الإعلام الرقميّ والقرار الدبلوماسيّ والدفاع عن المصالح الوطنيّة

رمضان الرواشدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/27 الساعة 12:06
ينبغي علينا، أن نعي ونفهم أنّ العالم أصبح "قرية صغيرة"، وأنّ الإنكار للأحداث الّتي تجري داخل الدولة، وفي محيطها وموقفها منها أو تدخّلها فيها، لم يعد مجدياً أبداً، فلا بدّ من تقديم إجابات وروايات وسرديّة أردنيّة لكلّ ما يحدث محلّيّاً ولكلّ تدخّل أو تداخل أردنيّ مع محيطنا العربيّة والإقليميّ ومعالجة هذه القضايا بأقلّ الكلف والخسائر على منظومة الأمن الوطنيّ الشامل.

الإعلام الرقميّ أصبح، اليوم ضرورة، وليس ترفاً فكريّاً في عوالم متصارعة وأنت مخيّر بين أن تقدّم روايتك وسرديّتك الحقيقيّة، وتردّ على كلّ الحملات أو الإشاعات، وبقوّة، أو أن تترك المجال للآخرين لملء الفراغ الّذي تتركه.

وفي ظلّ العواصف الرقميّة الّتي تجتاح عالمنا اليوم، لم يعد الإعلام الرقميّ مجرّد ترف فكريّ، بل صار ضرورة وطنيّة وسلاحاً في معركة الوعي.

لقد اطّلعت على عمل بحثيّ رصين للباحث رمزي موسى الريحانيّ بعنوان "الإعلام الرقميّ والقرار الدبلوماسيّ"، أهداني نسخة منه، وهو جهد يرفع له العقال، كونه يطرق أبواباً ظلّت مغلقة في مكتبتنا العربيّة الدبلوماسيّة.

يطلّ علينا الريحانيّ في هذا المنجز كخبير وباحث يمتلك "رؤية استشرافيّة" قلّ نظيرها. فهو لا يكتفي بالتنظير، بل يغوص في أعماق العلاقة الشائكة بين التكنولوجيا والسيادة. ما يميّز الكتّاب ومؤلّفه هو الانحياز لمفهوم "الدولة الوطنيّة" في مواجهة تغوّل الشركات العابرة للحدود، وهو ما يتجلّى في تحليله الدقيق لكيفيّة حماية القرار السياديّ من ضجيج المنصّات الرقميّة وخوارزميّاتها الموجّهة.

يتناول الكتاب قضايا في غاية الحساسيّة، لعلّ أبرزها ما أسماه المؤلّف "صناعة الإدراك" حيث يضعنا الكاتب أمام الحقيقة المرّة؛ وهي أنّ الحرب اليوم لم تعد بالمدافع فقط، بل بصناعة واقع افتراضيّ يضغط على صانع القرار، ويحاصره "بزمن الشاشة" الضيّق.

ويلفت نظري في الكتّاب الفصل الحادي عشر حول "وهم الموضوعيّة في الذكاء الاصطناعيّ". هنا يوجّه الريحانيّ رسالة قويّة" لا تفرطوا في "الإنسان" لصالح "الآلة". القرار الدبلوماسيّ هو فنّ الحكمة والتاريخ، والآلة مهما بلغت من ذكاء تظلّ بلا روح وبلا انتماء". كما لا يفوتني التنويه ببراعته في ربط "السينما الدبلوماسيّة" بالقرار العسكريّ، وهو كشف يحسب له في تعرية القوى الناعمة وكيفيّة استخدامها في شرعنة السياسات.

إنّ هذا الكتاب ليس للقراءة العابرة، بل هو مرجع استراتيجيّ يجب أن يوضع على طاولة كلّ من: الدبلوماسيّين والسفراء لفهم قواعد اللعبة الجديدة في "الاشتباك الرقميّ" وحماية سرديّة الدولة الأردنيّة في المحافل الدوليّة. إضافة إلى صنّاع القرار الأمنيّ والإعلاميّ، كونه يقدّم خارطة طريق لـ "الأمن الإدراكيّ" وحماية المجتمع من حملات التضليل المبرمجة. وكذلك الأكاديميّون والشباب الجامعيّ، لفتح آفاق البحث في تقاطع التكنولوجيا بالعلوم السياسيّة، وهي المنطقة الّتي برع فيها الريحانيّ.

نحن أمام كتاب مهمّ لباحث أدرك أنّ القوّة في القرن الحادي والعشرين هي قوّة "المعنى" وقوّة "المعلومة".
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/27 الساعة 12:06