تلفريك عمان… إضافة للمشهد أم عبء على هوية المكان

فوزي مسعد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 18:52
أثار مشروع تلفريك عمان جدلا بين مؤيد يرى فيه مشروعا سياحيا حديثا يمكن أن يضيف تجربة جديدة للعاصمة، ومعارض يخشى تأثيره على هوية عمان ومشهدها التاريخي.

وفي رأيي، لا يمكن الحكم على التلفريك باعتباره فكرة مجردة. فهناك تجارب عالمية ناجحة أصبح فيها التلفريك جزءا من هوية المدينة ووسيلة جذب سياحي ونقل حضري، وفي المقابل هناك تجارب أثارت اعتراضات واسعة عندما اخترقت مساراته مشاهد تاريخية حساسة أو أثرت الأبراج والكابلات والمحطات على الصورة البصرية للمواقع التراثية.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد تلفريكا في عمان أم لا؟

بل: هل المسار المقترح هو المسار الصحيح؟ وهل تصميمه يضيف إلى هوية عمان أم يؤثر عليها بصريا؟

وهنا تحديدا تبرز حساسية المنطقة التي نتحدث عنها.

جبل القلعة والمدرج الروماني وجبل اللويبدة ووسط البلد ليست أجزاء منفصلة من المدينة، بل مكونات لمشهد حضري وتاريخي واحد.

جبل القلعة يمثل الفترات التاريخية الأقدم لعمان، والمدرج الروماني يشكل أحد أهم معالمها، واللويبدة تمثل مرحلة مهمة من تطور عمان الحديثة بطابعها العمراني وبيوتها وشوارعها ومشهدها المميز، بينما يشكل وسط البلد الرابط الحي بين هذه المكونات.

ولهذا فإن مرور التلفريك في هذا المشهد الهام يجب ألا يقاس فقط بموقع قواعد الأبراج أو بعد المحطات عن المواقع الأثرية.

التأثير الأهم قد يكون بصريا.

الكابلات والأبراج والعربات المتحركة في السماء يمكن أن تغير خطوط الرؤية بين القلعة والمدرج واللويبدة ووسط البلد، وهي خطوط رؤية تشكل جزءا من طبيعة وتاريخ المكان.

وهذه ليست دعوة إلى رفض المشروع.

على العكس، هناك مدن تاريخية في العالم استطاعت إدخال التلفريك ووسائل النقل الحديثة بنجاح، عندما اختير المسار والتصميم بعناية وأصبح المشروع وسيلة لاكتشاف المدينة بدلا من أن يصبح العنصر الأكثر تاثيرًا في صورتها.

وفي المقابل، شهدت مدن ومواقع تاريخية أخرى اعتراضات على مشاريع مماثلة، واضطرت إلى دراسة تأثير الأبراج والمحطات والكابلات على المشهد التاريخي، وفي بعض الحالات إلى تعديل التصميم أو المسار.

وهنا يمكن الاستفادة من تلك التجارب بدلا من تكرار أخطائها.

قبل تثبيت مسار تلفريك عمان، من المهم إجراء ونشر دراسة أثر بصري وتراثي متكاملة، وليس دراسة إنشائية أو مرورية فقط.

يجب أن نرى مسبقا، من خلال تصورات ثلاثية الأبعاد، كيف سيبدو التلفريك من المدرج الروماني، ومن جبل القلعة، ومن اللويبدة، ومن شوارع وساحات وسط البلد، وكذلك كيف ستبدو هذه المواقع من داخل عربات التلفريك.

كما يجب دراسة أكثر من بديل للمسار ومواقع الأبراج والمحطات، واختيار البديل الأقل تدخلا في المشهد التاريخي، حتى لو كان أكثر كلفة أو تعقيدا من الناحية الهندسية.

هناك أيضا جانب إيجابي يجب ألا نهمله.

إذا صمم المشروع بعناية، يمكن للتلفريك أن يقدم للزائر تصور ومشهد جديد لجغرافية عمان؛ مدينة الجبال والأودية، وأن يربط بصريا وحركيا بين القلعة ووسط البلد واللويبدة، ويشجع الزائر على الانتقال بينها وقضاء وقت أطول في المنطقة.

أي أن التلفريك يمكن أن يصبح أداة لإظهار تاريخ عمان وتكوينها العمراني بدلا من أن يكون تهديدا له.

المسألة إذن ليست صراعا بين التراث والتطوير.

ولا أعتقد أن الحل هو تجميد وسط عمان ومنع أي تدخل حديث فيه، فالمدن التاريخية الحية في العالم تطورت وأدخلت عناصر معاصرة كثيرة دون أن تفقد شخصيتها.

لكن الفرق بين مشروع ناجح وآخر يشوه المكان يكمن في حساسية التصميم واحترام المشهد الحضري.

عمان ليست بحاجة إلى تلفريك يمكن أن يوجد في أي مدينة.

هي بحاجة، إذا قررت تنفيذ المشروع، إلى تلفريك ينتمي إلى عمان؛ في مساره وتصميم محطاته وأبراجه وحجمه وألوانه وطريقة اندماجه مع القلعة والمدرج واللويبدة ووسط البلد.

وعندها فقط يمكن أن يصبح المشروع إضافة إلى هوية المدينة وليس عنصرا يطغى عليها.

أنا مع تطوير عمان، ومع إدخال مشاريع جديدة وجريئة إليها، ولكن بشرط بسيط: أن نضيف إلى طبقات تاريخ المدينة طبقة جديدة تستحق البقاء، لا أن نمحو أو نشوش الطبقات التي سبقتها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 18:52