلالاته. وإذا وضعناه إلى جانب الاتفاق السعودي–الباكستاني واتفاق مكة، فإن ملامح تحول أوسع تبدأ بالظهور: أمن الخليج لم يعد يبحث فقط عن الحماية، بل بدأ يبحث عن الشراكة والردع والاستقلالية الاستراتيجية.

ويبقى التحدي الأهم أن تتحول هذه الترتيبات إلى عنصر استقرار لا إلى مقدمة لاستقطاب إقليمي جديد؛ وأن تسير قوة الردع بالتوازي مع الحوار، خصوصاً مع إيران. فالخليج وإيران محكومان بالجغرافيا، ولا يستطيع أي طرف إلغاء الآخر.

الكويت، بدبلوماسيتها الهادئة والمتزنة، تبدو وكأنها فهمت هذه المعادلة جيداً: تنويع الحلفاء دون خسارة الأصدقاء، وتعزيز القوة دون البحث عن الحرب، والاستعداد للمستقبل قبل أن تفرض أزماته نفسها.

وهذه، في زمن التحولات الكبرى، ليست مجرد دبلوماسية ناجحة... **بل سياسة دولة تعرف أين تقف، وإلى أين يتجه العالم.**
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 22:54