لغز شدخ الرأس.. لماذا يتوعد الحديث من نام عن قيام الليل وهو غير فرض؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 16:01
مدار الساعة -في صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال في حديث رؤيه الرسول لاصناف من الناس يعذبون وذكر من هذه الاصناف حافظ القران :(...والذي رَأيتَه يُشدَخُ رَأسُه فرَجُلٌ عَلَّمَه اللهُ القُرآنَ، فنامَ عنه باللَّيلِ ولم يَعمَلْ فيه بالنَّهارِ، يُفعَلُ به إلى يَومِ القيامةِ،)

فسؤالي هو ان الله لم يفرض علينا قيام الليل فلماذا يعذب من نام عن قيامه ؟

ملخص الجواب

الحديث لا يدل على وجوب قيام الليل، وإنما العذاب حاصل على ترك فرائض القرآن الكريم والتكاسل عنها.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

الذي تدلّ عليه النصوص؛ هو أن قيام الليل تطوع وليس بواجب.

كما يدلّ على هذا؛ ما رواه الإمام مسلم (1163): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْل).

ورى مسلم أيضا (746): عَنْ عَائِشَة رضي الله عنها، قَالَتْ: (فَإِنَّ اللهَ عز وجل افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ [أي: سورة المزّمّل]، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ).

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

"وأوجب بعض التّابعين قيام اللّيل فرضا، ولو كقدر حلب شاة.

وهو قول شاذّ متروك؛ لإجماع العلماء على أنّ قيام اللّيل منسوخ عن النّاس بقول الله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. والفرائض لا تثبت إلّا بتقدير ..." انتهى. "التمهيد" (5 / 426).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وقد أجمعوا إلّا شذوذا من القدماء على أنّ صلاة الّليل ليست مفروضة على الأمّة، واختلفوا في كونها من خصائص النبيّ صلّى الله عليه وسلّم" انتهى. "فتح الباري" (3 / 3).

وتارك التطوع إذا أتى بالواجبات وترك المحرمات فهو موعود بالنجاة لا بالعذاب.

كما يدل على هذا حديث طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ، قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟

قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَصِيَامُ رَمَضَانَ.

قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟

قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.

قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ.

قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟

قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.

قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) رواه البخاري (46)، ومسلم (11).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

"طبقة أهل النّجاة، وهي طبقة من يؤدّي فرائض الله ويترك محارمه، مقتصرا على ذلك لا يزيد عليه ولا ينقص منه. فلا يتعدّى إلى ما حرّم الله عليه، ولا يزيد على ما فرض عليه.

هذا من المفلحين بضمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمن أخبره بشرائع الإسلام، فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)، وأصحاب هذه الطّبقة مضمون لهم على الله تكفير سيّئاتهم، إذا أدّوا فرائضه واجتنبوا كبائر ما نهاهم عنه.

قال تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تَنْهُونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً" انتهى. "طريق الهجرتين" (2 / 825).

ثانيًا:

وأمّا ما ورد عند الإمام البخاري (1386): عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ، قالَ: (كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صَلَّى صَلاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ، فقالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيا؟ قالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّها، فَيَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ. فَسَأَلَنا يَوْمًا فقالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيا؟ قُلْنا: لا.

قالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيانِي فَأَخَذا بِيَدِي، فَأَخْرَجانِي إلى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذا رَجُلٌ جالِسٌ، وَرَجُلٌ قائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ. قالَ بَعْضُ أَصْحابِنا عن مُوسَى: «أَنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَر مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: ما هَذا؟ قالا: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا، حَتَّى أَتَيْنا على رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ على قَفاهُ، وَرَجُلٌ قائِمٌ على رَأسِهِ بِفِهْرٍ -أَوْ: صَخْرَةٍ- فَيَشْدَخُ بِهِ رَأسَهُ، فَإِذا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَاخُذَهُ، فَلا يَرْجِعُ إلى هَذا، حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأسُهُ، وَعادَ رَأسُهُ كَما هو، فَعادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذا؟ قالا: انْطَلِقْ... والَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهارِ، يُفْعَلُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ).

فجملة: (والَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهارِ، يُفْعَلُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ)= الذي يفهم من هذا الحديث إذا ضمّ إلى جملة النصوص الدالة على عدم وجوب قيام الليل؛ هو أن هذا الشخص ناله هذا العذاب؛ بسبب أحد أمرين:

الأمر الأول:

أن يكون نومه عن القرآن ليلًا، بمعنى نومه عن الصلاة الواجبة صلاة الفجر، كما في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا الإسراء (78).

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

"قوله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ)، المعنى: وأقم قراءة الفجر. قال المفسّرون: المراد به: صلاة الفجر. قال الزّجّاج: وفي هذا فائدة عظيمة تدلّ على أنّ الصّلاة لا تكون إلّا بقراءة، حيث سمّيت الصّلاة قرآنا" انتهى. "زاد المسير" (5 / 73).

ويؤيد هذا الأمر أنه قد جاء في رواية أخرى تفسير جملة: (فَنامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ)؛ بأنه النوم عن الصلاة المكتوبة.

فقد رواه الإمام البخاري (1143)، بلفظ: (أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ، وَيَنامُ عن الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ).

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

"فإن قال قائل: عندما جاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ملكان في المنام، فرأى أنّه مرّ على قوم يعذّبون في قبورهم، منهم رجل آتاه الله القرآن فنام عنه باللّيل ولم يعمل به في النّهار، فهل هذا يدلّ على وجوب قيام اللّيل لصاحب القرآن؟

فالجواب: لا يجب، ولعلّ هذا الرّجل له صفة خاصّة، أو يقال: نام عنه في اللّيل، يعني عن الواجب فيه، كصلاة العشاء مثلا وصلاة الفجر؛ لأنّ المنافقين لا يصلّون الفجر ولا العشاء" انتهى. "تفسير العثيمين: الشورى" (ص359).

الأمر الثاني:

أن يكون العذاب على مجموع الأمرين على النوم عن قراءة القرآن ليلا، وعلى ترك العمل به نهارا.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"قوله: (وَيَنامُ عن الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ) هذا أوضح من رواية جرير بن حازم بلفظ: (عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهارِ)، فإن ظاهره أنَّه يعذّب على ترك قراءة القرآن باللّيل، بخلاف رواية عوف فإنّه على تركه الصّلاة المكتوبة.

ويحتمل أن يكون التّعذيب على مجموع الأمرين؛ ترك القراءة، وترك العمل" انتهى. "فتح الباري" (12 / 444).

فالنوم عن القرآن في مثل حال هذا الشخص ليس تقصيرا في نوافل الطاعات فحسب، بل هو على سبيل الاستهانة والإعراض عن تعظيم القرآن وحقه؛ لذا ترك العمل به نهارا.

قال الطيبيّ رحمه الله تعالى:

"وقوله: (فَنامَ عَنْهُ) أي أعرض عنه. (وعَنْ) ها هنا كما في قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ أي ساهون سهو ترك لها وقلّة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين والفسقة.

فمعنى (نَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ) أنه لم يتله باللّيل، ولم يتفكر فيما يجب أن يأتي به ويذر، من الأوامر والنّواهي؛ مثل المنافقين والفسقة، فإذا كان حاله باللّيل هذا، فلا يقوم به فيعمل بالنّهار بما فيه. ويؤيد هذا التّأويل ما جاء في رواية أخرى للبخاري: (أَمَّا الرّجل الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرّجل الَّذِي يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ، وَيَنامُ عن الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ).

وأما من نام من غير أن يتجافى عنه لتقصير أو عجز فهو خارج من هذا الوعيد" انتهى. "شرح المشكاة للطيبي" (9 / 3009).

وقال ابن الحاج رحمه الله تعالى:

"ومعلوم أن قيام اللّيل ليس بفرض ولا يعذّب المكلّف على ترك المندوب، لكنّه وإن كان مندوبا فهو يجبر به ما وقع من الخلل في الفرائض.

وقد أخبر أنّه لا يعمل فيه بالنّهار وترك عمله به فيه خلل في فرائضه، وهو لم يقم به في اللّيل حتى يجبر به الفرض فالعذاب في الحقيقة إنّما وقع على ترك الفرض لا على ترك المندوب، فعلى هذا فمن ترك المندوب، خيف عليه أن يقع الخلل في فرائضه ولا يوجد مندوب يجبره" انتهى. "المدخل" (4 / 302).

فالحاصل:

أن الحديث لا يدل على وجوب قيام الليل، وإنما العذاب حاصل على ترك فرائض القرآن الكريم والتكاسل عنها.

والله أعلم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 16:01