التوجيهي ليس حقل تجارب.. أوقفوا العبث بمستقبل الطلبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 18:14
حين يصبح مستقبل جيل كامل رهينة لقرارات تتبدل، فالمشكلة لم تعد في الحقول.. بل في العبث بمستقبل أبنائنا.
خرجت نتائج الصف الحادي عشر، ومرت النتائج بهدوء نسبي، لكن ذلك لم ينه حالة القلق التي يعيشها الطلبة والأهالي والمعلمون تجاه المرحلة المقبلة، خصوصا ما يتعلق بنظام الحقول في الثانوية العامة. المسألة ليست مجرد تغيير في عدد الحقول من ستة إلى أربعة، وليست قضية إدارية يمكن تعديلها من عام إلى آخر. نحن نتحدث عن مرحلة مفصلية في حياة الطالب، وعن قرار يؤثر في خياراته الجامعية ومستقبله المهني، ويضع الأسرة والمعلم أمام نظام يجب أن يكون واضحا ومستقرا.
لا أحد ضد تطوير التعليم، ولا أحد يريد أن تبقى مدارسنا بعيدة عن متطلبات العصر. نحن في القرن الحادي والعشرين، والتعليم بحاجة إلى المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وإلى بناء مهارات حقيقية لدى الطلبة. لكن التطوير لا يعني تغيير النظام لمجرد إثبات أننا نسير إلى الأمام. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من هدف واضح، وينتهي بنتيجة أفضل للطالب.
المجتمع يريد تعليما يبني شخصية الطالب وعقله، لا تعليما يدفعه إلى الحفظ من أجل علامة ثم ينتهي كل شيء بانتهاء الامتحان. الطالب المتفوق ليس صاحب الرقم الأعلى فقط، بل صاحب العقل القادر على التفكير والتحليل والإبداع وصناعة القرار. التفوق الحقيقي يظهر في عقل يعرف كيف يسأل ويفكر ويبتكر، وكيف يحول المعرفة إلى قدرة حقيقية على مواجهة المستقبل.
والاستناد إلى البرامج الأجنبية أو ما يعرف بالبرامج التعليمية الدولية لتبرير نظام الحقول يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالمسألة ليست أسماء حقول، وإنما فلسفة تعليم كاملة. عندما يقول مسؤول إن البرامج الأجنبية تطبق نظام الحقول، فإن السؤال الطبيعي هو: هل تطبقه بالطريقة نفسها؟ وهل تحصر الطالب فعلا في مسار ضيق لا يستطيع الخروج منه؟ الطالب في الأنظمة التعليمية المتقدمة يحتاج إلى مساحة أوسع لاكتشاف قدراته وميوله، مع وجود أسس ومعايير واضحة تساعده على اختيار المسار المناسب له. الهدف أن نساعد الطالب على معرفة المجال الذي يمكن أن ينجح فيه، لا أن نقرر عنه مستقبله مسبقا. نحن لا نحلل ولا نحرم في التعليم، نحن نبني مستقبلا.
فإذا كانت هناك تجارب تعليمية ناجحة في العالم، فلنأخذ منها ما يخدم أبناءنا، لا أن نكتفي بترديد أسمائها لتبرير أي نظام جديد. والبرامج التعليمية التي نجحت عبر عقود لم تصل إلى نتائجها بتغيير أسماء المسارات بصورة مستمرة، وإنما من خلال أنظمة مستقرة تطورت تدريجيا، ومناهج تواكب العصر، ومساحات أوسع أمام الطالب للاختيار.
أما نظام الحقول عندنا، فقد بدأ بستة حقول، ثم أصبح الحديث عن أربعة. وهذا وحده كاف لطرح سؤال مشروع: هل نحن أمام إصلاح مدروس، أم أمام نظام ما زال يبحث عن شكله النهائي؟
وقد أعلنت الوزارة أنها استعانت بخبراء ووزراء وأمناء عامين سابقين وأكاديميين وأخذت آراءهم. وهذا أمر جيد من حيث المبدأ، لكن وجود لجنة أو الاستعانة بالخبراء لا يعني أن القرار لا يخضع للمراجعة. اللجنة تقدم الرأي، لكن المسؤولية في النهاية تقع على صاحب القرار.
لقد عرفت الثانوية العامة في الأردن على مدى عقود طويلة نظاما واضحا، وتغيرت المناهج والتخصصات وطرق التدريس، لكن بقيت لدى المجتمع صورة مفهومة عن هذه المرحلة. اليوم، الطالب يريد أن يعرف: ماذا ينتظرني؟ وما الخيارات المتاحة أمامي؟ والمعلم يريد نظاما مستقرا يستطيع أن يعمل من خلاله، والأهل يريدون أن يخططوا لمستقبل أبنائهم دون أن تتغير القواعد أمامهم.
وهنا أقولها بوضوح، وأنا مسؤول عن هذا الكلام: القادم قد يكون الاختبار الحقيقي لنظام الحقول. مع صدور قوائم القبول الموحد، سيكتشف الطلبة وأسرهم بصورة عملية ماذا يعني الحقل الذي اختاره الطالب، وما التخصصات التي أصبح من حقه التقدم إليها، وما التخصصات التي أغلقت أمامه بسبب هذا المسار. وهنا قد تظهر المشكلة الكبرى.
فالطالب الذي يكتشف بعد سنوات الدراسة أن تخصصا كان يطمح إليه لم يعد متاحا له، لن يعنيه كثيرا أن يقال له إن النظام حديث أو أن هناك لجنة درست الموضوع. والأسرة التي تجد أن خيارات ابنها الجامعية أصبحت محدودة بسبب الحقل، ستسأل سؤالا بسيطا ومشروعا: لماذا لم نعرف ذلك بوضوح منذ البداية؟
إذا كان التغيير هو الهدف، فعلى الوزارة أن تضع أمام الطالب وأسرته منذ البداية صورة كاملة: ما معنى كل حقل؟ وإلى أين يقود؟ وما التخصصات التي يحق للطالب التقدم إليها؟ وما الذي لا يحق له التقدم إليه؟ الوضوح هنا ليس تفصيلا، بل حق للطالب.
والقبول الموحد سيكون الشاهد العملي على ذلك. عندها لن يكون الحديث عن الحقول نظريا، بل سيصبح قرارا يفتح بابا أمام طالب ويغلقه أمام آخر. وهذه هي اللحظة التي يجب ألا نصل إليها ونحن نكتشف النظام لأول مرة.
أما الظهور الإعلامي للحديث عن الإنجازات، فلا يكفي وحده للحكم على نجاح أي إصلاح. الميدان هو الذي يحكم. الطالب والمعلم والأسرة هم من يلمسون أثر القرار، وليس المؤتمر الصحفي.
معالي الوزير، التعليم ليس ساحة لإثبات أن التغيير ممكن، بل مسؤولية لإثبات أن التغيير أفضل. البرامج التعليمية تحتاج إلى تطوير مدروس، والتكنولوجيا والابتكار والمعرفة يجب أن تكون في قلب العملية التعليمية، لكن من دون قرارات تربك الطالب أو تجعل مستقبله مرتبطا بتغييرات متلاحقة.
وإذا كانت تجربة الحقول قد أثارت هذا القدر من القلق والأسئلة، فإن مراجعتها ليست تراجعا. على العكس، مراجعة القرار عندما تظهر مشكلاته تعكس مسؤولية وشجاعة. وربما آن الأوان لإعادة النظر في نظام الثانوية العامة، والعودة إلى نظام أكثر وضوحا واستقرارا، مع تطويره بما يتناسب مع احتياجات التعليم الحديث وسوق العمل، دون أن نفقد الطالب في الطريق.
لا أحد يرفض التطوير، لكن لا تجعلوا أبناءنا يدفعون ثمنه. فالأنظمة يمكن تعديلها، والمناهج يمكن تطويرها، والقرارات يمكن مراجعتها. أما السنوات التي يخسرها الطالب بسبب قرار غير مدروس، فلا يمكن إعادتها.
التوجيهي ليس حقل تجارب، ومستقبل جيل كامل ليس مساحة للمغامرة.
سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه
حمى الله الاردن وقيادته وشعبه
خرجت نتائج الصف الحادي عشر، ومرت النتائج بهدوء نسبي، لكن ذلك لم ينه حالة القلق التي يعيشها الطلبة والأهالي والمعلمون تجاه المرحلة المقبلة، خصوصا ما يتعلق بنظام الحقول في الثانوية العامة. المسألة ليست مجرد تغيير في عدد الحقول من ستة إلى أربعة، وليست قضية إدارية يمكن تعديلها من عام إلى آخر. نحن نتحدث عن مرحلة مفصلية في حياة الطالب، وعن قرار يؤثر في خياراته الجامعية ومستقبله المهني، ويضع الأسرة والمعلم أمام نظام يجب أن يكون واضحا ومستقرا.
لا أحد ضد تطوير التعليم، ولا أحد يريد أن تبقى مدارسنا بعيدة عن متطلبات العصر. نحن في القرن الحادي والعشرين، والتعليم بحاجة إلى المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وإلى بناء مهارات حقيقية لدى الطلبة. لكن التطوير لا يعني تغيير النظام لمجرد إثبات أننا نسير إلى الأمام. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من هدف واضح، وينتهي بنتيجة أفضل للطالب.
المجتمع يريد تعليما يبني شخصية الطالب وعقله، لا تعليما يدفعه إلى الحفظ من أجل علامة ثم ينتهي كل شيء بانتهاء الامتحان. الطالب المتفوق ليس صاحب الرقم الأعلى فقط، بل صاحب العقل القادر على التفكير والتحليل والإبداع وصناعة القرار. التفوق الحقيقي يظهر في عقل يعرف كيف يسأل ويفكر ويبتكر، وكيف يحول المعرفة إلى قدرة حقيقية على مواجهة المستقبل.
والاستناد إلى البرامج الأجنبية أو ما يعرف بالبرامج التعليمية الدولية لتبرير نظام الحقول يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالمسألة ليست أسماء حقول، وإنما فلسفة تعليم كاملة. عندما يقول مسؤول إن البرامج الأجنبية تطبق نظام الحقول، فإن السؤال الطبيعي هو: هل تطبقه بالطريقة نفسها؟ وهل تحصر الطالب فعلا في مسار ضيق لا يستطيع الخروج منه؟ الطالب في الأنظمة التعليمية المتقدمة يحتاج إلى مساحة أوسع لاكتشاف قدراته وميوله، مع وجود أسس ومعايير واضحة تساعده على اختيار المسار المناسب له. الهدف أن نساعد الطالب على معرفة المجال الذي يمكن أن ينجح فيه، لا أن نقرر عنه مستقبله مسبقا. نحن لا نحلل ولا نحرم في التعليم، نحن نبني مستقبلا.
فإذا كانت هناك تجارب تعليمية ناجحة في العالم، فلنأخذ منها ما يخدم أبناءنا، لا أن نكتفي بترديد أسمائها لتبرير أي نظام جديد. والبرامج التعليمية التي نجحت عبر عقود لم تصل إلى نتائجها بتغيير أسماء المسارات بصورة مستمرة، وإنما من خلال أنظمة مستقرة تطورت تدريجيا، ومناهج تواكب العصر، ومساحات أوسع أمام الطالب للاختيار.
أما نظام الحقول عندنا، فقد بدأ بستة حقول، ثم أصبح الحديث عن أربعة. وهذا وحده كاف لطرح سؤال مشروع: هل نحن أمام إصلاح مدروس، أم أمام نظام ما زال يبحث عن شكله النهائي؟
وقد أعلنت الوزارة أنها استعانت بخبراء ووزراء وأمناء عامين سابقين وأكاديميين وأخذت آراءهم. وهذا أمر جيد من حيث المبدأ، لكن وجود لجنة أو الاستعانة بالخبراء لا يعني أن القرار لا يخضع للمراجعة. اللجنة تقدم الرأي، لكن المسؤولية في النهاية تقع على صاحب القرار.
لقد عرفت الثانوية العامة في الأردن على مدى عقود طويلة نظاما واضحا، وتغيرت المناهج والتخصصات وطرق التدريس، لكن بقيت لدى المجتمع صورة مفهومة عن هذه المرحلة. اليوم، الطالب يريد أن يعرف: ماذا ينتظرني؟ وما الخيارات المتاحة أمامي؟ والمعلم يريد نظاما مستقرا يستطيع أن يعمل من خلاله، والأهل يريدون أن يخططوا لمستقبل أبنائهم دون أن تتغير القواعد أمامهم.
وهنا أقولها بوضوح، وأنا مسؤول عن هذا الكلام: القادم قد يكون الاختبار الحقيقي لنظام الحقول. مع صدور قوائم القبول الموحد، سيكتشف الطلبة وأسرهم بصورة عملية ماذا يعني الحقل الذي اختاره الطالب، وما التخصصات التي أصبح من حقه التقدم إليها، وما التخصصات التي أغلقت أمامه بسبب هذا المسار. وهنا قد تظهر المشكلة الكبرى.
فالطالب الذي يكتشف بعد سنوات الدراسة أن تخصصا كان يطمح إليه لم يعد متاحا له، لن يعنيه كثيرا أن يقال له إن النظام حديث أو أن هناك لجنة درست الموضوع. والأسرة التي تجد أن خيارات ابنها الجامعية أصبحت محدودة بسبب الحقل، ستسأل سؤالا بسيطا ومشروعا: لماذا لم نعرف ذلك بوضوح منذ البداية؟
إذا كان التغيير هو الهدف، فعلى الوزارة أن تضع أمام الطالب وأسرته منذ البداية صورة كاملة: ما معنى كل حقل؟ وإلى أين يقود؟ وما التخصصات التي يحق للطالب التقدم إليها؟ وما الذي لا يحق له التقدم إليه؟ الوضوح هنا ليس تفصيلا، بل حق للطالب.
والقبول الموحد سيكون الشاهد العملي على ذلك. عندها لن يكون الحديث عن الحقول نظريا، بل سيصبح قرارا يفتح بابا أمام طالب ويغلقه أمام آخر. وهذه هي اللحظة التي يجب ألا نصل إليها ونحن نكتشف النظام لأول مرة.
أما الظهور الإعلامي للحديث عن الإنجازات، فلا يكفي وحده للحكم على نجاح أي إصلاح. الميدان هو الذي يحكم. الطالب والمعلم والأسرة هم من يلمسون أثر القرار، وليس المؤتمر الصحفي.
معالي الوزير، التعليم ليس ساحة لإثبات أن التغيير ممكن، بل مسؤولية لإثبات أن التغيير أفضل. البرامج التعليمية تحتاج إلى تطوير مدروس، والتكنولوجيا والابتكار والمعرفة يجب أن تكون في قلب العملية التعليمية، لكن من دون قرارات تربك الطالب أو تجعل مستقبله مرتبطا بتغييرات متلاحقة.
وإذا كانت تجربة الحقول قد أثارت هذا القدر من القلق والأسئلة، فإن مراجعتها ليست تراجعا. على العكس، مراجعة القرار عندما تظهر مشكلاته تعكس مسؤولية وشجاعة. وربما آن الأوان لإعادة النظر في نظام الثانوية العامة، والعودة إلى نظام أكثر وضوحا واستقرارا، مع تطويره بما يتناسب مع احتياجات التعليم الحديث وسوق العمل، دون أن نفقد الطالب في الطريق.
لا أحد يرفض التطوير، لكن لا تجعلوا أبناءنا يدفعون ثمنه. فالأنظمة يمكن تعديلها، والمناهج يمكن تطويرها، والقرارات يمكن مراجعتها. أما السنوات التي يخسرها الطالب بسبب قرار غير مدروس، فلا يمكن إعادتها.
التوجيهي ليس حقل تجارب، ومستقبل جيل كامل ليس مساحة للمغامرة.
سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه
حمى الله الاردن وقيادته وشعبه
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 18:14