'أين الملك عبدالله؟' السؤال الخطأ عن الأردن

محمد العرسان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/26 الساعة 17:54
السؤال الذي اختاره آرون ماغيد عنواناً لمقاله في Foreign Policy، «أين الملك عبدالله؟»، جذاب صحفياً، لكنه يظلم المشهد الأردني أكثر مما يفسره.

ما يحتاج إلى تفسير فعلاً هو ما الذي يحاول الملك عبدالله الثاني فعله في بلد محاصر بجغرافيا سياسية شديدة القسوة، وفي وقت تتراكم فيه الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية فوق بعضها لتصبح طبقات تضيف ثقلاً كبيرا على الأردن.

الأردن ليس مراقباً بعيداً لما يجري حوله، فالضفة الغربية تتغير أمامه، والاستيطان يتوسع، وهجمات المستوطنين تتصاعد، وأي دفع باتجاه تهجير الفلسطينيين أو تفكيك السلطة الفلسطينية سيضع المملكة أمام تداعيات مباشرة.

وفي الشمال، لم تتحول سوريا بعد إلى الجار المستقر الذي كانت عمان تراهن عليه، فيما يضيف التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري طبقة جديدة من المخاطر إلى حدود عانى الأردن طويلاً من تبعات الحرب فيها، من الجماعات المسلحة إلى تهريب المخدرات والسلاح.

الأحداث تتحرك في الاتجاه نفسه تقريباً، وإن اختلفت ساحاتها وكلما طال أمد الاضطراب حول الأردن، اتسعت كلفته داخل الأردن، تجد المملكة نفسها على مفترق طرق معقد، تحيط به تحديات إقليمية لا تترك مجالاً للترفيه عن النفس.

ليست مجرد قائمة من الأزمات المنفصلة، هي شبكة متشابكة من الملفات الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، التي تتقاطع بشكل مباشر، مؤثرة على أمنه واستقراره الداخلي، ومثقلة كاهله بتبعات لا يستطيع وحده التحكم في مسارها بالكامل.

من الحدود المشتعلة إلى تحمل تبعات اللجوء، مروراً بضغوط ارتفاع كلف الطاقة والدين العام، تتجلى الصورة الكبرى بوضوح: ما يحدث في محيط الأردن ينعكس بقوة على داخله بقوة.

بالنسبة إلى الأردن، الضفة الغربية ليست مجرد قضية فلسطينية تقع على الجانب الآخر من الحدود، إنها مساحة شديدة الحساسية للأمن الأردني وللنسيج الاجتماعي والسياسي في المملكة، وأي تغيير جذري في واقعها يمكن أن يضع عمّان أمام خيارات لم تكن تريدها أصلاً.

أما سوريا التي تتحول إلى مساحة تنافس إسرائيلي وتركي وإقليمي، فهي تعني أن الأردن سيواصل إنفاق جزء من موارده السياسية والأمنية على إدارة المخاطر بدلاً من استثمارها في النمو.

آرون ماغيد ترك سؤالاً آخر أقل إثارة للعنوان، وأكثر أهمية لمستقبل المملكة: "كيف يحاول عبدالله الثاني أن يحافظ على استقرار بلد ولد أصلاً في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً؟ بينما تتغير قواعد المنطقة من حوله، ويصبح هامش الخطأ الاقتصادي والسياسي أضيق عاماً بعد آخر؟

فالاقتصاد هو المكان الذي تصبح فيه هذه المعادلة أكثر قسوة، في مقابلة سابقة قال الملك عبد الله الثاني في تصريحات لوسائل إعلام أمريكية إن أكثر ما يحرمه النوم هو البطالة المرتفعة بين صفوف الأردنيين.

الأردن لا يعيش انهياراً اقتصادياً، وهذه نقطة يجب عدم تجاوزها، صندوق النقد الدولي يتوقع نمواً حقيقياً بنحو 2.7% في 2026، بعد نمو 2.8% في 2025، مع بقاء التضخم منخفضاً واستمرار الاستقرار النقدي والمالي. كما يشير الصندوق إلى أن الاقتصاد أظهر قدرة على تحمل صدمات الحرب في المنطقة.

البطالة بين الأردنيين ما تزال عند مستوى يتجاوز 21%، وهي ظلت مرتفعة لسنوات، والأرقام أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالشباب، إذ أشار صندوق النقد إلى بطالة تقارب 51% بينهم في تقييم سابق للبرنامج.

شاب يتخرج من الجامعة ولا يجد عملاً لسنوات لا ينظر إلى معدل النمو بالطريقة التي تنظر بها وزارة المالية أو المؤسسات الدولية! بالنسبة إليه، الاقتصاد الذي ينمو بنسبة 2.7% قد يبدو اقتصاداً لا يتحرك. وحين يتكرر ذلك على نطاق واسع، تتغير علاقة الناس بالدولة وبالمستقبل وبفكرة الإصلاح نفسها.

لهذا يصبح البحث عن استثمارات جديدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، شركات تنتج، وتصدر، وتوظف، بمعنى استثمار يترك أثراً في سوق العمل، لا إلى أرقام تعلن في المؤتمرات ثم تختفي في تقارير المتابعة.

وهذا يعيد قراءة زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين بطريقة مختلفة.

الزيارة التي جرت بين 18 و24 أغسطس لم تكن رحلة علاقات عامة، رافق الملك وفد اقتصادي، والتقى مسؤولين صينيين وشركات كبرى، وكانت قطاعات مثل الصناعة والطاقة والتعدين والأسمدة والغذاء والصناعات المتقدمة والسياحة والزراعة والأدوية ضمن النقاشات.

الصين أصبحت شريكاً تجارياً مهماً للأردن، ووفق تصريحات السفير الصيني في عمّان، تجاوز حجم التجارة الثنائية 6.7 مليار دولار في 2025، فيما تجاوزت الاستثمارات الصينية في الأردن 3 مليارات دولار بحسب الجانب الصيني، هذه أرقام مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يجب أن يهم عمّان: ماذا نريد تحديداً من العلاقة الاقتصادية مع بكين؟

إذا كان الجواب هو زيادة التجارة، فهناك مشكلة قائمة أصلاً في الميزان التجاري، وإذا كان الجواب هو جذب الاستثمار، فالمطلوب ليس فقط استثمارات في قطاعات تخدم السوق المحلي، بل مشاريع إنتاجية تستطيع استخدام الأردن قاعدة للتصدير إلى أسواق أخرى، وإذا كان الحديث عن التكنولوجيا، فالمعيار يجب أن يكون نقل المعرفة وتطوير الشركات الأردنية والمهارات المحلية، وليس مجرد شراء خدمات ومنتجات صينية.

الأردن لا يحتاج إلى الصين لكي تستبدل بـ الحليف الأساسي الولايات المتحدة، ولا يستطيع ذلك أصلاً، ولا يبدو أن هذا هو الهدف، العلاقة مع واشنطن ذات طبيعة استراتيجية مختلفة، وتشمل الأمن والدفاع والمساعدات والدعم السياسي، فالولايات المتحدة ملتزمة، بموجب مذكرة التفاهم الحالية، بالسعي إلى توفير 1.45 مليار دولار سنوياً من المساعدات الثنائية للأردن خلال الفترة 2023 إلى 2029.

هذه شراكة لا يمكن التقليل من أهميتها، خصوصاً لدولة تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، لكن المساعدة الخارجية، مهما كان حجمها، لا تستطيع وحدها خلق سوق عمل يستوعب عشرات الآلاف من الداخلين الجدد سنوياً، وهي لا تستطيع أن تحل محل القطاع الخاص أو أن تنتج صادرات أردنية جديدة.

لكن كل هذا يحتاج إلى مسار موازٍ لا يقل أهمية، وهو الإصلاح الداخلي السياسي، فالاستقرار الذي يحتاجه الأردن لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره قدرة الدولة على احتواء الأزمات الأمنية والاقتصادية، بل أيضاً قدرتها على بناء ثقة أوسع بين الدولة والمجتمع. وهذه الثقة لا تُبنى بالاقتصاد وحده.

رفع مستوى الحريات العامة، وحماية حرية الرأي والتعبير، وتوفير مساحة أوسع لعمل الإعلام المستقل، وتعزيز دور المجتمع المدني، كلها عناصر تدخل في صميم قدرة الدولة على مواجهة الضغوط المقبلة، الاقتصاد يحتاج إلى بيئة مؤسسية مستقرة، والسياسة تحتاج إلى مجتمع يشعر أن صوته مسموع وأن النقد ليس تهديداً للدولة.

ردا على سؤال آرون ماغيد المقالة في Foreign Policy، «أين الملك عبدالله؟» الجميع هنا! جميع المؤسسات الأردنية! من ديوان ملكي إلى حكومة واجهزة تنفيذية تحاول النجاة في الأردن كما نجا من محطات أكثر اضطراباً، صمدت الممكلة خلال موجة الربيع العربي، بينما كانت دول حوله تعيش انهيارات سياسية وأمنية، ثم تعامل مع تداعيات الحرب السورية، وأزمة اللاجئين، والحرب على تنظيم الدولة، وأزمات الطاقة، ثم كورونا، وصولاً إلى الحرب الحالية في الإقليم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/26 الساعة 17:54