زيارة استثنائية.. فلنبدأ العمل

مكرم الطراونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/26 الساعة 00:07
انتهت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين بحزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، والتي يمكن أن تسفرَ عن استثمارات جديدة، وصادرات أردنية، وفرص عمل، ونقل للتكنولوجيا والمعرفة.

الزيارة الملكية جاءت في وقت أصبحت فيه الصين شريكاً اقتصادياً بالغ الأهمية للأردن، بحجم تجارة بينية بلغ 6.7 مليار دولار خلال عام 2025، فيما تجاوزت الاستثمارات الصينية في الأردن 3 مليارات دولار، وفيما ارتفعت الصادرات الأردنية بنحو 80 % العام الحالي، لتقترب من 300 مليون دولار. الأرقام تكشف حجم العلاقة الاقتصادية القائمة بالفعل، كما تكشف حجم الفرصة المتاحة أمام الأردن لتطويرها، خصوصاً أن العلاقة التجارية ما تزال تميل بصورة واضحة لمصلحة الصين.

الاتفاقيات الموقعة تكتسب أهميتها من كونها لم تقتصر على المجالات التقليدية، وإنما امتدت إلى قطاعات يمكن أن تشكل جزءاً مهماً من الاقتصاد الأردني خلال السنوات المقبلة، كالاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، والصناعة وسلاسل التوريد، والطاقة والزراعة والسياحة والطيران المدني، والتعاون الفني والتدريبي.

الأكثر أهمية هو الاتجاه الذي تعكسه الاتفاقيات، فالأردن يحاول أن ينتقل في علاقته مع الصين من موقع المستورد إلى الشريك الذي يستطيع أن يستقطب جزءاً من الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا الصينية.

مذكرة التفاهم المتعلقة بالصناعة وسلاسل التوريد، قد تكون من أهم مخرجات الزيارة إذا أُحسن استثمارها، فالأردن يمتلك اتفاقيات تجارة حرة تتيح لمنتجاته الوصول إلى أسواق كبرى، وموقع جغرافي قريب من الخليج والعراق وسورية، وبنية تحتية ومناطق صناعية وتنموية يمكن أن تجعل منه قاعدة لبعض الشركات الصينية التي تبحث عن مواقع إنتاج وتصدير خارج الصين.

الأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إذ يمكن إنشاء مراكز بحث وتطوير، واستقطاب شركات تكنولوجية، وربط الجامعات الأردنية بمؤسسات البحث والشركات الصينية، والاستفادة من الكفاءات الأردنية في البرمجيات والهندسة والتقنيات الرقمية.

الاتفاقيات المتعلقة بالطاقة والموارد المعدنية، تفتح مجالاً آخر، خصوصاً مع امتلاك المملكة موارد من الفوسفات والبوتاس والسيليكا، وبعض المعادن الإستراتيجية التي تزداد أهميتها مع توسع الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة.

الاتفاقيات الزراعية تساعد كذلك في إزالة بعض العوائق أمام دخول المنتجات الأردنية إلى السوق الصينية الهائلة، في حين يمكن لتطوير الربط الجوي أن يخدم السياحة والتجارة معاً.

المطلوب اليوم، أن تتولى الحكومة إعداد برنامج تنفيذي واضح لكل اتفاقية ومذكرة تفاهم، يحدد الجهة المسؤولة والهدف والجدول الزمني ومؤشرات الإنجاز. كما ينبغي تشكيل فريق اقتصادي أردني موحد لمتابعة مخرجات الزيارة مع الجانب الصيني، بدلاً من توزيع الملفات بين مؤسسات عديدة تعمل كل منها منفردة. ويمكن لهذا الفريق أن يقدم تقريراً دورياً يبين ما الذي تحول من تفاهمات إلى مشاريع فعلية.

من المهم، كذلك، إعداد قائمة محددة من المشاريع الاستثمارية الجاهزة وعرضها على الشركات الصينية. المستثمر لا يأتي إلى بلد لأنه وقّع مذكرة تفاهم، وإنّما عندما يجد مشروعاً واضحاً، وأرضاً جاهزة، وتشريعات مستقرة، وحوافز محسوبة، ومعلومات دقيقة عن السوق والعائد المتوقع.

لا بد من وضع هدف واضح لزيادة الصادرات الأردنية إلى الصين، وتحديد المنتجات التي تستطيع المنافسة هناك، ثم معالجة العوائق التي تحد من دخولها، ما يسهم بتحسين قدرة الأردن على التصدير وتقليص الاختلال الكبير في الميزان التجاري.

ينبغي، أيضا، أن يكون نقل المعرفة والتكنولوجيا شرطاً أساسياً في المشاريع المقبلة، الأردن لا يحتاج فقط إلى رأس المال الصيني، وإنما يحتاج إلى الخبرة الصناعية والتكنولوجية التي تمتلكها الصين، وإلى تدريب المهندسين والفنيين الأردنيين ودمج الشركات المحلية في سلاسل الإنتاج والتوريد.

إن كانت الزيارة الملكية قد انتهت، فإن العمل بدأ للتو، فجلالة الملك نفسه أكد في ختامها أن المطلوب هو البناء على مخرجات لقاءات بكين وشنغهاي وشنجن والاتفاقيات التي تم توقيعها.

الزيارة فتحت أبواباً واسعة أمام الاقتصاد الأردني، والمتابعة وسرعة القرار وكفاءة التنفيذ، هي ما تحوّل الاتفاقيات إلى استثمارات ومشاريع وصادرات ووظائف.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/26 الساعة 00:07