'التشات جي بي تي' ينافس نجيب محفوظ.. والرواية القادمة بضمان الشركة المصنعة

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 15:46
مدار الساعة -لم يعفِ الذكاء الاصطناعي عوالم الكتابة والتأليف من سطوته، بل إنه راح يغذّ الخطو في دروب تسيّده حكاياتها والتموضع بوصفه المخلّص. ولا جدال أن لحضوره في الميدان، كما في سواه، إيجابيات عدة، لكن، وبالمقابل، هناك جوانب وإفرازات وتساؤلات ومخاوف مستقبلية، كثيرة، باتت تفرض نفسها، تحثّنا لأن نتوقف عندها ملياً ونتفكر في مآلات الحال هذي، وكذا في سبل العلاج والتعاطي الفاعلين معها. فصحيح أن «التشات جي بي تي» طفق يسهّل ويعزز العملية الإنتاجية في حقول المحتوى الإعلامي وتأليف الكتب وإنجاز البحوث والمقالات، موفّراً الإمكانات الهائلة والجهود المضنية، إلا أن توظيفه والاعتماد عليه بمناسيب وأشكال مغالى بها تهمّش تميّز حضور ومكانة الكاتب المثقف، إن لم تطمسه، أمسى يخلط الأوراق ويجعل صاحب الفكر اللامع الذي يكتب مقالاً يقود ويوجّه ويؤثر، مغبوناً خاسراً كونه صار في حلبة مواجهة ومقارنة وقياس؛ منافسوه وأنداده الإجباريون فيها، أشخاص لا يمتلكون ناصية اللغة المكينة العالية، ولا يعون أعماق المفاهيم ومفاعيلها ومؤدياتها، ولا خزين خبرات بنّاءة لديهم متحصّلة من تراكم التجارب والمعارف.

بالتأكيد، لسنا ننكر ههنا أن الذكاء الاصطناعي طفق يفيد ممتهني إنتاج المحتوى، كونه يمدهم بكثير الأدوات والقدرات، الاحتياجات والمعلومات والصياغات، بسرعة وانسيابية. إلا أن محرّكات ومديات تطوره والآفاق التي شرع يخترقها ويبلغها، أمست تبعث القلق وتولّد مخاوف وإرباكات لا نهايات لها، من بينها خطر تغييب ألق الكاتب الضليع المُجرّب. ولا غرو أن مؤدى استمرار هذا الواقع وتعملُقه، تقويض عروش وقمم فعل الكتابة والأدب ذي الطابع النخبوي والدور التنويري القيادي، والتي كانت محرّمة، أصلاً، على غير الأكفاء ومَن لا يحوزون الثقافة الواسعة والتفكير الاستراتيجي.

أيّ منتهى وحصاد ننتظر من الكتابة والنص، يا تُرى، بينما يختلط الحابل بالنابل وتمتلئ الساحة بمؤلفات ومقالات محكمة الصياغة والبناء.. وسليمة نحوياً وإملائياً، تحمل أسماء مَن لم يكونوا أساساً على علاقة وثيقة باللغة أو بالثقافة، وإنما خطر لهم، ورغم غياب الأهلية، أن يصبحوا، أو يسمّوا، كتّاباً، فاستعانوا بـ«الذكاء الاصطناعي» وأهدتهم نقرات وكلمات وأوامر بسيطة أودعوها في مساربه، ما يرغبون ويرومون؟ أحقاً يمكننا أن نراهن ونعوّل على هذي النتاجات الفكرية لتكون بدائل نتاجات المفكرين والمثقفين المخضرمين الحاذقين، الذين يمضون حيواتهم بين أرفف المكتبات، وفي دروب التحصيل المعرفي والبحث عن أجدى كيفيات نشر الجمال وبلوغ شواطئ الخلاص المجتمعي والإنساني الأقوم عبر سفائن الأدب والفكر؟ وأيّة محمولات فكرية وهواجس ورؤى ستنطوي عليها هذي الكتابات التي لا يعرف أصحابها (أو مَن يُسمّون أصحابها)، في غالبية الأحيان، شيئاً عن مضامينها وعن معاني طروحاتها التي صاغها وولّفها لهم ذاك «الذكاء»، ومن ثمّ هندس ديباجاتها وقدمها لهم لتتمظهر بتوقيعاتهم؟

أوليس حرياً أن نتفكر في هذي الأسئلة، أم أن السياقات تبدّلت فلم تعد القراءة والقارئ كما كانا، ولم تبقَ المقالات والكتب مصادر المعرفة والتأثّر ومناهل بناء الرأي؟ وهل جائز أن هذا «الكاتب الاصطناعي» الخارق، أتى ليعكس ويواكب واقع تردي القراءة وتغيّر وانقلاب دور الثقافة، فيتمّم ويختتم، بالتالي، قصة التطويح بقلاعهما الأخيرة؟ وأيمكن أننا على أعتاب ظهور «روبوتات كاتبة مفكرة» ستشغل وتصادر المراتب العالية النفيسة الخاصة بقامات الفكر العربي والعالمي: طه حسين، جبران خليل جبران، خليل مردم بك، شكيب أرسلان، أمين الريحاني، نجيب محفوظ.. أو غوتة أو نيتشة أو هيدغر أو هيغل أو بودلير أو ماركيز أو هيسة أو نيرودا أو تولستوي؟

ليست المسألة بسيطة، وإنما هي قضية فكرية مصيرية في حياة الإنسانية، فكأن «الذكاء» الذي غدا يبدع رواية أو بحثاً في دقائق.. ومقالة أو أطروحة في ثوانٍ، يخاطبنا وهو يطلق حكماً نهائياً في المضمار: انتهى زمن الإبداع الأصيل ولم يعد هناك جديد يُقال أو يكتب، فليس من فكرة أو موضوع إلا وأشبعا دراسة وتأليفاً، ولا مناص، الآن، من إعلان (موت الكاتب) النخبوي.. إذ إن ألق المفكر الحصيف والمنظّر المتمكن ولّى ولا حاجة، بعد، لأن يواصل الكتّاب طرق المسائل عينها، المكرورة، التي أكد الجاحظ، يوماً، أنها (المعاني -الأفكار والموضوعات والقضايا-)، ملقاة على قوارع الطرق، ولكن يتمايز ويتغاير الناس والمبدعون بأسلوب طرحها وطرقها، وبطبيعة الألفاظ المنتقاة في الشأن، وفي مدى تشويق وجاذبية الديباجات.

فإلى أين نحن سائرون، إذاً، وما الذي ينتظرنا بينما المشهد الكتابي الإبداعي المقود بأبجديات الذكاء الاصطناعي، تديره وتصمّم خرائطه وتسيّر ركابه وتحدد جرعات محتواه وهيئات طروحاته وأجساد كلماته وأفكاره، شركات ناشئة همّها وشاغلها الأول الربح وتحفيز نشاط السوق وتصريف المنتجات بأنواعها؟ ألا يفترض أن يدعونا هذا لأن ننظر إلى القضية بعين الحذر فنبادر إلى التحكم بخيوطها وإدارتها بحذق كي لا تموت الكتابة والمؤلفات والمقالات، الأصيلة، المسكونة بروح المجتمعات الإنسانية وبهواجس مصالحها الأسمى، وكي لا تكون عقولنا وأفكارنا متاحة لغزو حملات محتوى يضخه أصحاب رؤوس الأموال، مرماه المركزي توسيع حجوم السوق وتصريف السلع الفكرية والمادية التي ينتجها هؤلاء؟

إن المسارعة لتبني إجراءات ناظمة في الشأن، معيارية ودقيقة، ضرورة ملحة تكفل منع سطوة «المعرفة الاصطناعية» وتبدّد الكاتب الحق. فغير مقبول أن يتربع «التشات جي بي تي» على قمم كانت مقامات نخب الكتّاب وأولي الفكر، بالمجمل، أو أن يزيل الفروقات بينهم وبين الآخرين ويجعل مسالك التنوير والتنظير الرؤيويين، متاحة لأيّ كان. إننا أحوج ما نكون إلى أطر ومحددات تفضي إلى التمييز والفصل بين الكتابة التي يقدمها موظفون يعملون في حقول الإعلام والثقافة ويحتاجون لمعين كي يُنتجوا فيستحقوا رواتبهم، وبين الكتابة التي تصدر عن مثقفين ومفكرين وأهل اختصاص شاغلهم الإبداع وصوغ أناشيد المحبة والخير فنشرها في بقاع المعمورة. إن مراعاة هذه الجوانب والنقاط ضمانة جعلنا لا نفقد نصوع قيمة الفكرة، ولا نُفسد قدسية الكتابة ونبل القراءة الوجدانية التأملية المتحررة من ربقة السوق والعملية الربحية، ولا نسهم في أن تتحول الأفكار والنصوص الناضحة بالمشاعر والمعارف والوجدانيات، بيانات جافّة وخوارزميات توجّهها وتحكم قرارها السيرورة التسويقية المصلحية.

إننا أمام تحدٍ كبير حسّاس، ولا بديل لنا عن أن نعيد الاعتبار لهالتي الذات الكتابية والذات القرائية، النخبويتين. وذلك، بالطبع، من دون أن نحارب أو نحجب سواهما. وعلى الإطلاق، ليست مبادرتنا في الاتجاه محرّمة أو غير مشروعة، فلا بد وأن تبقى هاتان الهالتان عاليتي المقام ضمن حقول العملية الكتابية والأدبية والحياتية، بحيث لا يغدو كلّ الكتّاب سواسية ومن لون واحد، فتُقتل قرائح التميّز وتخلو الديباجات الأدبية والصحافية من علائم وومضات فارقة لماحة هي ما يلمع ويثقف ويقود ويؤشر إلى الصواب والغلط، ويغربل فيوض المعلومات والأحداث ويفرز الصالح من الطالح الذي يضر بمصلحة المجتمع، ويمنع تسليعنا ومواتنا الفكري.

إن إمحاء الفردانية الكتابية وجعلها مطية لأدوات وتقنيات ومحتوى شركات التكنولوجيا، سيعلّب الفكر وينمّطه ويحيلنا حلقات تكمل سلاسل العملية التسويقية، إلى أن يجعل تعويلنا على الأدب لتحقيق التغيير الإيجابي، هباءً منثوراً.

نعم، نحن بأمس الحاجة لأن نردع تغوّل تحوّل البيانات والخوارزميات، «الأخ الأكبر» الذي صوّر لنا جورج أورويل في روايته «1984»، كيفيات قدرته على قيادة تفكيرنا وسلبنا ملكاتنا ومراقبتنا وإخافتنا، ومن ثمّ توجيهنا وتحديد مساراتنا المسلكية الحياتية والمفاهيمية والكتابية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 15:46