حين تُستباح الأونروا… فمن يحمي هيبة الأمم المتحدة؟

غازي عليان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 16:09
ليست الجريمةُ دائمًا رصاصةً تُطلَق، أو بيتًا يُهدَم؛ فقد تكون الجريمةُ أن تمتدَّ يدُ القوة إلى مؤسسةٍ وُجدت أصلًا لخدمة الإنسان، وأن يُقتحَم المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا للضعفاء.

وهذا هو جوهر ما جرى في مركز قلنديا التابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»؛ فالمسألة ليست خلافًا على مبنى، وإنما اعتداءٌ على مؤسسةٍ أمميةٍ تؤدي رسالةً إنسانيةً في الأرض الفلسطينية المحتلة.

فالأونروا ليست جمعيةً خيريةً عابرة، بل وكالةٌ تابعة للأمم المتحدة، وتتمتع مرافقها وموظفوها بالحماية المقررة بموجب امتيازات وحصانات الأمم المتحدة. ومركز قلنديا نفسه يؤدي دورًا في التعليم والتدريب المهني للشباب الفلسطيني.

إن استهداف الأونروا يعني المساس بشريانٍ إنساني يمتد إلى التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية والتدريب، ويعني في الوقت ذاته إضعاف مؤسسةٍ دوليةٍ ترتبط مباشرةً بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم.

وليس ما جرى في قلنديا معزولًا عن سياقٍ أطول؛ فقد تعرضت منشآت الأونروا ومؤسسات الأمم المتحدة في غزة لدمارٍ واسع، كما شهدت منشآت الوكالة في القدس والضفة الغربية اقتحاماتٍ وتضييقًا متكررًا. وقد أكدت الأمم المتحدة أن دخول القوات الإسرائيلية إلى مركز قلنديا مثّل انتهاكًا لحرمة مقار الأمم المتحدة والتزاماتها المتعلقة بامتيازات وحصانات المنظمة الدولية.

ويأتي هذا الاعتداء في وقت يحتفل فيه العالم الإسلامي بذكرى ميلاد سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام؛ ذكرى الرحمة والعدل والتسامح وصون كرامة الإنسان. وبينما يستحضر المسلمون في هذه المناسبة سيرة نبيٍّ جاء رحمةً للعالمين، تستمر آلة الاحتلال في ممارسة سياسات تمس الإنسان الفلسطيني، وتطال مؤسسات الإغاثة الدولية، ولا تتوقف عند حدود المكان أو المناسبة.

وليس هذا السلوك جديدًا؛ فقد شهد المسجد الأقصى المبارك، في مناسبات دينية إسلامية، إجراءاتٍ وقيودًا حالت دون وصول المصلين إليه، كما شهد شهر رمضان المبارك انتهاكاتٍ وإجراءاتٍ إسرائيليةً أثارت إداناتٍ واسعة. وهكذا يبدو أن المناسبات التي يفترض أن تكون مواسم للرحمة والسكينة، تتحول في ظل الاحتلال إلى مناسباتٍ إضافيةٍ لمعاناة الفلسطينيين.

وفي هذا المشهد، يُسجَّل للمملكة الأردنية الهاشمية موقفها الواضح والمبادر في إدانة الاعتداء على الأونروا ومؤسسات الأمم المتحدة؛ وهو موقفٌ ينسجم مع الدور الأردني الثابت في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ودعم العمل الإنساني، والحفاظ على دور الأونروا، ورفض الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن موقعي، فإنني أستنكر بأشد العبارات هذا الفعل الشنيع، وسائر الممارسات التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي والحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو، وما تمثله سياسات إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من تطرفٍ وتصعيد.

إن القضية اليوم أكبر من مبنىٍ في قلنديا؛ إنها مواجهةٌ بين منطق القوة ومنطق القانون، وبين سياسة الأمر الواقع وشرعية المجتمع الدولي.

وقد يستطيع الاحتلال أن يُغلق بابًا، لكنه لا يستطيع أن يُغلق قضية. وقد يهدم مدرسةً، لكنه لا يستطيع أن يهدم حقَّ طفلٍ في التعليم، ولا أن يمحو من ذاكرة الفلسطيني أنه لاجئٌ ينتظر عدالةً تأخرت طويلًا.

وفي ذكرى مولد نبي الرحمة، يبقى السؤال أكثر إيلامًا ووضوحًا:

إذا كان العالم يحتفل بميلاد رسولٍ جاء ليعلّم الإنسان معنى الرحمة والعدل والكرامة، فكيف يقبل أن تُستباح في فلسطين مؤسساتٌ وُجدت لخدمة الإنسان، وأن تُنتهك حقوق شعبٍ تحت الاحتلال، وأن يبقى القانون الدولي عاجزًا أمام قوة السلاح؟

فإذا كانت الأمم المتحدة لا تستطيع حماية مؤسساتها في فلسطين، فمن يحمي القانون الدولي عندما يصبح القانون نفسه هو المستهدف؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 16:09